قصائد شوقى أعظم المدائح فى الرسول

قصائد شوقى أعظم المدائح فى الرسول

فاروق جويدة

مازلت أعتقد أن قصائد أمير الشعراء أحمد شوقى فى مدح الرسول عليه الصلاة والسلام هى أعظم ما قال الشعراء فيه..ورغم أن شوقى لم يكن متصوفا ولا زاهدا، فإنه كتب مجموعة من القصائد تعد من روائع الشعر العربى عبر تاريخه الطويل..ومن حيث العدد فهى تزيد على سبع قصائد وتزيد أبياتها على مئات الأبيات: ولد الهدي، ونهج البردة، وإلى عرفات الله، وسلوا قلبى..

وفى نهج البردة عارض شوقى الإمام البوصيرى الصوفى العظيم وقد كتبها وكان يعانى الشلل ورأى الرسول عليه الصلاة والسلام فى المنام فألقى عليه بردته الشريفة وأفاق الإمام البوصيرى ليجد نفسه وقد برئ من المرض..والصوفية فى كل بلاد العالم يتبركون ببردة الإمام البوصيرى وينشدونها فى حلقات الذكر ويكتبونها على جدران المساجد والأضرحة..وقد عارض البردة مائتا شاعر وكانت نهج البردة لشوقى أشهر المعارضات للبوصيرى..

كانت قصائد شوقى وبردته الشهيرة أجمل ما غنت كوكب الشرق أم كلثوم من ألحان رياض السنباطى..وكان هناك حس صوفى جمع كلمات شوقى مع صوت أم كلثوم والسنباطى..وفى تصورى أن أم كلثوم كانت تتمتع بحس صوفى وهى تغنى للمصطفى عليه الصلاة والسلام، أما السنباطى فكان العاشق المتصوف المحب للرسول وآل بيته..ومازالت كلمات شوقى فى مدح الرسول أجمل وأعذب ما كتب وما غنت أم كلثوم..

أبا الزهراءِ قد جاوزتُ قدرىِ

بمدحكَ بَيْدَ أنّ ليَ انتسابا

وما عَرِفَ البلاغة ذو بيانٍ

إذا لـم يتخــــذكَ لــــه كتـــــــابا

مدحتُ المالكِينَ فزدتُ قدرا

وحين مدحتُكَ اقتَدتُ السحابا

وما للمسلمين سواكَ حصنٌ

إذا ما الضّرُ مسّهُمُ ونابا

كثير من الشعراء مدح رسول الإسلام: كعب بن زهير وحسان بن ثابت والإمام الشافعى.. وكتب سيدنا على كرم الله وجهه شعرا جميلا فى كتابه الأشهر نهج البلاغة وكانت كل هذه الأشعار رسائل حب..ولكن شوقى تناول فكر الرسول ومواقفه وحياته من خلال منظور إسلامى واسع..إنه لم يمدح شخصا فقط ولكنه مدح الشخص والعقيدة والفكر والسلوك..بل إن شوقى توقف كثيرا عند صفات الرسول وأخلاقه،..

كثيرون توقفوا عند حياة الرسول من أكبر كتابنا محمد حسين هيكل باشا فى كتابه الأشهر محمد، والعقاد فى عبقرية محمد، وخالد محمد خالد فى رجال حول الرسول، والخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله للكاتب الأمريكى مايكل هارت، وهناك ما كتب جوته وتولوستوى وبرنارد شو عن رسولنا الكريم..هذا بجانب كتابات أخرى لكتاب عرب وأجانب ومسلمين فى كل دول العالم.. وكان من حسن حظ أحمد شوقى وسط هذه الكوكبة أن اجتمع صوت عبقرى ولحن خالد لتكون كلمات شوقى أعظم وأجمل ما قيل من الشعر فى رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام..

يا مَن لَهُ الأَخلاقُ ما تَهوى العُلا

مِـنـهـا وَمـا يَـتَعَشَّقُ الكُبَراءُ

لَـو لَـم تُـقِـم ديناً لَقامَت وَحدَها

دينـاً تُـضـيءُ بِـنـورِهِ الآناءُ

زانَـتـكَ فى الخُلُقِ العَظيمِ شَمائِلٌ

يُـغـرى بِـهِـنَّ وَيولَعُ الكُرَماءُ

أَمّـا الـجَمالُ فَأَنتَ شَمسُ سَمائِهِ

وَمَـلاحَـةُ الـصِـدّيقِ مِنكَ أَياءُ

وَالـحُـسنُ مِن كَرَمِ الوُجوهِ وَخَيرُهُ

مـا أوتِـيَ الـقُـوّادُ وَالـزُعَماءُ

لما مرض "أحمد شوقي" مرضه الأخير الذى لقى فيه ربه دخل عليه ذات صباح خادمه الخاص وقال له إن هناك رجلا ينتظرك بالخارج ويقول إن اسمه "محمد الأحمدى الظواهري فهب "أحمد شوقي" من فراشه مسرعا وهو يقول إنه شيخ الأزهر..وخرج إليه وهو يقول مرحبا بالإمام الأكبر، فلما جلسا قال الشيخ الظواهرى لأحمد شوقى.. لقد جئتك مأمورا من رسول الله - صلى اللَّهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلم..لقد زارنى الليلة الماضية فى المنام وأمرنى أن أخبرك أنه - صلى اللَّهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلم - فى انتظارك.. بكى أحمد شوقى من شدة الفرح بهذه البشارة..ولم يمض على هذا اللقاء إلا أيام يسيرة وانتقل أمير الشعراء أحمد شوقى جوار ربه..

