تشي جيفارا: السلوك الأخلاقي في الكفاح السياسي

تشي جيفارا: السلوك الأخلاقي في الكفاح السياسي

جانيت هابيل
1967-1997: كان عمره سيبلغ 69 سنة، في ظل نظام عالمي لم يكن أبدا يتصوره، في قارة عاثت فيها الليبرالية الجديدة فسادا، وفي جزيرة خاضعة لمتطلبات تغلغل الدولار. كيف سنتفحص أو نعيد تفحص فكر تشي؟ لقد أضفى عالم الفوضى والبلبلة طابع الغموض على صورته التي تتأجج بين اللا منطق والسخرية. فهو أما أسطورة فارغة،

أو طوباوي مستبد وانتحاري. وهو محارب بطل في حرب الغوار لكنه عسكري خاسر بالنسبة للبعض، ومنظم دون المستوى للبعض الآخر. وبالنسبة لآخرين فهو، علاوة على ذلك، متزمت مازوشي ومتعصب، متسلط ومتعسف، والذي كان عناده السياسي وسلوكه اللا مسؤول سيقودان –في غياب عبقرية فيديل كاسترو العملية- إلى إخفاق الثورة الكوبية على غرار الكونغو وبوليفيا. ونحن في نهاية هذا القرن، كيف نستعيد مغزى كفاح خيض في عقد الستينات الثوري؟ وإن كنا نعرف اليوم آخر أيام تشي بشكل أفضل، فإن كتاباته –وهي عديدة- محفوظة في كوبا وتبقى دائما مجهولة. ثم إن مسيرته الإيديولوجية مازالت تتطلب الكشف عنها. إن قصر حياة تشي جيفارا السياسية (ثلاث عشر سنة موزعة بين انتصار المخابرات الأمريكية CIA على Arbenz بكواتيمالا وموته في بوليفيا، ثماني سنوات في كوبا ستة منها بعد انتصار الثورة)، والتسارع العنيف لأحداث التاريخ الذي كان يشكل جزءا لا يتجزأ منه، تجعلان من الصعوبة بمكان تفسير بعضا من كتاباته. فقد كان فكره في تطور دائم.
وبالرغم من أنه لم يعتبر نفسه منظرا، ولم ينتم إلى حزب سياسي قبل التزامه في كوبا، فإن الشهادات كلها تتطابق حول دوره، سواء في سييرا مايسترا أو إبان الاستيلاء على السلطة، كمحفز رئيسي للمسار الراديكالي الذي سارت عليه الثورة. لكن وعيه السياسي سيتطور بشكل عميق في بعض السنوات. فلا تكاد تمر ست سنوات بين تناوله لتجربة بلدان "الستار الحديدي" بشكل إيجابي وهو في سييرا مايسترا (وذلك في رسالة إلى رونيه راموس لاتور المسؤول عن حركة 26 يوليو، وهي رسالة سيصفها لاحقا بـ"البليدة") وبين نقده الصارم للإتحاد السوفيتي وبلدان أوروبا الشرقية في سنوات 1964-1965.
في أكتوبر 1960، ذهب في زيارة إلى موسكو بعد أن تعرضت الجزيرة للخنق من جراء الحصار الذي نظمته أمريكا على البضائع ابتداء من 13 أكتوبر. وقد حصل من الكتلة السوفيتية على قروض، وعلى التزام بشراء جزء كبير من السكر الكوبي مقابل البترول (أما ما تبقى فستشتريه الصين). وخلال الاحتفال بذكرى الثورة الروسية التي حضرها، صفق الجمهور وهتف له. وإن كان متأكدا من أن هجوما أمريكيا قد أوشك (اجتياح "خليج الخنازير" سيحدث بعد مرور أربعة أشهر)، فإنه عاد وهو مقتنع بأن "الإتحاد السوفيتي وكل البلدان الاشتراكية مستعدة للدخول في حرب لحماية سيادتنا". وفي أكتوبر 1962 ستنفجر أزمة الصواريخ وتبدد كل أوهامه بشكل جارح. فسيختبر رجل حرب الغوار، بعد أن أصبح وزيرا، التسيير السوفيتي للعمليات التجارية، وكذا دبلوماسية موسكو القوية خلال أزمة الصواريخ. وهكذا سيكتشف مرارة واقع الاشتراكية السلطوية والبيروقراطية، والامتيازات التي يحصل عليها الماسكون بزمام الحكم. وخلال المؤتمرات التداولية لوزارة الصناعة سيشهر بـ"الاشتراكية القائمة فعلا"، وهو نعت لم يكن موجودا بعد.
