قاسم محمد..المحكوم بالأمل والحالم بالمسرح في فضاء مطلق

قاسم محمد..المحكوم بالأمل والحالم بالمسرح في فضاء مطلق

عبدالإله عبدالقادر

تميز المسرح العراقي، منذ نشأته الحديثة، بطابعه الجدي المؤثر في المجتمع، طوال عقود القرن العشرين ومراحله، إذ استمر في تبوء مكانة مهمة، نجح معها، في تعزيز أشكال نضوجه وتنويع مفردات عطائه ومستوياتها.. فأثرى، في ظل هذا المناخ، مختلف التجارب المسرحية العربية، عبر مجموعة ركائز وعوامل جوهرية، أبرزها، تقديمه العديد من المسرحيين الذين أغنوا إبداعات الفرق على الخشبة، في شتى الدول، وضمنوا لها، تحقيق قفزات ارتقاء نوعية.

رسخ المسرح العراقي جملة تقاليد رفيعة لدى مريديه ومنتسبيه، تتصف بقيمتها الحيوية البناءة في كينونته الممهورة بعنوان ارتباط الجدلية الفكرية وروحية الإبداع.. ويمثل الراحل قاسم محمد، في هذا السياق، أحد الأعمدة التي يعتز المسرح العراقي بها.. ولا شك أننا نفاخر به كثيرا، نحن، إخوته وأصدقاءه، بين مسرحيي الوطن العربي الكبار.

سمات متعددة شكّلت وصاغت قيمة المبدع قاسم محمد (1936 م -2009 م)، ومن ثم تركزه قامة مهمة في عوالم المسرح العربي.. فهو صاحب تجربة ضاربة العمق في جذورها وأهليتها، كما أنه امتلك ثقافة موسوعية، نادراً ما نجدها تتوافر لدى أي من العاملين في المجال. كما انه لم يكن، وفي ظل جميع هذه الأسس، مخرجاً فحسب، بل بقي منشغلا ومنهمكا بالبحث والدراسة والتقصي حول التراث وموضوعاته.

لاستنباط واكتشاف جملة قراءات ومفاهيم محكمة، تغني المسرح العربي بثيمات التراث والهوية، فتفي بغرض تمتين وتعزيز مكون الأصالة فيه. وبطبيعة الحال، لم يمل قاسم محمد، أو تهن عزيمته في سبيل تحقيق هذا الهدف، في جميع المحطات، وحتى مع مواجهته المصاعب والعوائق. فاستمر مهموما بهذه الرؤية، ومؤمنا بأنه، وإلى أي درجة ومستوى يصل، سيكون قد قطع شوطا حيويا في خطى ترسيخ هذا المشروع البنيوي، من وجهة نظره.

وربما أنه لم يكن قد حقق مبتغاه في هذا الصدد، حين دخل صراعا مريرا مع مرض مضن لا يرحم ويتسلح بأدوات وذخائر فتاكة، بينا يهاجم رجلا ليس له من معين أو درع تحصنه، سوى الإيمان بضرورة العيش والتحدي، من أجل هدف واحد هو المسرح، والذي بقي أداة مقاومته المرض، وكذا معينه ومنجده، وما يتوكأ عليه في اجتياز الألم.

يصعب تدوين وحصر تاريخ قاسم محمد في صفحات محددة، مهما كان عددها، وذلك لغنى تجربته وفرادة مكون سماتها. وأظن أن تاريخاً وإبداعاً من هذا النوع، يحتاجان منا دراسات مطولة وشاملة، تتناسب مع حجم منجز رجل أعطى بتفان وصدق، وكان، بحق، فناناً مميزاً في طبيعة تأثيره بالحياة المسرحية ضمن العراق والإمارات ودول عربية عديدة. إذ امتدت تجربته إلى كل من: الجزائر، مصر، قرطاج (في تونس).

أعمال لا تغيب

وتبقى أعمال قاسم محمد في العراق، ذات نكهة متمايزة بفضل توليفة خصوصيتها التي تضفي وقعاً جميلاً على أهمية الدور الذي لعبه والمهام التي اضطلع بها، إذ لم يؤطر نفسه، في سياق تلك المرحلة، في جهة عمل واحدة، بل استمر ابناً ومبدعاً باراً بالمسرح العراقي عموما، يأبى أن ينطوي أو يتوقف عند حد ما. وبذا كان ممثلاً ومخرجاً وباحثاً وفاعلاً، في أكثر من فرقة مهمة ومعروفة. وهكذا توزعت تجربته وعطاءاته لتشمل: "فرقة الشعلة"،"المسرح الحر"، "المسرح الفني الحديث"، "الفرقة القومية".

وهذا إضافة إلى متابعته مسؤولياته كأستاذ في معهد وكلية الفنون الجميلة في بغداد، حيث درس وتخرج، على يديه، مسرحيون (أصبحوا مبدعين بارزين وأسماء لامعة)، يعدون بالعشرات بل بالمئات، انتشروا للعمل مع شتى المسارح في الوطن العربي.

