ستيفان زفايج.. الصديق الجريح

ستيفان زفايج.. الصديق الجريح

الكتاب: ستيفان زفايغ، الصديق الجريح
تأليف: دومينيك بونا
الناشر: (غراسيه) باريس
بعد تقديمها العديد من سيرة حياة «رومان غراي» و«كلارا مالرو» زوجة أندريه مالرو- وغيرهما، تكرّس الكاتبة والروائية الفرنسية دومينيك بونا عملها الأخير للروائي الشهير «ستيفان زفايغ» الذي تصفه بـ «الصديق الجريح»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب.

«ستيفان زفايج»، كما تقدم المؤلفة المحطات الرئيسية في حياته، هو كاتب نمساوي من مواليد فيينا عام 1881 ومات منتحرا في البرازيل عام 1942. وتصفه قبل كل شيء بأنه الممثل الأكبر للأدب النمساوي حيث جسّد بامتياز «صخب» الحياة الأدبية في العاصمة النمساوية فيينا خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
ما يتّفق حوله النقاد والمعلقون عامة هو أن ستيفان زفايج يمثل ظاهرة حقيقية في الأدب ذلك أنه استطاع أن يحافظ على مكانته في الصفوف الأولى بين الأدباء الذين يقرأهم الملايين. وتقول المؤلفة: «هناك سر عنوانه ستيفان زفايج، وقد حررت هذا الكتاب من أجل محاولة الكشف عن خفاياه».
لقد استطاع زفايج وهو «الكتوم والمتحفظ أن يشعل نارا لدى شخوص رواياته وأن يجعل قارئيه يشعرون بحرارة هذه النار»، تضيف المؤلفة في مكان آخر. تكتب: «أصول هذه النار هي التي أردت البحث عنها في محطات حياته».
وفي بحث المؤلفة عن «سرزفايج» وعن «أصول النار التي أشعلها»، ذهبت للتقصي في فيينا وفي سالزبورغ، حيث أمضى شطرا من حياته، في محاولة لفهم «العلاقة المعقّدة التي يمتزج فيها الحب والكره» حيال النمسا. كذلك دفعت بها تحرياتها إلى «بيتروبوليس» في البرازيل حيث انتحر هو وزوجته معا على خلفية «حالة من اليأس».
كان زفايج أثناء حياته محطّ اهتمام النخب في أوروبا. لكنه نجح في استئثار اهتمام الجمهور العريض اليوم حيث لم يصبح في عداد «أولئك الكتّاب نصف المنسيين ممن عاصروه» كما تكتب المؤلفة وتضيف: «زفايغ يشعّ دائما».
ولا يزال يجذب الآخرين ولا يزالون يحبّون أسلوبه السريع والواثق وحساسيته لا تزال زاخرة بالحياة». وترى المؤلفة أيضا أن هناك سببا آخر لاستمرار الاهتمام بأعمال ستيفان زفايج وهو أن «الظلال الخفيفة وسحب الدخان المتناثرة في أعماله ربما تتناظر جيّدا مع أشكال قلقنا وأشكال عذاباتنا الحاضرة».
الملامح الأساسية التي تقدمها المؤلفة لشخصية زفايج هو أنه كان كريما في الصداقة ومسالما ثم ملتزما في السياسة.
لكن الأحداث المأساوية التي ارتبطت بنشوب الحربين العالميتين «أرغمته» على أن يتخذ موقفا. وكان موقفه هو «الانتحار مع زوجته» بنفس اللحظة احتجاجا على الحرب. تتم الإشارة هنا إلى أن امرأتين كان لهما مكانة خاصة في حياته هما زوجته «فريديريك» وسكرتيرته «لوت التمان»، التي غدت زوجته الثانية ورافقته حتى آخر يوم من عمره.
لكن ما تكشف عنه المؤلفة هو أن زفايج الذي كان يظهر للجميع أنه «رجل زاهد وجدّي»، إنما كان بـ «حاجة» طوال حياته لـ «مغامرات قد تدوم ساعات أو شهور».
تتم الإشارة إلى أن زوجته الأولى فريديريك «تعبت» من «متطلباته» ومن «مغامراته العاطفية» وانفصلا في عام 1932 وكانت قد هربت إلى باريس عام 1938 تاركة خلفها عددا من المخطوطات التي وضع النازيون يدهم عليها.
أما زوجته الثانية «لوت التمان»، فإن «قربها من كل ما كان يحبه، هو الذي أيقظ غريزة الحب عنده»، كما تكتب المؤلفة. وتشرح أن هذه «المعجبة الأبدية» حاولت عبثا أن تثنيه عن الانتحار ودفع بها إخلاصها له إلى الموت بجانبه، ومشاركته رفضه للحرب.
وكان زفايج قبل وصول هتلر والحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا، قد اضطر لمغادرة النمسا عام 1934 كي يعيش متنقلا من فرنسا إلى انكلترا ثم الولايات المتحدة قبل أن يستقر نهائيا في البرازيل حيث «بدا له أنه ربما يستطيع أن يعيش سعيدا بعيدا عن ضوضاء الحرب». لكن «نزعته السلمية» كما ترى المؤلفة، منعته من تحمل ذلك «النزوع الحيواني لدى البشر».
وفي مواجهة ذلك، واحتجاجا عليه، قام بكل «هدوء وصفاء» بتنظيم انتحاره برفقة «لوت». ولم ينس أن يقول وداعا لأصدقائه ولأسرته وأن يكتب كذلك وصيته.
وتنقل المؤلفة عنه كتابته لفريديريك، زوجته الأولى، الذي حافظ معها على صداقة عميقة، ما مفاده: «أكتب لك هذه الرسالة وأنا في الساعات الأخيرة من حياتي. لا تتصوري كم أنا أحس بالسعادة بعد اتخاذي هذا القرار».
لقد احتسى ستيفان زفايج كمية كبيرة قاتلة من «الفيرونال» واستلقى على فراشه، ثم التحقت به «لوت»، وهي بثوب الحمام، وفعلت الشيء نفسه. لم يفهم أصدقاء زفايج فعلته. وأعلن صديقه توماس مان موقفا ناقدا بشدة لها متهما الراحل بـ «الأنانية».
وسيرة حياة كاتب يحظى باهتمام الجميع، ويشيدون بالتزامه وبمواقفه العامة، علما أن المؤلفة تؤكد أن جميع أعمال ستيفان زفايج، باستثناء «لاعب الشطرنج» بعيدة عن السياسة. وتؤكد أن وضعه حدا لحياته «منتحرا» احتجاجا على الحرب وعلى النازية أعطاه الكثير من الصدقية عبر التطابق بين ما فكر به وما فعله.