إن تفكيره هذا، سيزيد من توطيد نزعته الإنسانية التي اكتسبها خلال رحلته في أمريكا اللاتينية. فهو أرجنتيني يعرف الأساليب الزبونية والشعبوية للبيرونية. ولاحقا سيكتشف الامتيازات التي يحوز عليها "مدراء" ومسؤولو الحزب. إن نموذج"الإنسانية الجديدة" الذي يريد أن ينهض به والذي يتم تشويهه لجعله استبداديا، والسلوك النموذجي الذي يفرضه على نفسه كقائد، والعمل التطوعي الذي يبحث عليه، كلها مزايا تتناقض مع الأساليب الستالينية، وهو يستوحيها من تصور أخلاقي للسلطة والذي يبدو أيضا ضروريا من الناحية السياسية. فعندما أعلن لعمال السكر في 1961 بأن نقص الحاجيات سيزداد حدة (اللحم والحليب أصبحا منذئذ مقننين)، أخد على عاتقه تعهدا أثار حماس المشاركين: "في هذه المرحلة الجديد من النضال الثوري، لن ينال واحد منا أكثر من الآخرين، ولن يكون هناك موظفون محظوظون ولا فلاحون كبار. لن يكون محظوظا في كوبا سوى الأطفال".
ففي حين يعاني السكان من الحرمان، كان الاجتياح الأمريكي يتطلب تعبئة شعبية هائلة، وهو ما كان مستحيلا دون الانخراط في مشروع ثوري. وهذا الانخراط هو الذي يفسر الانتصار الذي أحرز في بلايا جيرون، والذي يعد أول هزيمة تتكبدها الإمبريالية في أمريكا اللاتينية.
كان تشي بعيدا عن رذائل الفساد والمحسوبية التي كانت تميز زعماء أمريكا اللاتينية، فارضا صورته كقائد زاهد، صارم مع نفسه كما مع الآخرين. والنوادر لا تحصى في هذا الباب: كان يلغي الإضافات التي تستفيد منها عائلته بخصوص القوت، وكان المرض هو ما يبرر به جهارا سكنه المؤقت على شاطئ البحر والذي لا يسمح به أجره. لقد أدرك سريعا ضرورة النضال ضد الامتيازات، حيث يعتبر أنه على المشروع الثوري أن يخلق قائدا خاليا من كل رذائل الفساد والارتشاء، قائد تطابق أقواله أفعاله. ومن هنا تزهده الشخصي الذي كان بمثابة أسطورة.
سيخوض تشي نضالا مستمرا ضد تبقرط الإدارة الجديدة وهو يحاول أن يفرض نمطا جديدا من ممارسة السلطة. لن يفلح في ذلك، وسيكثر أعداء هذا "الأرجنتيني" كما ينعته بعد الموظفين مستهترين به.
كان تصلبه يفسر أحيانا بالتحليل النفسي، لكن ذلك كان ينم عن جهل ضرورة تجسيد السلطة الجديدة في كوبا لقطيعة جذرية مع فساد النظام السابق. فالطبع يغلب التطبع، الأمر الذي يشهد عليه ما قام به بعض من رجال حرب الغوار في حركة 26 يوليو، بعد الانتصار الإستراتيجي من استيلاء على السيارات الفخمة لرجال بوليس الديكتاتورية ليلتحقوا بمدينة هافانا، وقد عاقبهم تشي على الفور. وهذه العقوبات الصارمة توصف اليوم بأنها مرتبطة بستالينية خاصة، وهي غولاغ المناطق المدارية. هكذا تم خلط كل شيء: فالانضباط المفروض في حركة حرب الغوار تكافح ضد ديكتاتورية مدعومة من طرف واشنطن، وإعدام جلادي باتيستا في ثكنة كابانا بعد الإستيلاء على السلطة، كلها مقدمات تدل على المنحى القمعي الذي يسير فيه النظام. وفي هذا كله يتم نسيان تشي وهو يعالج السجناء ويطلق سراحهم بعد ذلك، وكذا سخائه الزهيد لكن الشاسع.

