نص نادر عن إنتحار عبد المحسن السعدون  ياللمصيبة

نص نادر عن إنتحار عبد المحسن السعدون ياللمصيبة

2ـ2

الانتحار

بعد كتابة الكتاب خرج - رحمه الله - من مكتبه وأخذ يصعد إلى الطابق الأعلى، فرأته حضرة قرينته يمشي ويصعد منزعجاً انزعاجاً غريباً، وقالت بعد الفاجعة ما ملخصه:

(ما رأيته قط يمشي مثل تلك المشية، فساورني الرعب فتبعته إلى غرفة النوم فرأيته (يحشو) المسدس! فركضت مسرعة إليه وقلت له: أواه! ماذا تعمل؟ ولأي سبب تعمل هذا؟ فقال لي: دعيني! قلت: لا والله لا يمكن أن أدعك! فان كنت تريد أن تعمل شيئاً فاقتلني، اقتلني أولاً يا سيدي!... قال: دعيني وإلا قتلتك!... فصحت به مذعورة باكية: اقتلني! وقبضت على يده فحاول التملص مني، وتوجه إلى باب الشرفة (البالكون) فأوشك أن يصل الشرفة وأنا ماسكة يده اليسرى، وفي اعتقادي أني مانعته بهذه المسكة. ولكن - ويا للأسف - كان المسدس في جيبه الأيمن وهو قابض عليه بيمناه وأنا غائبة عن رشدي، وما أفقت إلا وصوت الطلقة النارية يدوي في الشرفة وكانت رجله الواحدة في الغرفة والأخرى في

الشرفة، فوقع على الحضيض!).

وعلى صوت الطلق الناري أسرع الشرطي أمين الذي في دار الفقيد العظيم، فرفعه ووضعه في فراشه في الغرفة، وتراكض الأولاد فتواقعوا هم ووالدتهم عليه يقبلون يديه ورجليه ويبكون.

بعد الانتحار

أسرعت الابنة الكبيرة الآنسة عائدة إلى التلفون فطلبت الدكتور خياط، وكذلك أسرع الآخرون فأرسلوا يطلبون عبد العزيز بك القصاب وخالد بك سليمان وغيرهما، وحيث أن دار عبد العزيز بك القصاب قريبة جداً من دار الفقيد وصل عبد العزيز بك عاجلاً إلى المحل فجثا عند سرير الفقيد الجليل، وعبد العزيز بك يتخيل أن المغفور له يتنفس بعد وأن عينيه تتحركان... فكان يعانق الجثة ببكاء مر، وذعر فائق يريد أن يصد الموت!... والظاهر أن عبد العزيز بك كانت عينه تخدعه - على ما ذكر الأطباء - لأن الطلقة أماتت الفقيد العظيم حالاً إذ أصابت مركز القلب.

وحضر الدكتور خياط مدير الصحة العام على جناح السرعة فعاين القتيل وتأكد أنه مائت.

حضور الأصدقاء والوزراء والأطباء

قدم خالد بك سليمان فرأى عبد العزيز بك والدكتور خياط في دار الفقيد فصاح عبد العزيز قائلاً: (لقد أضعنا عبد المحسن!...). وتقدم خالد إلى السرير، فرأى العائلة تبكي بلا شعور فبكى وبكى الجميع ولطموا وناحوا! وهتفت الآنسة عائدة تقول لخالد: (هات قلبك يا سيدي حتى نضعه في صدر بابا لعله يفيق!...).

وكان الولد الصغير واصف وأخته الطفلة نجلاء (يمسدان) رجل والدهما ويحاولان بهذا أن يعيدا إليه الحركة!.

وأما السيدة قرينته فكانت واقعة على رجليه تقبلهما وتبكي حتى فقدت الشعور.

ووصل حينئذ ناجي باشا السويدي وشقيقه توفيق بك وياسين باشا الهاشمي فاشتركوا في النحيب والتوديع...

وقر الرأي على إخراج العائلة والأولاد من الغرفة وإبقائهم في غرفة أخرى وإسعافهم خوفاً من أن يذوبوا تماماً من شدة الألم.

ثم حضر الطبيبان البريطانيان الدكتور دنلوب (مدير المستشفى الملكي) والدكتور وود من (مدير العمليات في المستشفى المذكور)، فعاينا الجثة، وتفقدا المسدس (وهو من طراز براونيك) وتفرسا في فوهة الجرح، وأخذا يسألان أسئلة شتى فقال لهما عبد العزيز بك أن لا يتوهما فإن الفقيد قد انتحر، وقد كتب كتاباً قبل الانتحار.

على أن عبد العزيز بك كان قد نزل - قبل وصول الأطباء - إلى مكتب الفقيد فرأى محفظته المتضمنة الأوراق الرسمية مفتوحة، وفوق الأوراق كتاب الوصية وقد تركه المرحوم على هذه الصورة ليجلب نظر الدقة إليه.

