ماذا حصل ليلة وفاة الملك فيصل الاول..؟

ماذا حصل ليلة وفاة الملك فيصل الاول..؟

د هادي حسن عليوي
وهو الابن الثالث للشريف حسين الى جانب علي وعبدالله. وقد نقل في اليوم الثامن من ولادته الى عرب عتيبة للرضاع تماشياً مع التقاليد الهاشمية. ثم نشأ في البادية وتعلّم الفروسية وركوب الخيل وضرب السيف واستخدام السلاح مما جعل منه فارساً مقداماً. ثم استدعي والده الشريف حسين الى العاصمة التركية عام 1893 في عهد السلطان عبد الحميد، وعاش هناك مع اولاده حتى عام 1908.

وفي سنة 1905 تزوج فيصل من ابنة عمه حزيمة بنت الشريف ناصر بن علي وانجب منها صبياً وحيداً هو غازي ولد عام 1912 وثلاث بنات.
عاش فيصل حياة تقشف وتقوى تزوج بامرأة واحدة ولم يكن يهتم بجمع الاموال. ولما خرج من سوريا عام 1920 لم يكن معه ما يكفيه من مال لنفقات السفر.
قلنا ان فيصل عاش فترة في اسطنبول مما اتاح له الفرصة بأن يلتقي بالكثير من رجال السياسة والشخصيات العربية والتركية، ومما مكّنه كذلك من اتقان اللغة التركية.
وفي عام 1908، عام اعلان الدستور في تركيا، عاد مع والده الى مكة. وفي عام 1909 بدأ حياته السياسية العملية، حيث رشح نفسه نائباً عن مدينة جدة، وبعد فوزه في الانتخابات اصبح عضواً في "مجلس المبعوثان" مما كان يتطلب ان يعيش فترة في اسطنبول ثم يعود الى الحجاز. وهو ظل عضواً في "مجلس المبعوثان" حتى بداية الحرب العالمية الاولى.
كان فيصل الاكثر حماسة بين ابناء الشريف حسين لاعلان الثورة ضد الاتراك، وقد يعود ذلك الى اتصاله برجال الحركة العربية في سوريا.
ولكنه عندما ذهب الى دمشق عام 1916 لاشعال الثورة فيها وجد أن جمال باشا السفّاح قد بدأ بقطع رؤوس الاحرار العرب ونصب لهم المشانق في 6 أيار 1916. عندها عاد الى الحجاز ليساهم مع والده في اطلاق الثورة في 10 حزيران من تلك السنة.
وفي 1918 انهزمت تركيا في الحرب العالمية الاولى وخرجت جيوشها من سوريا فجاء (الملك) فيصل الى دمشق ودخلها على صهوة جواده فاستقبله الناس استقبالاً حماسياً وفي الخامس من تشرين الاول اذاع الملك فيصل بلاغاً رسمياً بتشكيل الحكومة يقول فيه: "الى اهالي سوريا المحترمين، اشكر جميع السوريين على ما ابدوه من العطف والمحبة وحسن القبول لجيوشنا المنصورة، والمسارعة للبيعة باسم مولانا السلطان امير المؤمنين الشريف حسين نصره الله"(1).
وبعد هزيمة تركيا اخذت الدولتان المنتصرتان بريطانيا وفرنسا تعملان للسيطرة على البلدان العربية التي كانت خاضعة للسلطنة العثمانية وفقاً لاتفاقية "سايكس – بيكو" التي وضعها كليمنصو ولويد جورج لتقاسم البلدان العربية بين بريطانيا وفرنسا. وقد جرى ذلك في 15 ايلول 1919 عندما دعا لويد جورج الامير فيصل الى اوروبا للتفاهم معه على خطوط السياسة الجديدة وقد وجّه اليه برقية في 10 ايلول 1919 راجياً ان يصل لندن في السادس عشر من الشهر نفسه.
