العلاقة العضوية بين التنمية والديموقراطية

العلاقة العضوية بين التنمية والديموقراطية

حسين علي الحمداني
مع المتغيرات الدولية منذ تسعينيات القرن الماضي تزايد الاهتمام الدولي بالمنظمات غير الحكومية كشريك للدولة في التنمية، وتزايد ذلك الاهتمام في بداية القرن الحالي حيث أصبحت مؤسسات المجتمع المدني بكل تنوعها مقبولة

إلى حد كبير من الناس والحكومات ودوائر رجال الأعمال والمؤسسات الدولية المانحة، و لها صوت مسموع في السياق الدولي والإقليمي والمحلي، وأصبح على الحكومات ان تجدد من علاقاتها مع شعوبها وفقا لذلك. وتزايد أعداد المنظمات الأهلية في العالم وخاصة في الدول النامية وتنوعت نشاطاتها وتزايد حجم وعدد المستفيدين منها و حجم إنفاقها على الخدمات الاجتماعية، كما تزايد أيضاً حجم التمويل المتدفق من حكومات ومنظمات في الشمال الصناعي إلى المنظمات الأهلية في الدول النامية.
وقبل عملية التغيير الشاملة في العراق بزوال النظام البائد الذي غيّب كثيرا دور منظمات المجتمع المدني عن أداء دورها التنموي بسبب المركزية التي كان يتبعها نجد بعد هذا التغيير بإن الخريطة الاجتماعية في العراق اتخذت أبعادا جديدة وخلقت تكوينات مستحدثة وتزايد تعقدها ارتبط ذلك بمجمل التحولات السياسية والاقتصادية (الدولية والمحلية) وخاصة بالتحول الداخلي نحو اقتصاد السوق وتزايد الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي، الأمر الذي تطلب تجديدا في عمليات التنمية ومفاهيمها ومؤشراتها، فمعيار الزيادة الكمية في الناتج الإجمالي القومي أو في دخول الأفراد لم يعد هو الغاية، ومع أننا لا نستطيع رفض اقتصاد السوق، بل يجب ان نجعل الأسواق تعمل لصالح الناس (وأكثر رأفة بهم – أي استئناسها) والعراق من الدول التي تمر حاليا بعمليتي تحول هما: التحول الديمقراطي والتحول الاقتصادي.
ولنجاح هذا التحول يتطلب الأمر جهودا كبيرة لم تعد الدولة بمفردها قادرة عليها وهنا ظهر المبرر الموضوعي علميا وعمليا لعملية الشراكة مع المجتمع المدني، فلابد من آليات السوق وتنظيم ممارساتها، ولابد من تعزيز الديموقراطية وخضوع الحكومة للمساءلة، ولابد ان يكون للناس القدرة على انتخاب حكامهم وممثليهم محليا ووطنيا، ولابد لهم من التأثير في السياسات والقرارات التي تؤثر على حياتهم (أي لابد من اللامركزية والمجتمع المدني) وفي إطار هذه التحولات والمتغيرات يحتاج الناس إلى دولة تحميهم من غلو السوق وتوحشها حتى يتمكنوا من عبور محطات التحول الرئيسة التي تمر بها الدولة والمجتمع في العراق، وهنا وجب القول ان اعتماد اقتصاد السوق لا يستدعي ان يكون انتصارا للجشع الشخصي والأنانية، وان فشل التخطيط المركزي أو تجاوزه لا يستدعي أو يعبر عن زوال الأهداف الاجتماعية للتنمية.
يبرز واقع المجتمع الحاجة والضرورة للمشاركة الشعبية في التنمية، كما تؤكد على ذلك الأهمية العلمية والعملية أيضاً. فلما كان الواقع الدولي يتصف بشدة متغيراته وسرعتها وتزايد حجم آثارها على مختلف الدول والمجتمعات ومنها العراق فلابد من سرعة المواجهة لتلك المتغيرات والاستفادة منها قدر الإمكان، الأمر الذي يتطلب خلق آليات وميكانزمات مؤسسية وثقافية على المستويين الفردي والجمعي الرسمي والأهلي. ومع تأكيد المنظمات الدولية (البنك والصندوق الدوليين) وكذلك الدول المانحة على أهمية الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص من اجل ضمان نجاح عمليات التنمية والاستفادة من المتغيرات الدولية في مختلف المجالات، فذلك يعني إن مؤسسات المجتمع المدني لم يعد يختلف على أهميتها أحد، بل أصبح وجودها ضرورة سياسية وإنمائية في آن واحد، وتعكس الحيوية في نشاطات المجتمع المدني رغبة الأفراد والجماعات (أي الشعوب) وقدرتها في السيطرة على حياتها وتحسينها وتغييرها وتنميتها، وقد ارتبط الوعي المتنامي بالحاجة إلى المشاركة الشعبية في إدارة شؤون المجتمع واقترانه بعدم الرضا على أداء الحكومات وقدراتها المحدودة تنمويا، إضافة إلى ان التحول الديموقراطي يعتمد على تزايد المشاركة السياسية والشعبية وهنا تبرز العلاقة العضوية بين التنمية والديموقراطية حيث تميل كل منها إلى تعزيز الآخر وتطويره وهنا يمكن القول ان الديموقراطية تشكل ضرورة لاستدامة التنمية، لأنها توسع من حجم المشاركة الشعبية وتضمن ممارساتها لكل الأفراد.. فالتنمية والديموقراطية عمليتان متلازمتان أو بعبارة أخرى هما وجهان لعملة واحدة بينهما ترابط عضوي لا يمكن فصامه.