علي فرزات رسام المهمشين

علي فرزات رسام المهمشين

دلور ميقري
1
علي فرزات، الرسام الكاريكاتوري السوري، ليسَ اسماً عادياً في عالم الفن.
إنّ مجرّد وجود توقيعه، البسيط والمعبّر في آن، على لوحة تتصدّر صحيفة ما، كافٍ لكي يشدّ نظرَ القارئ. وخطوط فرزات، أيضاً، تشبه توقيعه: فهيَ برشاقتها وتواضع تقنيتها، كانت جديرة دوماً بالفكرة التي تعبّر عنها. والملاحظ، بهذا الخصوص، أنّ فرزات ينتمي لما يمكن تسميته بمدرسة " بلا تعليق "؛

أي أنّ لوحته تخفي فكرتها خللَ خطوطها. وربما أنّ فناننا، في هذه النقطة على الأقل، يفارق أسلوب زميله، الفنان الشهيد ناجي العلي، الذي عُرفَ بالتعليقات اللاذعة على لسان " حنظلة "؛ شخصيته الشهيرة، المُختلقة، المُرافقة لجميعَ رسومه، حتى أنها أضحت بمثابة توقيع صاحبها.وإذ قدرّ لناجي العلي، إبداعاً وموقفاً، أن يكون رمزاً لمعاناة الشعب الفلسطينيّ، كما ولآماله، فإنّ علي فرزات، من جهته، صارَ اليوم في الموقع نفسه في نفوس مواطنيه السوريين، الثائرين على الاستبداد والتائقين لغدٍ جدير بإنسانيتهم: رصاصة غادرة، جبانة، اخترقت جبين ناجي، المكلل بسعفة الغار كما بإكليل الشوك. وعصا سوداء، لا تقل خسة وحقداً باللون نفسه، حاولت أن تشلّ أنامل فرزات، المبدعة. ربع قرن، هوَ ما يفصل بين الحدثيْن؛ بين بطليهما الشهيد الفلسطينيّ، الفنان، ورفيق دربه السوريّ، الشهيد الحيّ. بيدَ أنّ ناجي العلي، الخالد في ضمير شعبه، قد سلمَ لعلي فرزات راية الإبداع، وكأنهما يتبادلان اسماً بكنية.
2
هذه الجملة، المُحوِّرة حديثا شريفا، كانت على لسان مواطن بسيط يتأمل رسماً لفناننا؛ وهذه، كانت لوحتي الكاريكاتورية، التي أهديتها لفرزات، أثناء أحد لقاءاتي معه في مكتبه الصغير، في صحيفة " الثورة "، السورية. ثلاثة عقود، مرت على ذلك اللقاء. وقتئذٍ، كانت لديّ تجربة قصيرة، متواضعة، في هذا الفنّ الساخر، ولم أجد من هوَ أكثر جدارة من علي فرزات، لكي أعرض عليه نماذج من رسومي.
كنت في ذلك اليوم بصحبة كاريكاريست آخر، شابّ، ينحدرُ مثلي من حيّ ركن الدين، الدمشقي. هذا الشاب، الذي رافقني لاحقا في رحلة الدراسة الفنية لموسكو، استمرّ آنذاك في التواصل مع فنان سورية، الأبرز، من خلال رفد صحيفته برسوم ذات طابع اجتماعيّ. وعلى مائدة الغداء الكريمة في ضيافة أبيه، الأستاذ محمد علي طه، تسنى لي اللقاء بعلي فرزات لمرة أخيرة. ولم يكن ثمة سبب ما، إشكاليّ، في عدم استمراري بطقس اللقاء مع فناننا الكبير، اللهمّ سوى انصرافي إلى إقامة معارض خاصة، شخصية ومشتركة، بعيداً عن الصحافة الرسمية.
وكم أسعدني، وحملني على الفخر أيضاً، اشتراكي في معرض الكاريكاتور العربي الثاني، خلال شتاء 1981؛ حينما وجدتُ اسمي في بروشير المشاركين، جنباً لجنب مع اسم علي فرزات وناجي العلي. هذا الأخير، التقيتُ معه في " صالة الشعب للفنون التشكيلية "، في مركز الشام، أين تمّ تنظيم المعرض. ستة رسوم، قدّمتها للعرض، كانت محجوبة عن الحضور ولسبب لم يرد أحد من المسئولين توضيحه. هذا بالرغم من المفارقة، المتمثلة بوجود اسمي ضمن المشاركين، كما وحصولي على شهادة المعرض فضلاً عن هدية رمزية ؟
