من البرج العاجي.. خيري الهنداوي في ذكراه

من البرج العاجي.. خيري الهنداوي في ذكراه

ميري بصري
في يوم صافي الاديم من سنة 1947 شددت الرحال الى الحلة الفيحاء مع الصديقين الاستاذ عباس العزاوي والمرحوم السيد عبد الله مظفر لزيارة الشاعر الاستاذ خير الدين الهنداوي الذي كنت قد سمعت باسمه واطلعت على شعره فوددت التعرف على شخصه، وكان الشاعر انذاك رئيسا للتسوية فزرناه في مكتبه المطل على نهر الفرات وقضينا معه سويعة هنيئة تمتعنا خلالها بحديثه الطلي وفكاهته العذبة وذكرياته الناصعة المبينة.

كان خيري الهنداوي الذي توفى في 29 كانون الثاني سنة 1957 من شعراء الطبقة الثانية الذين نبغوا في عهد الدستور العثماني وحملوا لواء الشعر في العراق في مطلع عهد الحرية والاستقلال، ولما اسست الحكومة في اعقاب الحرب العالمية الاولى، كان الشعراء والادباء لسان الامة الناطق وعنصر ثقافتها السابق، تقدموا الى الصفوف الامامية وزالوا المراكز والمناصب فاستوزر منهم من استوزر ووظف من وظف وناب في المجالس النيابية من ناب، وقد واصلت طائفة منهم اداء رسالتها الادبية الى جانب العمل الحكومي او السياسي، اما الفريق الاخر فتربع على الكراسي الوثيره وودع الشعر والنثر حتى انطبق عليه قول الشاعر عبد الحسين الازري:
غنى فاطعمه السقاة
وعجلوا بسباته
كالعود تملا جوفه
فيكف عن نغماته!
اما شاعرنا الهنداوي فلم ينقطع عن فرض الشعر، وكان نصيبه الانخراط في سلك الادارة حيث امضى نحوا من ثلاثين سنة.
ولد خيري بن محمد صالح بن عبد القادر الحسيني العلوي الشهير بالهنداوي نسبة الى محلة من محلات قرية بهرز في سنة 1885، وكان مولده في قرية باصيدا من قرى ديالى، وهي من اوقاف ال النقيب الكيلاني، وكان ابوه، وجده من قبله وكيلا لهم فيها، واشتهر جده السيد عبد اقادر بالموال والزهيري وله مطارحات شعرية مع عبد القادر الاخرس.
ولم يبلغ شاعرنا الخامسة من عمره حتى جد به ابوه الى بغداد فدرس فيها القرآن وشيئا من العربية، وتنقل اهله بعد ذلك في انحاء العراق الجنوبي من العمارة الى قلعة صالح ومن باصيدا الى الديوانية وعفك والشنافية. والفتى خيري يدرس ما وجد الى الدرس سبيلا ويلازم العلماء والشعراء، فممن اخذ عنهم على علاء الدين الالوسي ومصطفى الواعظ وغيرهما، وبدا يعالج النظم، حتى اذا ما عاد الى بغداد هيئ له الاتصال بشاعري النهضة الحديثة جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي فنهل من معينهما وسار على نهجهما. واطلع على اثار النهضة الفكرية في تركيا والشام ومصر فاتسعت مداركه ونمت ثقافته وتفتحت مواهبه وسلك في عداد شعراء الشباب المبرزين الذين ملاوا تلك الحقبة بصداحهم ونواحهم.
والف وقتئذ حزب (الاتحاد والترقى) فارهف قلمه في الدعوة الى مبادئه نظما ونثرا، ثم اتصل بالسيد طالب النقيب زعيم الحركة الاصلاحية في البصرة فمنحه بقصيدة. هزته حادثة ضياع سلانيك في حرب البلقان فقال :
أم البلاد، اضاعك الاقوام
فبكى مرابع مجدك الاسلام..
ان البلاد اذا تخاصم اهلها
فالا بعدون بها هم الحكام
وقد بارى بذلك قصيدة احمد شوقي الشهيرة.
ونشبت الحرب العمى وامتد اوارها الى ربوع العراق وشطئانه، فخاض الهنداوي غمارها جنديا وذاق مرارا السجن والتشريد، ثم لم يجد مناصا من الاختفاء في دار بعض اصحابه ببغداد حتى انجلى عنها حكم الاتراك، ولم يلبث ان انضوى للعمل في حكومة الاحتلال في اول ايار 1917، تعين مساعدا ماليا في العزيزية ونقل الى الحلة فاشترك في ثورتها الاهلية ونفى فيمن نفى من زعمائها الى هنجام.
حدثني الاستاذ محمد على كمال الدين عن نفي الهنداوي قال: كان السيد خيري معاونا للحاكم السياسي في الحلة. وفي ذات يوم بلغ الحاكم ان اجتماعا قد عقد في الجامع الكبير حضره الاشراف والشباب فدعا معاونه وارسله لفض الاجتماع، وذهب السيد خيري فوجد الاجتماع معقودا والخطباء يتدفقون وطنية وحماسة، فهل يدعوهم الى التفرق والانقضاض؟ كلا، بل اخذته الحماسة هو نفسه فارتقى المنبر وشارك الحضور شعورهم، وعلى اثر ذلك فصل من وظيفته ونفى مع من نفى من المجتمعين وكان منهم محمد مهدي البصير ومحمد الباقر الحلي وغيرهما، وكان ذلك سنة 1920.
وعاد الهنداوي بعد تسعة اشهر فعين مديرا لناحية الجربوعية (الهاشمية) في نيسان 1921 ورفع بعد ذلك قائممقام ومتصرفا وتقلد رئاسة التسوية ومديرية الاملاك والاراضي العامة واعتزل الخدمة في اواخر سنة 1949.
اما الهنداوي الشاعر فقد وصفه المرحوم رفائيل بطي فقال: شاعر في شعره اثر البداوة ورقة الحضارة، ترى الطبيعة بادية على نظمه، يضمن قصائده على الاكثر وصف نفسه ونزعته الى الحرية والانعتاق.. وقد تفرق شعره في الصحف والمجلات ووعته الاوراق المخطوطات وجمع (الادب العصري في جزئه الاول طرفا منه ضئيلا، فحبذا لو عنى انجاله بجمع ديوانه ونشره حذرا من تشتت شمله وضياع اثره.
تميز شاعرنا بنزعته الاصلاحية فاستمع اليه ينعى على الشرق تخلفه وخموله ويقول:
ايها الشرق، هل فقدت الشروقا
فاصل الاقوام فيك الطريقا؟
وهو يتطلب المعالي لنفسه ولقومه فيضيق ذرعا بالعوائق التي تثبط الهمم ويقول:
سئمت ببغداد المقام لانني
ارى لي فيها موقعا غير موقعي