فقرأه عبد العزيز بك وقدمه إلى الحاضرين فرأوه وقرءوه باكين خاشعين!.

وقدم كذلك رستم بك حيدر (رئيس الديوان الملكي والسكرتير الخاص لجلالة الملك) والعين أصف بك قاسم آغا والنائب محمود صبحي بك الدفتري والنائب خير الدين أفندي العمري، والحاج سليم بك مدير الشرطة العام وجميل بك المدفعي متصرف لواء بغداد: وأحمد بك الراوي مدير شرطة لواء بغداد، وحسين بك أفنان مدير التشريفات...

ووصلنا نحن أيضاً، إلى محل الفاجعة ورأينا الجميع يبكون بتوجع شديد فاشتركنا معهم ولا نذكر أننا رأينا في حياتنا مثل هذا الهول أو مثل تلك المناحة (القلبية).

شهادة الوزراء وغيرهم

أما الوزراء فحالما رأوا الكتاب وقرءوه قرروا أن يسجلوا شهاداتهم فيه.فكتب توفيق بك السويدي في آخر الكتاب ما يلي: (هذا الكتاب قد وجد موضوعاً في أوراق البيك الخاصة، وقد تلي أمامنا، وأخذت صورة منه من قبل الشرطة، وهذا هو أصل الكتاب ١٣ - ١٤ تشرين الثاني ١٩٢٩).وذيل هذه الشهادة بإمضائه، أما الهاشمي باشا فكتب تحت الشهادة ما يلي: (وهذا الذي تضمن أكبر برهان عن عظمة التضحية التي قام بها رجل العراق وفقيده).

وذيل الهاشمي باشا هذه الشهادة بإمضائه، وكذلك أمضى كل من ناجي باشا السويدي، وعبد العزيز بك القصاب، وخالد بك سليمان وجميل بك المدفعي، والحاج سليم بك، وأحمد بك الراوي... ليحي ذكر عبد المحسن السعدون وتضحيته الوطنية العجيبة في قلب كل عراقي! انتهى كلام سليم حسون.

عبد المحسن بك السعدون قربان الاستقلال وضحية الحرية

ولد في ناصرية المنتفق في حوالي سنة ١٢٩٧ هجرية (١٨٨٠م) وعاش ٥١ عاماً، والده فهد باشا الذي توفي في سنة ١٣١٣ هجرية وعبد المحسن بك يوم ذاك في فروق (الآستانة) يدرس مع أخيه عبد الكريم بك. وله من الأخوة ما عدا عبد الكريم بك، عبد الرزاق بك وهو الولد البكر لفهد باشا وعمره اليوم ٦٥ سنة، ومحمد بك وعمره ٥٦ سنة، وعبد العزيز بك وعمره ٥٠، وحامد بك وعمره ٤٥، وعبد اللطيف بك وعمره ٤٢، وعبد الهادي بك وعمره ٤٠، وعبد الرحمن بك وعمره ٣٦، وحمدي بك وعمره ٣٤، وعبد المجيد بك وعمره ٣٣ سنة والأم التي أنجبت عبد المحسن بك من علية بيوت آل السعدون ومن الأميرات السعدونيات، وهي كريمة فيصل التركي آل رشيد... ترعرع في حضن الشرف والإمارة وبقي في بلاد المنتفق حتى بلغ من العمر ١٣ سنة.

التشييع والدفن

اشتركت العاصمة كلها بتشييع جثمان الفقيد على اختلاف أجناس أهاليها وطبقاتهم وقد انتشروا من دار الفقيد الكبير إلى مرقد الكيلاني.

وفي الساعة الثانية ونصف بعد ظهر ال ١٤ من شهر ت٢ (١٩٢٩) انتظمت المواكب مراعية المنهاج الذي نهجته الحكومة، فمثل جلالة الملك المعظم سمو الأمير غازي ولي عهد العراق، ومثل حكومة الدولة البريطانية فخامة نائب المعتمد السامي فساروا وراء

الجنازة بثيابهما الرسمية وتلاهما كبار الدولة طبقات طبقات.

وكانت الجنازة الكريمة ملفوفة بالعلم العراقي وموضوعة على مركبة مدفع وكان السير بها هادئاً جداً على نغم الموسيقى الحربية الشجي وعلى جانبي طريق الموكب صفوف الجنود من مشاة وخيالة تتبعهما الشرطة.

وفي الساعة الرابعة ونصف وصل الموكب إلى المرقد الكيلاني فاخذ الجنازة المحامون وحملوها على أكتافهم وأدخلوها الحضرة الكيلانية فصلى عليها أصحاب السماحة النقيب والمفتي والعلماء، ثم تقدم الخطباء وأبنوا الفقيد أحسن تأبين وفي الآخر دفن الجثمان في مقبرة الحضرة الكيلانية بين دوي المدافع وبكاء الكبار وعويل الصغار ومستنزلين الرحمات الواسعة على تربته الطيبة.

مجلة (لغة العرب) ليوم 1 كانون الثاني 1930