أحمد شوقي.. قصائد مكتوبة بنور الإيمان

أحمد شوقي.. قصائد مكتوبة بنور الإيمان

يوسف أبو لوز

يأتي في السيرة الذاتية لأحمد شوقي (1868 ــ 1932) ونحن نعرف أن تلك الدراسة البدائية الكلاسيكية كانت تتمحور على عِلمين مهمين.. علم اللغة، وعلم القرآن الكريم، أي أن مرجعية ذلك الجيل الذي تربى على (الكُتاب)،

أو (المطاوعة) هو جيل ذو مرجعية دينية إسلامية، وبشأن أحمد شوقي فقد حفظ قدراً من القرآن الكريم، وحصّل قدراً من علوم الدين الحنيف. ينحدر أحمد شوقي من أصول تركية كردية شركسية لجهة أبيه وأمه، وشوقي الذي بايعه فطاحل وفحول الشعراء العرب على إمارة الشعر في العام 1927 هو إلى جانب كونه علامة شعرية كبرى في تاريخ ديوان العرب، هو أيضاً أدخل المسرح إلى الشعر، شأنه شأن شعراء آخرين مزجوا بين الشعر وفن الخشبة، وهو أيضاً من رموز اللغويين العرب، كما يعرف ذلك كل من شغف بهذه الشخصية الاستثنائية التي ولدت في كنف عائلة ثرية.. وتقول سيرته إن جدته لأمه كانت تعمل وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل.

الشيخ محمد البسيوني أول من التفت إلى تباشير موهبة أحمد شوقي الشعرية، ومرة ثانية، نعود إلى القول إن الروح الدينية الإسلامية كانت جزءاً ملحوظاً من تركيبة شوقي الثقافية والتربوية، وبالتالي، وكما سنعرف بعد قليل سوف يظهر هذا التكوين الروحي الديني في تراث أمير الشعراء الذي سيعرف العمل السياسي بعد عودته من فرنسا التي ذهب إليها بابتعاث من الخديوي توفيق.

من الضروري أن نشير في هذه الصورة القلمية حول صاحب (الشوقيات) إلى أن كل شاعر عظيم في العالم تنطوي روحه على قدر كبير من شفافية روحانية نورانية مبعثها الإيمان أو التدين، وكان شوقي من هذه الطينة الإنسانية، وبالطبع لم يكن هذا (الأمير الشعري) متديناً أو إسلامياً، بالمعنى المسيس، أو النفعي، أو الانتهازي، بل، كان يغسل ذاته بنور الإيمان والإسلام، وهذه الروحانية المولودة من ذاتين.. ذات الشعر، وذات الثقافة الإسلامية المتنورة موجودة عند الكثير من الشعراء العرب، بل، هناك شعراء عالميون أو أجانب قبسوا من نور الدين الإسلامي، بورخيس على سبيل المثال، وهكذا في قراءتنا لشخصية أحمد شوقي نجد أنفسنا أننا نقرب بين روح الشاعر، وروح الإنسان، وروح ثقافته ومرجعيته التي تعود في بعض تكويناتها إلى تربية إسلامية، أو خلق إسلامي رفيع.

عاش أحمد شوقي في مرحلة النهضة التنويرية التي شهدتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين، وسيقترب من الثقافة الفرنسية ويتأثر ببعض رموزها مثل (موليير)، لكنه ظل مشدوداً إلى ثقافته العربية الإسلامية، وسوف يعزز من ثقافته الأجنبية، أو الأوروبية من خلال تجربة نفيه إلى إسبانيا في العام 1915.

كتاب نادر

في قراءة، أو استعادة أحمد شوقي سوف نعثر على كتاب نادر صادر في القاهرة في العام 1972 في إطار ما كان يسمى آنذاك سلسلة مطبوعات الجديد، والكتاب بعنوان "مختارات من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي"، وقدم له طه وادي، ويقوم الكتاب على مختارات شعرية، ووثائق مهمة عن شعر شوقي، إضافة إلى دراسة عن الشاعر، وبخصوص الوثائق التي تعود إلى عشرات السنوات (أكثر من نصف قرن) فهي اليوم قد تكون مجهولة تماماً لقراء التراث الشعري الكلاسيكي (عمود الخليل بن أحمد الفراهيدي)، وهي مناسبة كريمة في ظلال شهر الصوم والرحمة والبركة أن نلتفت إلى هذه الوثائق بعد مرور هذه السنوات، فقد تنفع تماماً عند إعادة قراءة هذا الشاعر الذي يشكل وحده ظاهرة شعرية عربية نجد مثيلاً لها عند كبار شعراء العربية مثل المتنبي والبحتري وأبي العلاء المعري وابن الرومي ومحمد مهدي الجواهري، ففي 7 إبريل/نيسان 1888 نشرت له أول قصيدة في "الوقائع المصرية"، وفي العام 1890 عينه الخديوي توفيق في ما كان يسمى آنذاك "قلم السكرتارية الخديوية"، وسنعرف من الوثائق أيضاً إنه كان عضواً في مجلس الشيوخ، كما سنعرف أن شاعر الهند الكبير طاغور زار أحمد شوقي في العام 1926.