ويقول
ايها العين، ان ذكرت بلادي
فامطرى لؤلؤا وسيل عقيقا
واستشيري يا نفس انت زهير
واضرميه بين الضارع حريقا
وهذان البيتان من قصيدة اوحاها اليه المنفي، فتذكر قول الامام الشافعي:
امطري لؤلؤا جبال سرنديب
وفيضى ابار تكرور تبرا
انا ان عشت لست اعدم قوتا
واذا مت لست اعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسي
نفس حر ترى المذلة كفرا
ولقد نزع الهنداوي الى الشعر القصصي وانظر اليه في قصيدته فتاة سلانيك) التي يندب فيها ضياع هذه المدينة يصور مأساة الفتى (نجيب) وصاحبته (اسماء):
كم زرعت في ساحتيك لدى الوفى
خود وكم لفظ الحياة غلام
عاشها زمانا في بداية الصبا
غرين لم يزعجهما التمام
لم يسمعا غير المدافع ضحوة
فتسارعا فاذا هناك زحام..
مضى نجيب الى الحرب فلقى حتفه ووعت فتاته في الاسر ولا (معتصم) يستجيب لاستغائتها ويلبي نداءها. لكن اية الهنداوي القصصية انما هي قصيدته (زينب وخالد) او (فتاة بغداد وفتاها)، نظمها في نيف ومائتي بيت وروى فيها ماساة الفتاة زينب الجميلة المهذبة، جمعتها النزعة بالشاب خالد فالتقى النظران تعاطف القلبان وبرح بهما السقم والوله. ثم اذن الدهر للمحبين بهدنة فعقد للفتى على محبوبته، لكنه فوجئ بالجند يسوقونه الى السجن والمنفى قبل ان يحظى باجتماع الشمل وماذا جنب يداه ليصب عليه جام النقمة؟
اتعلم ما كانت جناية خالد
وغيم عليه فلقوم صاحوا وتجبلوا
لقد كان صبا بالعراق واهله
يثور اذا سيموا الهوان ويشغب
يدافع عن احسابهم وحقوقهم
ويطعن في صدر العدو ويضرب..
اذا كان في حب الديار جويرة
فكل فتى فوق البسيطة مذنب
عاد خالد الى الوطن بعد اعوام فوجد امه قد ماتت، ثم زفت اليه خطيبته وانجبت له طفلا، غير انه يعود الى جهاده الوطني فيقاسي النفي والتشريد عودا على بدء ويموت بعيدا عن وطنه وانه، ولايرضى الشاعر الا ان يتم الماساة فتقضى زينب حزنا ويسقط الطفل في دجلة، وتنتهي الصورة المفجعة القائمة في ندب ونواح.
ان قصة (زينب وخالد) نفثة من النفثات التي جاشت في نفس الشباب العراقي الحائر العاثر بعد اهوال الحرب العظمى الاولى، فلا عجب ان فاضت بالحزن والاسى وزخرت وبالمآسي والفواجع.
ج. الأيام
28/1/1963