لم تفقد الساحة المسرحية العراقية، إلى اليوم، بريق جماليات أعمال قاسم محمد وقيمتها. ومن بينها: "بغداد الأزل بين الجد والهزل" المأخوذة عن أدب الجاحظ، "شخوص وأحداث في مجالس التراث".

وهي عن أدب أبي حيان التوحيدي، "رسالة الطير" التي تمثل تجسيدا لأدب وفلسفة رسائل ابن سينا، "كان يا مكان"- عن الموروث الشعبي، "الملحمة الشعبية"- مأخوذة من التراث،" مقامات الحريري" وهي عن مقامات الحريري، "الزمن المسوس" التي تحكي عن محاورات السميساطي، "لا أحد يستطيع أن ينسى النخلة والجدران"- عن رواية غائب طعمة فرمان. وهناك أيضا، العديد غيرها.

مبدع ومشروع استراتيجي

عرفت قاسم محمد، عن كثب.. ولمست واكتشفت جيداً، ماهية صفاته وقيمته، إلى جانب تركيبة شخصيته ومزاياه.. إنه، وبحق، ليس فقط ذاك الفنان المقتدر صاحب المواهب المتعددة، المثقف الموسوعي المتمكن من ناصية الآداب والمعارف كافة. فطالما وجدته مثالاً خلاقاً لصورة الإنسانية بأرقى معانيها.. وأظنه من النماذج التي صعب وجودها، في أيامنا هذه.

عرفته في الستينات من القرن الماضي، عايشته وخبرته وزاملته، حين كان فنانا شابا مفعما بالحيوية ولديه الكثير من المشروعات والآمال.. وكنت تجد وتعي بيقين تام، حينها، كم هو صورة معبرة لحيوية مشروع المبدع. إذ كان مسكونا بأحلام كثيرة.

بل كان يحدثك كيف أن أحلامه هي هاجسه ومحركه نحو بذل أقصى ما يمكن: (نعم عندي حلم، وأرى الحلم جوهر حركة زمان ومكان وإنسان المسرح، فكرة وموضوعاً وتجسيداً وتجهيزاً وعرضاً، إن الحلم وحده ما يجعل من المسرح بكليته ثيمة آنية من الأمس، مفتوحة على اليوم وناجزة إلى الغد".

ظل قاسم يواكب معطيات حلمه ومتطلباته في رحاب الإبداع، فكان وفياً له، أعطاه وأخذ منه.. وطبعا تلك الأحلام الإبداعية كانت ذخره ومعينه بينما يقاوم آلام مرضه العضال.. كان يقول لي في أيامه الأخيرة، وهو مُقعد يجلس على الكرسي المتحرك: "لا أزال أحلم، كل يوم، وفي كل ساعة ودقيقة، في إخراج مسرحية".

وطالما فعل ذلك حقاً. إذ استمر يخرج نص مسرحيته تلك، متخيلا سيرورتها وأحداثها وحركاتها، على لوحة الجدار الذي كان يُصّلي نفسه أمامه، دائما، في عملية الحلم المتواصل.. إنها بالفعل مقاومة غريبة للمرض والعجز الذي يصاحبه، أثبت معها قاسم محمد أنه لا يتوقف عن الإبداع في أي من المجالات، وضمن شتى الظروف.. دائما كان يريد أن يتحدى المعوقات ويثبت تواصله وحيويته. إنه قيمة حقيقية وشعلة لا يخفت بريقها في مكون التجارب المميزة ضمن المسرح العربي.

إن قاسم محمد، يذكرني، بما قدمه من نموذج إبداع فريد، حتى وهو يواجه المرض والعجز، يذكرني بصديقنا، الفنان السوري الراحل سعدالله ونوس، الذي ابتلي بالمرض نفسه. وكان يناوئه ويتصدى له بالأسلوب عينه، وهو مفعم بالأمل وإرادة التحدي. وكثيرا ما خاطبني، عبر الهاتف، في أيامه الأخيرة:

"يا عبدالإله.. المرض شأنه شأن الاستعمار والظلم والظلام، لابد من المقاومة، كما كنا نقاوم الاستعمار والاستبداد والديكتاتورية.. أنا أدرك أنه أقوى منا، لكننا محكومون بالأمل وبضرورة أن نتواصل في الصمود في خنادقنا حتى نموت، لأن غيرنا سيتواصل بعدنا".

علاقة طويلة وعميقة، عنوانها المحبة والوفاء ومغامرة عوالم الإبداع، تلك التي ربطتني بالفنان الراحل قاسم محمد. ولم أشعر مرة، إلا أن فرادة سماته تتعزز وترسخ أكثر، يوما بعد آخر ليزداد معها تقديري له.. كان، رحمه الله، نبيلا وكريما.

