شذرات من علي الوردي

شذرات من علي الوردي

سعيد الحمد

علي الوردي ظل قريبًا من البسطاء في وطنه يخالطهم يوميًا ويداعبهم بالنكات

عالم الاجتماع العراقي العربي الأشهر الدكتور علي الوردي عرفناه من خلال كتبه ودراساته السوسيولوجية الدالة والمهمة وقرأناه نقديًا وساء لنا العديد من لمحاته الفكرية ولنا حولها آراء لسنا في واردها هنا.

لكننا نقف اليوم في شبه استراحةٍ ثقافية إن صحت التسمية مع شذرات ذات دلالة نحتاجها ويحتاجها كل دارس سيوسيولوجي لمجتمعه، ويحتاجها المثقف "الطليعي" او بالأدق المؤدلج ليغادر برجه ويقترب من الناس العاديين معايشًا ومخالطًا ومصادقًا لهم، وهكذا كان علي الوردي العالم الموسوعي الكبير.

كان يجلس على مصاطب المقاهي العراقية يحتسي الشاي "المخدر" مع رواد تلك المقاهي ويفتح معهم حوارًا يساجلهم ويساجلونه، يستمع لهم أكثر مما يحدثهم ويصغي بإذن عالم الاجتماع لما يقولونه ويطرحونه.

رآه يومًا مدير الجامعة على زواية أحد المقاهي، فاستدعاه صباح اليوم التالي إلى مكتبه بالجامعة، وقال له ما معناه: "لا يليق بك أن تجلس على المقاهي وتخالط رواده الشعبيين كما رأيتك بالأمس".

ابتسم الوردي وقال له "يا دكتور تلك المقاهي هي المختبر العملي لنظرياتنا وأطروحاتنا التي نطرحها في الكتب وفي إصدارتنا، وكم نحتاج لأن نختبرها على أرض الواقع المعاش الذي نجد بعضه في تلك المقاهي".

وفي أحد الأيام قال له مثقف معجب بأطروحاته لماذا يا دكتور تكتب بلغة وبأسلوبٍ بسيط وسهل، قال له الوردي: "أنا أكتب ليفهمني الجميع وليس لفئةٍ بعينها، أنا كاتب للجميع"، علق على ذلك مثقف آخر فقال: "علي الوردي طباخ ماهر يقدم وجبات شعبية في متناول البسطاء".

الدكتور علي الوردي حذر مبكرًا من الطائفية والاحتراب الطائفي في العراق، اختلف معه اليساريون الذين نفوا عن العراق والمجتمع العراقي خطر الطائفية والانقسام الطائفي على اعتبار أن مصانع النفط تجمع كل الأطياف والطوائف في طبقة واحدة هي العمال.

الوردي اختلف معهم وذكرهم بأن ثقافة الجميع وخلفيته هي ثقافة المجتمع الزراعي العراقي، وهو مرشح في هكذا ثقافة للانقسام الطائفي.

فهل كان العالم علي الوردي يتنبئ أم كان يحلل ويقرأ المسكوت عنه والمضمر في ثقافة شعبية؟؟

وعلي الوردي لم يقف أمام علم ازدواجيته الشخصية الذي كتب عنه من منظور وتحليل وتفسير اجتماعي سوسيولوجي، ولم يسأل هل ازدواجية الشخصية ندرسها من ناحية سوسيولوجية أم من خلال علم النفس؟؟

هكذا قال بعض دارسي الدكتور علي الوردي، فرد عليهم بأن علم الاجتماع يقرأ ويفكك الظواهر من منظور اجتماعي وهذا دوره وهي رسالته وإن كان لا يُصادر أي دور لأي تخصص علمي آخر.

علي الوردي امتنع عن الكتابة "16 عامًا" نتيجة الظروف والأوضاع السياسية التي تصادر الرأي العلمي الاجتماعي.. والسؤال لماذا لم يغادر علي الوردي العراق وهو العالم الكبير ليتمتع في الخارج بحرية التحليل والتفكير.

هذا السؤال المتأخر لم يجب عنه علي الوردي الذي ظل قريبًا من البسطاء في وطنه يخالطهم يوميًا ويداعبهم بالنكات، كما داعب يومًا أحد القصابين، فسأله عندك مخ؟؟ قال القصاب: عندي كلاوي وعندي كتف وعندي عنق، قال الوردي: أنت أكثر واحد مرتاح في العراق.

ذلك هو علي الوردي لا يستطيع العيش في الغربة فهو من الناس واليهم كما قال الباحث حسين سعدون.

نُعيد اليوم قراءة علي الوردي ونختلف مع الكثير من تحليلاته وقراءاته، وهذا يدل على حيوية العلم وتطوره ومتغيراته ومن الخطأ النظر إلى علي الوردي "بدوغما" وجمود "وتقديس" أطروحاته كما فعل أنصاف المثقفين الذين لم يعرفوا من علم السوسيولوجيا سوى العناوين يحفظنها دون فهم ودون وعي.

· جريدة الايام البحرينية