غادر فيصل دمشق الى حيفا فالاسكندرية ثم ابحر على ظهر طراد للاسطول البريطاني يصحبه الشيخ فؤاد الخطيب أمين الخارجية، والجنرال حداد باشا مدير الامن العام، والدكتور احمد قدري - طبيبه الخاص -، والقائد اركان حرب محمد اسماعيل، والخوري يوسف اسطفان والمحامي توفيق الناطور، والمرافق العسكري تحسين قدري. ولكن عندما وصل الى باريس في 19 ايلول كان كل شيء قد انتهى بين الدولتين الحليفتين بريطانيا وفرنسا بموجب اتفاقية "سايكس – بيكو" التي اوقعت الدول العربية تحت الانتداب والسيطرة الاجنبية والتي لا نزال نعيش ذيولها حتى اليوم.
جرت مبايعة فيصل ملكاً في السادس من آذار 1920 في اجتماع "المؤتمر السوري". ثم جاءت فرنسا بجيشها الى سوريا ونشبت الحرب وانزل العلم العربي الذي رفعه فيصل في بيروت ودمشق بعدما رفض لويد جورج استقلال سوريا وتنصيب فيصل ملكاً عليها واعتبر انه ليس من حق اية جماعة ان تقرر مستقبل سوريا والعراق بل ان ذلك من حق دول الحلفاء التي حررت سوريا من الاحتلال التركي.
وعُقد مؤتمر سان ريمو بين (18-26) نيسان 1920 قررت فيه بريطانيا وفرنسا مصير البلاد العربية وتوزيع الغنائم بين الحلفاء. وقد اتضحت ملامح المؤامرة باعطاء فلسطين لليهود، ولم تنفع ردود الفعل التي صدرت عن الجماهير السورية التي كانت تطالب بالاستقلال. وقد كُتب ما كتب واملى الاستعمار شروطه وزحف الجنرال غورو على دمشق وانتصر في معركة ميسلون. ثم غادر الملك فيصل سوريا بطلب من الحكومة الفرنسية وسافر الى حيفا ومنها الى ايطاليا
وكذلك احتل الجيش البريطاني بغداد رغم مقاومة الشعب العراقي للاحتلال ومحاولاته الثورة ضد الانتداب البريطاني. وفي 1921 جرى تتويج الملك فيصل ملكاً على العراق وقد اشترط عندما عرض عليه عرش العراق ان تعترف الحكومة البريطانية باستقلاله، وان تساعد العراقيين، اولاً على انشاء حكومة وطنية مستقلة ذات سيادة، وثانياً: ان يلغى الانتداب الذي فرض على العراق في مؤتمر الحلفاء في سان ريمو. واصبح الملك فيصل في موقف صعب بين مطالب الشعب العراقي بالاستقلال وفرض بريطانيا الانتداب على العراق.
ومما يقوله امين الريحاني حول ذلك: "اساء الناس فهم موقف الملك فيصل، في تلك الايام، فلم ينصفه الانكليز، ولا انصفه العراقيون. قال الانكليز اصدقاؤه انه انقلب عليهم بعد التتويج، وقال المتطرفون انه يخدم مصالح الانكليز، ويعمل باوامرهم"(2).
وهكذا كانت علاقة الملك فيصل مع الانكليز بين مدّ وجزر، هو يريد الاستقلال لوطنه وبريطانيا تريد تكريس احتلالها للعراق.
حكم الملك فيصل العراق مدة 12 سنة (1921 – 1933) واثناء حكمه كان على خلاف مع نوري السعيد وعبد المحسن السعدون. بدأ خلافه مع نوري السعيد عندما شكل نوري اول وزارة له عام 1930 واخذ يتصرف كمركز قوة بديلة من الملك، وعند قيام الاضراب العام عام 1931 اشتد الخلاف بينهما بسبب وقوف نوري السعيد الى جانب مزاحم الباجه جي وزير الداخلية ووكيل رئيس الوزراء ضده. يضاف الى ذلك موقف نوري السعيد من زيادة تعداد الجيش مما ادى الى طرده وتعيين رشيد عالي الكيلاني مكانه وهو من الدّ خصومه.
كان الملك فيصل واعياً لحاجات العراق متفهماً لواقعه ومدركاً للعقبات التي كانت تواجهه في تحقيق النهضة التي كان يصبو اليها. يقول في خطاب التتويج:
"كانت هذه البلاد في القرون الخالية، مهد المدنية والعمران، ومركز العلم والعرفان. فاصبحت بما نالها من الخطوب والحوادث، خالية من اسباب الراحة والسعادة. فقد فيها الامن وسادت الفوضى، وقلّ العمل، وتغلبت الطبيعة وغارت مياه الرافدين في بطون البحار. فأقفرت الارض بعد ان كانت يانعة نضرة، وطغت القفار على المعمور، واصبحت المدن التي قويت على مقارعة النائبات اشبه شيء بواحات واسعة. فنحن الآن تجاه الحقيقة المؤلمة، ولا يجدر بشعب يريد النهوض، الا ان يعترف بهذه الحقائق"(3).