ويقول الشيخ الشعراوى: لا تقولوا شوقى رحمه الله ولكن قولوا شوقى رضى الله عنه، فلم يمدح النبى - صلى اللَّهُ عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلم - أحدٌ من الناس بمثل ما مدحه به شوقى..وقد روى الإمام الشعراوى قصة أخرى عن شيخ الجامع الأزهر الشيخ الظواهرى أنه شاهد الرسول فى المنام والصحابى حسان بن ثابت شاعر الرسول يقدم له الشعراء ولكن الرسول قال لحسان وأين أحمد شوقى؟ ومن هنا ذهب الإمام شيخ الأزهر إلى شوقى فى اليوم التالى وكان مريضا وأخبره بالرؤيا..

سألت الموسيقار محمد عبدالوهاب: هل كان أحمد شوقى متصوفا؟ فقال كان متدينا باليقين وكان مسلما يحب دينه ويحب رسوله.. وكان يرى الإسلام دينا إنسانيا شاملا بما جاء به من الأخلاق والقدوة، كان شوقى يعتز كثيرا بدينه..وكان يرى الإسلام دين حضارة وسلوك وقيم رفيعة، ولهذا كانت قصائده فى الرسول من أجمل ما كتب..

فَـإِذا سَـخَوتَ بَلَغتَ بِالجودِ المَدى

وَفَـعَـلـتَ مـا لا تَـفعَلُ الأَنواءُ

وَإِذا عَـفَـوتَ فَـقـادِراً وَمُـقَدَّراً

لا يَـسـتَـهـينُ بِعَفوِكَ الجُهَلاءُ

وَإِذا رَحِــمـتَ فَـأَنـتَ أُمٌّ أَو أَبٌ

هَـذانِ فـى الـدُنيا هُما الرُحَماءُ

وَإِذا غَـضِـبـتَ فَإِنَّما هِيَ غَضبَةٌ

فـى الـحَـقِّ لا ضِغنٌ وَلا بَغضاءُ

وَإِذا رَضـيتَ فَـذاكَ فى مَرضاتِهِ

وَرِضـى الـكَـثـيرِ تَحَلُّمٌ وَرِياءُ

وَإِذا خَـطَـبـتَ فَـلِـلمَنابِرِ هِزَّةٌ

تَـعـرو الـنَـدِيَّ وَلِـلقُلوبِ بُكاءُ

أقول هذا وأنا أشعر بحزن أن يتطفل مجموعة من الأدعياء ويتناولون سيرة الرسول بصورة تتنافى مع الفكر والأخلاق وينشرون جهلهم بنوايا مشبوهة.. وأحزن أكثر وأنا أقرأ ما كتب كتاب كبار عن رسول الإسلام وكيف تسللت عصابات مدسوسة تحركها المصالح لتشوه تاريخ أمة عظيمة.. إن المقارنة بين فكر حقيقى وفكر مشبوه وبين قامات صنعت حضارة وأقزام شوهوا كل شيء، لا أدرى ما هى نهاية هذا الضياع؟ كلما اختلت الموازين وظهرت الأشباح فى الأفق..أعود إلى شوقى وأم كلثوم والسنباطى أستعيد يقينى وأسترد حقيقة لا خلاف عليها فأما الزبد فيذهب جفاء ولن يبقى إلا ما يستحق البقاء..

وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّى

وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا

وَما استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ

إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُمْ رِكابا

سَأَلتُ اللهَ فى أَبناءِ دينى

فَإِن تَكُنِ الوَسيلَةَ لى أَجابا

وَما لِلمُسلِمينَ سِواكَ حِصنٌ

إِذا ما الضَرُّ مَسَّهُمُ وَنابا

إن إهانة التاريخ من بعض الحاقدين من أشباه الكتاب وأدعياء الفكر جريمة فى حق القيم والمصداقية والأمانة وهؤلاء ينبغى ألا يسمعهم أحد.. إن خالد بن الوليد لم يكن سفاحا ولكنه قائد فذ من أكبر القادة فى التاريخ وكلنا يذكر المواجهة التاريخية بينه وبين عمر بن الخطاب حول قضايا الحرية وماذا يقال عن عمر بن الخطاب أكبر دعاة العدل والفضيلة..هناك مجموعة أصوات شاذة تضلل الناس وتشوه الحقيقة وحسابهم عند الله.. هل بعد ما قال العقاد وخالد محمد خالد والغزالى عن ابن الخطاب وخالد وأبى بكر يمكن أن نسمع هذا الضلال وهذه الفتن؟ إنها مأساة. يكفى أن سيدنا عمر رضى الله عنه قال عن خالد بن الوليد بعد وفاته عجزت النساء أن يلدن مثل خالد..

بعد أن تقرأ ما كتب العقاد وهيكل باشا وخالد محمد خالد والغزالى ونظمى لوقا وما كتبه أمير الشعراء عن سيد الخلق عليه الصلاة والسلام لا تلوث فكرك ولا تشوه عقلك بما يطلق المغامرون وتجار المصالح والأدعياء عن رسولنا الكريم وصحابته..

فى أحيان كثيرة تصيب موجات من الجنون بعض العقول وتصبح أرضا ممهدة للشطط والدعاوى الكاذبة حتى تصل فى النهاية إلى شيء يشبه الضلال..وهؤلاء لا علاج لهم إلا فى مستشفيات الأمراض العقلية لأنهم أخطر على شعوبهم من أى أمراض أخرى.. اللهم ارحم هذه الأمة من بعض أبنائها..

· عن جريدة الاهرام