مجهود فكري غير مكتمل
إن إعادة قراءة كل من النصوص الأخيرة لتشي خلال النقاش الاقتصادي الكبير الذي أشهر فيه خلافه مع المدافعين عن الإصلاحات الاقتصادية السوفيتية لسنوات الستينات –وهي نسخة أولى للبريسترويكا-، ومقالته حول "الاشتراكية والإنسان في كوبا"، وكذا خطاباته الأخيرة خصوصا ذلك الذي ألقاه في الجزائر في 1965، توضح بشكل جلي رؤيته النقدية والمحذرة من مشاكل المجتمع الانتقالي في الإتحاد السوفيتي. فقد كتب في كتاب بدأه قبيل وفاته وبقي غير مكتمل ما يلي: " إن الإنسانية تنتظرها هزات عديدة قبل أن تحصل على تحررها النهائي، لكننا مقتنعون بأنه يتعذر بلوغ هذا التحرر دون تغيير جذري في إستراتيجية القوى الاشتراكية الرئيسية. وسيبين لنا التاريخ ما إذا كان هذا التغيير سيأتي نتيجة ضغط الإمبريالية الحتمي أو عبر تطور جماهير هذه البلدان وأما بتضافر عوامل عديدة. أما من جهتنا، فنحن نساهم بجهد متواضع مع خوفنا من أن يتجاوز المسعى قوانا الذاتية".
فقد أدرك سريعا ما قد يعترض كوبا من صعوبات بفعل تبعيتها إزاء "الأخ الأكبر" السوفيتي. كما أدرك، منذ الاستيلاء على السلطة، ضرورة إحداث قطيعة مع الطابع الأحادي لزراعة السكر لتقليص تبعية البلد والسعي إلى ضمان تطور اقتصادي مستقل أكثر. وكان التشديد على التصنيع يستجيب لانشغاله الكبير هذا. لكن سرعان ما ظهرت نتائج شريعة السوق العالمية: فانخفاض إنتاج قصب السكر –المنتوج الأساسي في التصدير- لم يعد يسمح بضمان الواردات الضرورية للتطوير الاقتصادي بالنسبة لبلد محروم من موارد الطاقة، والذي ترتكز عائداته أساسا على هذه الزراعة الأحادية التي فرضها الاستعمار في القرن 19. فكان لا بد من تصحيح الوضع، وهو ما تعنيه تشي لما قال لادواردو كالينو: "لقد ارتكبنا حماقة لما أردنا تسريع التصنيع. كنا نريد تعويض كل الواردات وتصنيع منتجات كاملة، دون أن نرى تلك المضاعفات الهائلة التي يفرضها استيراد السلع الوسطى".
فالتجارة مع الإتحاد السوفيتي، خصوصا التزويد بالبترول بعد القطيعة التامة مع الولايات المتحدة، قد تضمن استقرار المبادلات وعدالة تجارية حقيقية بين بلد صغير تابع اقتصاديا وبلد يدعي الاشتراكية ويملك السلاح النووي وهو الآن ينطلق إلى غزو الفضاء.
لم يحتج تشي لكثير من الوقت –عكس القادة الكوبيين الآخرين- لإدراك هشاشة هذه العلاقات ومخاطرها.

الإنتقال والتخلف
وسرعان ما بدأت شكوكه تدور حول السياسة الداخلية. فقد كانت الإصلاحات الاقتصادية المتعلقة بالسوق التي اقترحها وشرع فيها الاقتصاديون السوفيات (خصوصا ليبرمان وترابزنيكوف) محط نقاشات عديدة، في وقت كانت تعترض فيه الجزيرة ضرورة إعادة تحديد إستراتيجية للنمو.
كان النقاش الذي خيض خلال الفترة الفاصلة بين 1963 و1965، داخل وزارة الصناعة ثم داخل القيادة الكوبية، يدور حول بناء الاشتراكية، وبالضبط حول شروط الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية في جزيرة خاضعة لقيود زراعة السكر الأحادية وللضغوطات المباشرة للسوق العالمية، وعلاوة على ذلك يؤدي الحصار المفروض من طرف أكبر قوة اقتصادية عالمية الى عرقلة تطورها.