لم يكتف فيصل بطرح الافكار بل حاول وضعها موضع التنفيذ فراح يمارس الضغط على شركات النفط للتخلي عن سياسة المماطلة والتسويف في استثمار النفط واخراجه الى الاسواق العالمية للحصول على المبالغ اللازمة لتنفيذ المشاريع التي تحتاجها البلاد، مما ادى الى تصادمه مع الحكومة البريطانية التي كانت تدعم "شركة نفط العراق". كما حاول الملك تعديل المعاهدة مع الحكومة البريطانية التي وقعّت عام 1922 لانها مجحفة بحق العراق كما كانت تعتبر الحركة الوطنية.
ولكن شاءت الاقدار الا يحقق الملك فيصل امنياته تلك اذ وافته المنية بعد سنة. ففي الساعة الحادية عشرة والنصف من ليل يوم الخميس في السابع من ايلول 1933 استدعى الملك ممرضته وأمرها بأن تدعو حاشيته للحضور حالاً. فصعد اليه شقيقه الملك علي ونوري السعيد ورستم حيدر وتحسين قدري، ووجدوه يلفظ انفاسه الاخيرة. وفي الساعة 11،45 فاه بهذه الكلمات: "انا مرتاح، قمت بواجبي، خدمت الأمة بكل قواي، ليسر الشعب بعدي بقوة واتحاد"(4).
هكذا رحل الملك فيصل الاول الذي كان أمل الامة العربية. رحل في الغربة حيث كان يستشفي في مدينة بيرن السويسرية في فندق "بيل فو".
لقد توفى الملك فيصل الاول ولكن هل كانت وفاته بنوبة قلبية؟
يروي موسى محمود الشهبندر الذي كان احد اعضاء الوفد المرافق للملك ساعاته الاخيرة فيقول:
"بعد العشاء كان الجميع مجتمعين حسب العادة، في بهو الفندق وكان الملك علي يتحدث مع الامير شكيب ارسلان في احدى زوايا البهو، في الوقت الذي انشغل فيه الملك فيصل الأول وعادل ارسلان في حديث عميق، اما بقية اعضاء الحاشية فقد كانوا منشغلين بمتابعة مباراة بكرة المنضدة (اي كرة الطاولة) بين سيدة انكليزية واحد رجال الوفد. في هذه اللحظة نادى فيصل علي موسى الشهبندر، وقال له: تعال يا ابا شرارة – يقصد موسى – قل الحق من اكبر انا ام عادل؟ وقبل ان يرد الشهبندر، واصل الملك كلامه. عادل كان مبعوثا عندما كنت انا لم ازل ادرس في اسطنبول... قل بالله عليك من اكبر هو ام انا؟ وبالفطنة والذكاء اللذين عرف بهما الشهبندر، اجاب: جلالتك اكبر وان كان الامير عادل قد ولد قبلك. وهناك ادرك فيصل نباهة الشهبندر وحسن اجابته فضحك فرحا كالطفل".
وبعد ساعات مات الملك فيصل.
تعددت الروايات حول وفاة الملك. تذكر احداها ان الممرضة البريطانية الليدي باجيت شاهدته يوم وفاته بعد عودته من نزهة السيارة وهي تعتقد انه كان بصحة جيدة، وكانت الساعة تشير الى السادسة مساء، وكانت ترافقه امرأة هندية جميلة المظهر، وكذلك اخوها الطبيب، ولم تتأكد (الليدي) من كان مع الملك عند تناوله الشاي، وفي الساعة السابعة شعر بعطش شديد فأعطي شيئا ليشربه فتقيأ بشدة...
سرت شائعة بأن الملك مات مسموما بمادة الزرنيخ. ويبقى السؤال هل مات ميتة طبيعية ام قتل بمؤامرة دبرت له؟
الدكتور كوفر المشرف على صحة الملك لم يتخذ الاجراءات لفحص القيء كما كان يجب ان يفعل لمعرفة فيما اذا كان فيه سم.