سلوا قلبي

نطوف الآن في الفضاء الشعري (الشوقي) ذي البعد الروحاني الديني، فهو كتب قصيدة "سلوا قلبي" في ذكرى المولد النبوي الشريف، وتتألف القصيدة من 54 بيتاً جاءت على البحر الوافر وهي قصيدة حكمية، خشوعية، تعليمية أيضاً، وتحمل أخلاقيات عظيمة هي أساسية في ديننا الإنساني الرحيم.. ومن القصيدة نقتطف هذه الأبيات:

وكل بساط عيش سوف يطوى وإن طال الزمان به وطابا

كأن القلب بعدهُمُ غريب إذا عادته ذكرى الأهل ذابا

ولا ينبيك عن خلق الليالي كمن فقد الأحبة والصحابا

***

أخا الدنيا أرى دنياك أفعى تبدل كل آونة إهابا

وأن الرقط أيقظ هاجعات وأترع في ظلال السلم نابا

ومن عجب تشيّب عاشقيها وتفنيهم وما برحت كعابا

فمن يغتر بالدنيا فإني لبستُ بها فأبليت الثيابا

لها ضحك القيان إلى غبي ولي ضحك اللبيب إذا تغابى

جنيت بروضها ورداً وشوكاً وذقت بكأسها شهداً وصابا

فلم أرَ غير حكم الله حكماً ولم أرَ دون باب الله بابا

معجزة شعرية

أما معجزته الشعرية، أو قل معلقته التي جاوزت المعلقات فهي قصيدة (نهج البردة) التي جاءت في 190 بيتاً من الشعر بنفَس شاعر كبير لا يعرف اللهاث، ومن المعروف أن هذه القصائد الملحمية تحتاج إلى صبر، وصنعة، وامتلاك استثنائي للغة، ومواصلة إعجازية للفكرة، أو المضمون الذي يقوم عليه النص، وهذه توفرت في (نهج البردة) لأحمد شوقي ومنها:

محمد صفوة الباري ورحمته

وبغية الله من خلقٍ ومن نسمِ

وصاحب الحوض يوم الرّسل سائلة متى الورود؟ وجبريل الأمين ظَمي

سناؤه وسناه الشمس طالعة

فالجرم في فلكٍ والضوء في علمِ

قد اخطأ النجم ما نالت أبوّته من سؤددٍ باذخٍ في مظهر سَنمِ

نمُوا إليه فزادوا في الورى شرفاً ورُبّ أصل لفرع في الفخار نُمي

حواه في سبحات الطهر قبلهُمُ نوران قاما مقام الصّلب والرّحِمِ

لما رآه بحيرا قال: نعرفه

بما حفظنا من الأسماء والسّيمِ

سائلْ حِراءَ وروح القدس.. هل

عَلِما مصون سرٍّ عن الإدراك مُنكتم

كم جيئةٍ وذهابٍ شرّفتْ بهما

بطحاء مكة في الإصباح والغسمِ

إلى أن يقول:

ونوديَ: اقرأ تعالى اللّه قائلها لم تتصلْ قبل من قيلتْ له بِفمِ

هناك أذّن للرحمن فامتلأتْ

أسماعُ مكة من قدسيّة النغم

القصيدة على البحر البسيط، وهي كما يعرف الجميع معارضة، أو مجاراة شعرية لقصيدة البوصيري، وتتكثف في (بردة) شوقي غنائية صافية ساعدت طبيعة البسيط على شفافية ونقاء هذه اللغة الروحية البيضاء.

الشوقيات المجهولة

في العام 1961 أصدر د. محمد صبري كتاباً بعنوان "الشوقيات المجهولة"، ومنذ السطور الأولى في الكتاب، يقول صبري ".. وجدنا لشوقي أكثر من مئة وثلاثين قصيدة أو نحو 400 بيت من الشعر، بخلاف نحو 1000 بيت من المقطوعات والأبيات المتفرقة، وبخلاف نحو ستين مقالة أو قطعة نثرية، وكل هذا لم يسبق نشره في دواوين شوقي ومؤلفاته التي طبعت في أثناء حياته وبعد مماته..". هذا الكتاب الذي يكشف عن آثار شوقي التي لم يسبق كشفها أو نشرها جاء في جزأين. في الجزء الأول نقرأ هذا النص لشوقي، وهو من تهنئة بإقبال شهر الصوم المبارك:

أفي هذا الشباب تعف نفس ولا يلهي الفتى هذا النعيم

ألا يدعوك للذات صفو وأكثرنا على كدر يحوم

كأن مكارم الأخلاق روض وأنت الزهر فيه والنسيم

فهلا اختار هذا النهج قوم خلالُ الدين بينهم رسوم

وما جهلوا فوائد ما أضاعوا

ولكن ربما نسي العليم

تغيّرنا فلا ظنٌ جميل بخالقنا ولا قلب سليم

كأنا في التلون قوم موسى

وأنت بنا كما شقي الكليم

فإن لم ترض أخلاقاً فعذراً لعل ضلالنا هذا قديم

شوقي شاعر الفخر والرثاء والغربة والمجاريات.. ابن النيل المحب لبلده وللوطن العربي نستعيده اليوم ونستعيد في ظلال شعره قصيدة يتذكرها كل عربي تجري في عروقه عروق وياسمين دمشق ومنها:

سلام من صبا بردى أرقّ ودمعٌ لا يكفكَفُ يا دمشق

وبي مما رمتك به الليالي

جراحات لها في القلب عمق

ألست دمشق للإسلام ظئراً

ومرضعة الأبوّة لا تعقّ

وكل حضارة في الأرض طالت

لها من سرحك العلوي عرق

إلى أن يقول:

وللحرية الحمراء باب بكل يدٍ مُضرّجةٍ يُدقّ

· عن جريدة الخليج