ياس علي الناصر: انجزت فيلم (فتنة وحسن) وكان معي 750 فلساً فقط!

ياس علي الناصر: انجزت فيلم (فتنة وحسن) وكان معي 750 فلساً فقط!

قد تخبو الحياة في صلب الاشياء وقد يأخذها السبات الى عالم النسيان فتظل ردحاً من الزمن وثيقة الصلة بنفسها تعيد حكاية البدء والانتهاء هكذا قرأنا ذكريات الفنان ياس علي الناصر من خلال ملامح وجهه التي انفقت مع حركة اصابعه الثقيلة.قال: اذا اردت ان تكتب عني فكل شيء ستجده في مذكراتي الشخصية التي ساطبعها اذا توفرت الظروف الملائمة.

قلنا له لتفتح الصفحة الاولى من مذكراتك ولنر معا من هو ياس علي الناصر وما حكايته مع السينما العراقية. قال واصابعه لا تزال تؤشر باتجاه الماضي الذي يحمل بين طياته الكثير والكثير.
* طقوس البداية
ولدت في الكرخ محلة سوق الجديد سنة 1921 وكانت مدرستي الأولى في الحياة مع والدي الذي كان يصحبني معه الى بني تميم وهناك كانت تبهرني طقوس العشائر العربية في افراحهم وطقوسهم وكانت كل تلك المشاهد الثرة تغذي مخيلتي التي نضجت معي وتحققت خلال رحلة حياتي الفنية وفي السينما بالذات حيث بدات عندما قدمت اول عمل مسرحي بعنوان "مجنون ليلى" على مسرح الفارابي الصيفي، وبعد ذلك بفترة قدمت مسرحيتين على قاعة الملك غازي وخصصت ريعها للجمعيات الخيرية. ومن ابرز هذه الاعمال مسرحية الاستعباد ليوسف وهبي وجوف الفيافي. ابن الباشا. الذبائح.
ثم عدت بعد ذلك لأمثل مسرحية مجنون ليلى على مسرح الفارابي حيث اخرجها الزميل حسين علوان السامرائي وكانت تلك آخر مرة اصعد بها على خشبة المسرح.
* مع الصحافة
تتشابك اصابع الفنان ياس علي الناصر مع بعضها وتحاول ان تمسك بخيط الايام التي يحددها بـ "المرحلة الثانية".
بعد ان تركت المسرح اتجهت للعمل في الصحافة وكان ذلك عام 1948، اذاصدرت ثلاث مجلات هي على التوالي "الكواكب العراقية" "صرخة الفن"، "دنيا الفن". واقول الحقيقة ان اصدار هذه المجلات في تلك الفترة يعد نوعا من المجازفة ولكنني مع ذلك حققت على صعيد الصحافة قفزة نوعية بالمقياس لما كان يصدر في ذلك الوقت.
وفي سنة 1955 الغيت جميع المطبوعات فتخليت عن العمل الصحفي على مضض.
* والتقيت بالسينما
استطيع ان احدد علاقتي مع السينما بسنة 1930 عندما كنت مشاهدا مزمنا للافلام. وقد عشقت فلم البؤساء الذي عرض في رويال سينما فأثر هذا الفلم في نفسي غاية التأثير كما اثر بي كذلك فلم يحيا الحب ويوم سعيد.
ومن ذلك التاريخ وضعت في ذهني ان اصنع فلما اساهم فيه ببناء سينما عراقية لم يكن لها وجود. وقد حفزني على المضي بمشروعي مشاهدتي للفلم العراقي المصري المشترك "ابن الشرق" الذي عرض في سينما غازي سنة 1945 فقد اعادني الفلم الى الطقوس التي لا تزال تعيش في مخيلتي ففكرت في فلم فتنة وحسن وانا جالس في سينما غازي واذكر يأتي كنت لا املك سوى 750 فلسا فقط ومن خلال هذا المبلغ الضئيل جمعت الممثلين وبدأنا العمل بامكانات بسيطة لعل ابرزها "استخدام التنكات والبواري في الانارة" وقد تغلبنا خلال عملنا في ستديو بغداد على خبرات عديدة في مجال السينما. وعندما انتهينا من الفلم عرض في اكثر من سينما اذكر منها: القاهرة، الهلال ومن شدة الزحام على الفلم الذي استمر لاشهر اغلقت الطرق وبخاصة شارع الرشيد.
* المياسة والمقداد
طبيعي ان نجاح فلم "فتنة وحسن" دفعك الى مشاريع سينمائية اخرى فما هي ؟
قبل ان اقدم فلم الدكتور حسن كان لدي مشروع فلم "المياسة والمقداد" الذي وفرنا له كافة الامكانات حيث اتفقنا مع علماء الدين على تحويل هذه القصة الى فلم وتقرر اتخاذ صحراء النجف مسرحا لأحداث الفلم. وقد قررنا في وقتها انا والاستاذ حبيب الملاك موزع فلم فتنة وحسن على استقدام ممثلة مصرية لتكون بطلة الفلم. الا ان مشروع هذا الفلم الغي بسبب الاتجاه الى عمل فلم نبوخذ نصر الذي لم ينجح النجاح الذي كان متوقعا له.
* الدكتور حسن
وعندما فشلت فكرة انجاز مشروع فلم المياسة والمقداد قررت البدء في عمل فلم الدكتور حسن الذي اخذت فكرته من قصة صراع في الظلام للاستاذ محمد منير آل ياسين. وقد نجح هذا الفلم نجاحا متوسطاً بسبب هجوم بعض الافلام المناوئة لتلك الفترة حيث كان الفلم يعالج قضية صراع الفلاحين ضد الاقطاع.
واذكر بان صحيفة واحدة قيمت الفلم هي صحيفة الحرية للاستاذ قاسم حمودي.
واشتركت بعد ذلك بانتاج فلم "عفرة وبدر" كما مثلت فيه دور البطولة. كما اشتركت عن طريق الصدفة بفلم "ليلى في العراق" مع الممثل ابراهيم جلال. وتوليت بطولة فلمين من انتاج عراقي تركي هما "طاهر وزهرة" و"اوزو وقمبر".
وقد عرض الفلم الاول في بغداد.
* والان ماذا عن نشاطك الفني بعد مضي اربعين عاما من رحلتك الفنية.
لا زلت اواصل عملي في السينما حيث شاركت في فلم النهر ولدي مشروع انجاز مذكراتي التي تؤرخ للسينما العراقية كما اني مزمع على طبع نسخ جديدة من افلامي القديمة ليطلع عليها الجيل الجديد. واحب ان اشير الى النشاط السينمي المعاصر في العراق واقول بصراحة ان كل الامكانات متوفرة الا ان ما انتج لحد الان لا يلبي الطموح المرجو.
وهذا ما يجعلني اطالب بتضافر الجهود سواء كانت من القطاع الخاص او الاشتراكي لخلق حركة سينمائية متطورة لا تجعلنا نعيش على امجاد الامس وذكريات افلام البداية فقط.
مجلة فنون العدد 24
22كانون الثاني 1979