كان ثلاثة اطباء سويسريين مشهورين قد اجروا فحوصات للملك قبل وفاته بيومين واكدوا ان قلبه لا يعاني من شيء خطير. كذلك لم يجر تشريح دقيق للجثة لمعرفة اسباب الوفاة بل جرى تحنيطها بسرعة.
كان الملك قد صرح لمراسل جريدة "الديلي ميل" في بيرن انه جاء لاجراء فحوص سنوية طبية أي انه لم يأت للعلاج من مرض معين.
تشير الحقائق الطبية الى ان المصاب بالتسمم بالزرنيخ المذاب بالشاي والحليب يشعر عادة بعطش شديد ودوار والم شديد في المعدة، مع تقيؤ يعقبه هواء، اي تقيؤ من معدة فارغة، وقد تسبب حالة التسمم هذه عجزا في القلب... مما يرجح فرضية ان يكون السم قد دس في الشاي الذي شربه الملك قبل ساعات.
هناك من يتهم المرأة الهندية (المس) بابس بافري التي كانت مع شقيقها الدكتور جال بافري في ضيافة الملك هي التي دست السم او شاركت في ذلك.
والذي يرجح ان سبب الوفاة مفتعل ان رئيس التشريفات الملكية قال: "ان فيصل قد قتل" ولكنه لم يدرك من هو القاتل!
وهناك من يتهم نوري السعيد الذي امر بتحنيط جثة الملك ونقلها بسرعة الى العراق.
وهناك روايات اخرى. يلخص ناصر الدين النشاشيبي في كتابه "نساء من الشرق الاوسط"(5) سبب وفاة الملك فيصل فيقول:
"هناك فتاة يهودية مصرية باسم فيكي او (فيكتوريا حكيم) تسكن في منطقة المعادي بالقاهرة وتجيد التحدث بأكثر من لغة اجنبية (الانكليزية والفرنسية، والايطالية) كما تجيد لعبة البريدج. وكانت فيكي وعائلتها يقضون شهور الصيف في رأس البر... وشاءت الصدف ان تتعرف عائلتها الى رستم حيدر الذي وقع في حب فيكي فوعدها بأن لا يفارقها مطلقا. وانه سوف يضمها الى الحاشية الملكية. وكان رستم قد علم بأن فيكي كانت درست التمريض في المستشفى الاسرائيلي بالاسكندرية واشتغلت في ذلك المستشفى.
وبعد فترة قصيرة تلقت فيكي برقية مستعجلة من رستم حيدر يطلب فيها ان تعد نفسها لكي تقوم بمهمة الممرضة الخاصة للملك فيصل الاول. وفي شهر آب سافر الملك ومعه اخوه الملك علي ونوري السعيد ورستم حيدر وتحسين قدري الى سويسرا لغرض العلاج. وفي ميناء الاسكندرية التحقت فيكي بالحاشية الملكية. لقد اعجب الملك بها مثلما وقعت هي بحب الملك، او هكذا كان شعورها".
يتابع النشاشيبي سرد قصته فيقول: "رأيت فيكي بعد موت الملك وقد جاءت الى مدينة لوزان برفقة زوجها احمد صديق باشا (محافظ الاسكندرية) وعيّن بعد زواجه بها سفيرا لمصر في اليابان. وسألتها عن قصتها مع الملك فيصل الاول فانزعجت لسؤالي ولم تجبني...
وعندما مرضت فيكي بالسرطان زرتها في المستشفى وذكّرتها بسؤالي ثانية فأجابت: "انا كنت صغيرة، لكني اذكر ان شخصية بريطانية غامضة قد اتصلت بي فور اقلاع الباخرة من الاسكندرية ودعتني الى تناول فنجان شاي وكشفت لي عن منصبها وعملها وطلبت مني بصراحة تامة أن اوافيها على مدى الاربع والعشرين ساعة بتفاصيل حالة الملك الصحية ونوع الحقن التي يأخذها واقراص الدواء التي يتناولها وحركاته ونشاطه.