كان الجدال يتعلق بدور قانون القيمة خلال مرحل الانتقال، ودرجة مركزة المؤسسات، ثم دور الحوافز المادية والمعنوية. فأولئك الذين ينوهون بأهمية قانون القيمة، يخصصون مكانة كبرى لآليات السوق في الاقتصاد المخطط وأيضا، لضرورة منح استقلال مالي للمؤسسات مع إصرارهم على دور الحوافز المادية للزيادة في إنتاجية العمل. أما تشي وأنصاره، فكانوا يشددون أولا، على ضرورة تسيير مركزي نظرا لتفاوت التطور الكوبي: فهناك شبكة متطورة للاتصالات والنقل ولكن، بالمقابل، هناك نقص جسيم في الأطر، وهناك ضرورة لفرض مراقبة صرامة على المواد، نظرا للحصار والمستوى الضعيف للتطور ثم خصوصا، لقلة العملات الصعبة. فقد كان يعتقد بأن الاستقلال المالي للمؤسسات، من شأنه أن يشكك في الأولويات التي تم إقرارها على المستوى القومي وذلك لصالح الاختيارات القطاعية، كما من شأنه أن يزيد من استقلال المدراء فيما يخص الاستثمارات والأجور، وأن يؤدي إلى تطور متفاوت وغير متوازن. وكان يخشى نتائج نظام عمل مبني حصرا على الحوافز المالية، وكذا التمايزات الاجتماعية التي ستنتج عنها حتما ، الأمر الذي جعله يكتب: "ها نحن نعود إلى نظرية السوق… فتنظيم السوق كله مبني على الحافز المادي… والمدراء هم الذين يستفيدون كل مرة أكثر. علينا أن نرى آخر مشروع وضع في الجمهورية الألمانية الديمقراطية، لنجد الأهمية التي أعطيت فيه لتسيير المدير أو بالأحرى لمكافأة المدير على تسييره". هذا التنبؤ، سنرى نتائجه بعد خمسة وعشرون سنة خلال انتفاضة الجماهير الشعبية في ألمانيا الشرقية التي لم تعد تحتمل الركود الاقتصادي وغياب الحريات السياسية وامتيازات القادة الفاسدين.
كانت كل من الحساسية الحادة اتجاه البيروقراطية والاعتبارات السياسية والاجتماعية تدفعان تشي إلى معارضة الأولوية الممنوحة للعلاقات المالية-التجارية في بناء الاشتراكية، لكن دون أن يعني ذلك أبدا أن لديه وهم إلغائها دفعة واحدة. فبعيدا عن التشويهات التي لحقت مواقفه، كان يصر على ضرورة الحوافز المعنوية التي يعتبرها بمثابة حوافز جماعية إلى العمل. هذا التصور كان يتماشى مع سياسة أجور مرتبطة بشكل وثيق بتطوير المؤهلات، حيث أن "الاختيار الصحيح لأداة تعبئة الجماهير" هو الذي يهم أكثر، وبدونه لن تنجح الاشتراكية. فمساواة الحقوق وتشريك الاقتصاد –الذي ربما كان مبالغا فيه- كانا حماسيا بالنسبة للمقاومة الشعبية التي رأت بأن عالما آخر ينبني في وجه العدوان الأمريكي وأنه يستحق القتال. لكن تشي كان يعترف أنه ليس معصوما، ويؤكد على أنه إذا ما تبين أن تصوراته "ستشكل عائقا خطيرا على تطور القوى المنتجة، فيجب استخلاص الدروس منها وسلك طريق آخر معروفة".
إن تطوير الوعي الثوري والتعليم من شأنهما أن يساهما في اكتساب موقف ثوري إزاء العمل (لهذا كان يعطي المثال، ليس لأنه مازوشي بل لأن الضرورة تفرض ذلك). كما أن "تكوين الإنسان الجديد وتطوير التقنية" من شأنهما أن يتيحا الانتقال نحو الاشتراكية. كانت العلاقة بين الاشتراكية والإنسان في قلب اهتماماته، حيث يعتبر الإنسان عاملا أساسيا في الثورة و"فاعلا في عملية بناء الاشتراكية". وبالنسبة إليه، يوجد التعليم والوعي في قلب هذا المجتمع العادل" "في هذه المرحلة في بناء الاشتراكية، يمكن لنا أن نشاهد ولادة الإنسان الجديد. إن صورته لم تحدد بعد، لا يمكن أبدا أن تحدد نظرا لأن تطوره يسير بالتوازي مع تطور البنيات الاقتصادية الجديدة… إن الإنسان الذي يجب أن نخلقه هو إنسان القرن 21، رغم أنه مازال مجرد طموح ذاتي وغير منتظم".
هكذا، وبعيدا عن التشويهات الستالينية، كانت مقدمات تشي مفعمة بروح إنسانية وثورية. لكن الصحيح أيضا أنه كان يشدد على نقد الاقتصاد وعلى الوزن الذي تكتسيه علاقات السوق، ولا يشدد بما فيه الكفاية على الطابع البوليسي والقمعي للنظام السياسي السوفيتي. ومما لاشك فيه، أن هذا ما يشكل إحدى الثغرات الأساسية في تفكيره. وقد أشار أحد كتاب سيرته روبيرتو ماساري وأيضا كارول إلى نقط الضعف في تفكير تشي والتي تتجلى، إلى حدود سنة 1963 تقريبا، من خلال عدد من خطاباته وكتاباته. وكان هذا الضعف يتماشى مع سذاجة ما، بارزة في الأحكام التي كان يصدرها على أطر PSP القديم.