وفي مجالسته كنت تجد متعة وفوائد جمة، فمحاورته الشيقة تخرجك من قيود الحاضر، وتنسيك وقفات الزمن وأحكامه وقوانينه. وأما أسلوب حديثه وطقوسه، فكانا وقع سحر خاص، إذ ينهلان من دماثة شخصه، وكذا موقفه الثابت وآراؤه الملتزمة التي تعكس شخصيته العصامية ورفضه الانحناء لأي من العواصف.

مسرح الحياة

كان قاسم يتنفس المسرح ويعيش وهجه وروحيته، أينما حلّ وكيف ما توجه.. هو من ارتأى ذلك وأراده.. فكان مشجعا على الفن.. حاثاً عليه، ومحفزا أبناءه على الانخراط في مجالاته. وهكذا تخصص أولاده في مجالات الدراما المختلفة.

كما تزوجت ابنته فنانا مبدعا في حقل المونتاج الإلكتروني في التلفزيون. هكذا هي حياة قاسم محمد.. استمر يعيش، معها وفيها، ضمن قلب المسرح وروحه وجسده، ذلك بموازاة تشبعه بقراءات ومعارف دقيقة ومنوعة ومتتابعة. وكذا بقي وفياً لتجاربه ومنهجه في عوالم الخشبة.

ويقول في بعض كتاباته التي لم تنشر بعد (لدي صورة منها، مهداة إلي من عائلته): " لابد من إيجاد طرق وأفكار للخروج بالممثل من واقع شغل منمط إلى واقع شغل متحرك، وطارق لأبواب اشتغالات جديدة، حسب قدرة المكان المسرحي الذي يعمل ضمنه هذا الممثل، ولعل التمرين الابتكاري كحالة اقترحها لتطوير الممثل المعني، لأن التمرين الابتكاري وثقافته النظرية والعملية، هو أحد مميزات الممثل الفاهم المولع والعاشق لعمليات عمله والناظر إلى المستقبل".

منهج فريد

لا يمكن للمطلع على تجربة قاسم محمد وكينونة إبداعه الشامل والمتنوع، إلا وأن يقر بأنه، وفي آن واحد، مزيج مبدع خلاق، مخرجاً وكاتبا وممثلا ومنظراً وأستاذا مسرحيا من الصنف الأول.

ويعد، رحمه الله، من المسرحيين العرب البارزين، الذين اهتموا بتوظيف البحث العلمي المنهجي في حقل تطوير المسرح بكافة تخصصاته. فجسد بهذا الخط، نموذج المبدع العقلاني، الحريص على تذخير شتى التجارب الإبداعية، بمساق أكاديمي يكفل تحقيق الفائدة الأكبر للشرائح جميعها.

ونتعرف على رؤيا قاسم محمد، وفهمه في سياق هذا، من خلال مضمون بحث له، لم ينشر حتى الآن (ولدي نسخة منه، مكتوبة بخط يده)، إذ يقول: "دور الدماغ في تأهيل الممثل الجديد". ومن ثم يتساءل: "أهي مواهب؟ أم قدرات؟ تلك الإمكانات الكامنة في تلافيف الدماغ والتي تعين وتحدد إبداع المبدع".

من بغداد راجلاً وإليها محمولاً

إن الراحل قاسم محمد، تاريخ متكامل من مفردات الإبداع وصفحاته، والذي ظهر نوره في العراق وانتشر في شتى بقاع الوطن العربي، إلى أن استقر في الشارقة بالإمارات، ولعل من حسن حظ قاسم، بل من حسن حظنا نحن جميعاً، أن نتدفأ تحت خيمة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، رجل الثقافة والإنسانية. فلم يتأخر سموه أو يتوان، عن رعاية قاسم محمد ومتابعة حالته الصحية، منذ ألم به المرض. كما قدم الكثير من المبادرات التي أفادت قاسم وعائلته، خاصة في ما يتعلق بتكاليف علاجه، بل ورعاية عائلته بعد رحيله، وهو ما ضمن للعائلة، حياة كريمة.

لم يكن موت قاسم محمد وحفل تشييعه، شبيهاً بما اختاره من هدوء يواكب صخب الإبداع في حياته.. فرحيله هال الجميع، فأبت عشرات الآلاف إلا وأن تشارك في وداعه الأخير، وكان تشييع جثمانه في بغداد مسقط رأسه، التي عاد إليها محمولا، تكريما فريداً لهذا المبدع الذي أخلص للمسرح والإبداع عموما، فبقي وفياً لمشروعه الفكري، يغادر ويغامر لأجله وبحثا عن متنفسه وبيئته، إلى أن وافته المنية، فأعلنت نهاية رحلة السندباد الذي عاد إلى شواطئ دجلة لينام على ضفافها إلى الأبد.

· عن صحيفة البيان الاماراتية