الفنان ناجي، ورداً على سؤال من أحد الأصدقاء حول منع رسومي من العرض، أبدى استغرابه وعدم معرفته بالأمر. ثمّ توجّه إليّ باهتمام، ليسألني بدوره عن الأفكار التي طرحتها رسومي تلك، المحجوبة. في سياق الحديث، وحينما أعلمته بأنني نشرت أولى رسومي في مجلة " الحرية "، فإنه تبسّم وقال: " إنها نفس المجلة، التي ظهرت فيها لوحاتي الكاريكاتورية، بفضل الكاتب الشهيد غسان كنفاني؛ الذي كان آنذاك رئيس تحريرها ". ولسبب بقيَ مجهولاً كذلك، غادرَ ناجي دمشق عائداً إلى بيروت قبل انتهاء أيام المعرض. وكان فناننا قد فاز بالجائزة الأولى في معرض العام المنصرم ( 1980 )، فيما فاز بها عن العام التالي زميله في الإبداع؛ علي فرزات.
3
إحالة مبتدأ حديثي، عن بساطة خطوط علي فرزات، تجيز لي الاستطراد بالتأكيد، أنّ خلق فناننا هذا كان على الخصلة نفسها من البساطة: ملامح وجهه الرقيقة، المتجذر فيها عينان جميلتان، عميقتا الغور؛ ضحكته الساحرة، الهادئة؛ حركات يديه، المضطربة قليلاً.. جميعها، كانت تفصح عن شخصية خجولة نوعاً؛ عن تواضع مبدع حقّ، أصيل. وفي هذا المقام، لا يمكنني أن أسلوَ تعليقه، الطريف، على تلك اللوحة، الموصوفة آنفا، التي أهديتها له: " أخشى أن يخلط " أحدهم " بين علي فرزات وعلي بن أبي طالب "، قالها ضاحكاً وهو يشدّد على الفعل في جملته.
بعد سنة، أو أكثر قليلاً، من لقائنا في مكتبه، حصلت المجزرة الكبرى، المروّعة، في مدينته؛ حماة. وعلى العكس من رسامي الكاريكاتور الآخرين، في الصحافة الحكومية، اللذين اندفعوا في مقاربة بروباغندا المؤامرة الخارجية، لتبرير عنف النظام الغاشم، فإنّ علي فرزات آثر عدم الخوض في تلك الأحداث.
بذرائع المقاومة والممانعة ذاتها، نجدُ نفس أولئك الرسامين، السلطويين، وهم يمعنون اليومَ في " التشبيح " إعلامياً على ثورة الشعب السوريّ، العظيمة بكل المعاني الإنسانية والحضارية. إلا أنّ علي فرزات، الفنان والإنسان، لم يلتزم الصمتَ هذه المرة: ريشته المبدعة، أضحت أحد أهمّ أسلحة الثورة، وفي الوقت عينه، ضربة سديدة، صائبة، لدعاية نظام الأسد الصغير، عما يسمّيه بالمجموعات السلفية المسلحة.
ولهذا السبب، تحديداً، صبّ شبيحة النظام حقدَهم الضاري، المجنون، على جسد علي فرزات. ولكن، هاهيَ حماة أبي الفداء تبعث من شهادتها، خلال الثورة الحالية، بروح أكثر صلابة وزخماً. كذلك الأمر بالنسبة لابنها، الفنان المبدع، الذي كأنما أصبحت له أنامل مايسترو لتوجيه اوركسترا الثورة، المشارك فيها كلّ مواطن سوريّ تائق للحرية والكرامة. أناملُ علي فرزات، التي قامَ الشبيحة بتكسيرها، ستبقى جذورها حيّة، عميقة، تمدّ تربة الوطن بالعزيمة والثبات والمَضاء.

عن جريدة الانوار اللبنانية