وفي غضون سنة 1966، سيعمق تفكيره النظري وهو يعلق على "كتاب الاقتصاد السياسي للإتحاد السوفيتي": "إن الجريمة التاريخية الفظيعة التي ارتكبها ستالين" تتمثل في "استهتاره بالتكوين الشيوعي وإرساء عبادة السلطة بشكل لا محدود".

ضد النزعة العقائدية
"إنتفاضة ضد الأوليغارشيا وضد النزعات العقائدية الثورية". هذا ما كتبه في يومياته في بوليفيا وهو يحتفل بذكرى 26 يوليو. كان ينتقد بصرامة "النزعة المدرسية التي كبحت تطور الفلسفة الماركسية، وحالت بصورة ممنهجة دون دراسة هذه الحقبة التي لم تحلل أسسها الاقتصادية" ( نص الاشتراكية والإنسان).
كان تصوره للطليعة، والتي يقودها قادة نموذجيون، يدل على تفكير نقدي، لكنه غير مكتمل، حول دور ومكانة الحزب في علاقاته مع المنظمات الجماهيرية. كان يسخر وهو يقول: "لقد سبق للحزب أن قرر ذلك، وما عليك إلا أن تتحمله"ويؤكد: "يجب علينا ألا نخلق مأجورين خاضعين للفكر الرسمي ولا "بورصويين" يعيشون تحت حماية ميزانية الدولة وهم يمارسون حرية مشكوكا فيها".
لكنه لم يكن يحلل مساوئ الحزب الوحيد/حزب الدولة: فتجربته لست سنوات في قيادة الدولة الكوبية كانت جد قصيرة. فقد وسمته الحرب والنزاع الجسيم مع واشنطن، وكذا خصوصيات التجربة الكوبية. وفي سييرا مايسترا، عارض الجناح المدني لحركة 26 يوليو المتماثل مع جناح يميني، واتضح أن وجود ثلاث تيارات مختلفة (M-26-7,PSP,Directoire) إلى حدود 1965، كان عائقا أمام وحدة الثورة. ولم يتشكل الحزب الواحد إلا في سنة 1975 لفرط ما كان الاندماج صعبا. ففي أجواء الحرب لسنوات الثورة الأولى، كانت المقاومة هي كل ما يهم، أما التعددية فقد أرجئت إلى ما بعد.
لم يمنعه هذا من تطبيق تصور سياسي يختلف بصورة عميقة عن ذلك الذي أرساه النظام الجديد. فالشفافية سادت خلال الاجتماع الوطني للإنتاج سنة 1961، وتم الإفصاح جهارا عن أخطاء المسؤولين عنها. فقد صرح أمام 3500 إطارا في الحكومة: "ها أنتم تستقبلونني بتصفيقات حارة، لكنني لا أدري هل كمستهلكين أم كمتواطئين، وأظن أنه بالأحرى كمتواطئين".
كان الوحيد –وكم من انتقادات تعرض لها!- الذي خاض نقاشا علانيا ومتناقضا حول النظام الاقتصادي للبلاد في مجلة وزارة الصناعة. هذه الأخيرة، فضلا عن ذلك، كانت ملجأ لكل أولئك الذين أزيحوا من مسؤولياتهم: هكذا، فقد أدمج فيها وزير الاتصال سابقا أولتوسكي الذي أزيح من الحكومة في يوليو 1960. والطرفة لها دلالة خصوصا وأن تشي كان قد دخل في جدال عنيف مع اولتوسكي خلال الانتفاضة. هذا الأخير كان عضوا في الجناح اليساري لــM-26-7 وكان معروفا بعدائه الشديد للاتحاد السوفيتي، في الوقت الذي كان فيه التقارب مع البلد مطروحا في جدول الأعمال. وعلى النحو ذاته، رفض تشي أن يتنازل لضغوطات قائد نقابي كان يطالب بتسريح مستخدم في البنك متهم بمناصرته لباتيستا، وشهر ببداية المضايقات والملاحقات المنظمة وهو يدافع عن شرف هذا المستخدم.كتب هذا المقال في العام 1997 في الذكرى الثلاثين لاغتيال تشي، المترجم
مجلة انبركور. العدد 415.