ثم قالت لي تلك الشخصية ان رستم حيدر لا يعترض على مثل هذا العمل وانه على علم تام به... ثم تتابع قائلة: وفي فندق "بيل فو" اختاروا لي غرفة ملاصقة لغرفة الملك، وكانت مهمتي ان ارافقه معظم ساعات الليل والنهار. وكنت اول من يدخل عليه في الصباح وآخر من يراه عند منتصف الليل.
وفي اليوم الثاني من وصولنا الى بيرن سلمني طبيب الملك الخاص مجموعة الحقن التي سأعطيها للملك، وهو الذي اختار له العلاج. وشرح لي كيفية استعماله، وطلب مني ان اوافيه بتقارير سرية عن حالة الملك الصحية اثر كل حقنة من العلاج اعطيها له.
وقد جاء السفير البريطاني في بيرن الى الفندق ودق عليّ باب غرفتي ودخل وشرح لي بأن رئيس الديوان الملكي (رستم حيدر) على علم بهذه الزيارة. وطلب مني ان اطلعه على علب الحقن التي يتناولها الملك وعلى بقية الدواء الخاص به، وفجأة دق جرس التلفون وسمعت صوت رستم حيدر يطلبني لأمر هام، فتركت السفير البريطاني في غرفتي وعندما عدت اليها وجدت جميع الحقن واقراص الدواء، قد اعيد ترتيبها بعناية خاصة وبنظام يلفت النظر بحيث لم اعد واثقة تماما من ان هذه العشرات من مجموعات الحقن وعلب الدواء هي مجموعات العلب والحقن نفسها التي تركتها. ولم اقدر ان اطلب من السفير ان يفتح لي حقيبة يده كي افحص ما بداخلها، ولم اقدر ان احصي عشرات من العلب كي اعرف ماذا نقص منها، وماذا زاد عليها، وما تبدل منها؟
ادرك السفير البريطاني حيرتي فاستأذن لارتباطه بموعد سابق على ان يتصل بي في المساء. وفي المساء وبعد عودتي الى غرفتي بعد ان اعطيت الحقنة الطبية للملك – لكي استريح – وجدت السفير البريطاني في انتظاري حيث امطرني بعشرات الاسئلة عن صحة الملك. ولم اجد ما يبرر هذه الاسئلة لأنني كنت انقل كل شيء عن صحته الى رستم حيدر.
بعد يومين من هذه الواقعة ذهب الجميع الى الجبل المجاور للفندق تلبية لدعوة عائلة هندية معروفة وكان الملك في ذلك اليوم بكامل نشاطه وموفور الصحة. لكن عندما عاد بعد الظهر بدأ يشعر بضيق في الصدر وتعب في الجسم، فأعطيته الحقنة اللازمة.
وقبل حلول العشاء سمعت صوت حسين قدري يناديني من وراء الباب كي آتي بحقنة انعاش لاعطائها للملك فورا. وعند دخولي وجدت الملك مستلقيا فوق سريره وقد ارتسمت خطوط زرقاء فوق وجهه. رفعت سماعة التلفون لطلب الطبيب الخاص، واتصلت بالسفير البريطاني لكي ادعوه، لكن السفير وفي ضوء حساباته وتوقعاته كان جالسا في بهو الفندق في انتظار المفاجآت. وحضر الطبيب واعطيت الاسعافات اللازمة للملك، لكن الموت كان اقوى من كل شيء، اذ اغمض عينيه وفارق الحياة بعد ساعة واحدة، وكان موجودا على سرير الملك عند وفاته كل من: رستم حيدر وتحسين قدري والممرضة فيكي والسفير البريطاني (يلاحظ عدم وجود نوري السعيد معهم)".
ويتابع النشاشيبي روايته فيقول:
عندما سألتها عن اسماء الاشخاص الذين يحملون سر وفاة الملك فيصل في صدورهم، قالت فورا: كان رستم حيدر يعرف سر القصة لكن الذين يعرفون عنه ذلك قرروا التلخص منه فارسلوا اليه مفوض شرطة مفصولا من عمله اطلق عليه الرصاص في مكتبه منتصف شهر حزيران عام 1940".
الجدير ذكره ان ما روته الممرضة فيكي للنشاشيبي يتوافق مع ما توصل اليه الدكتور مظفر الادهمي والدكتور علاء جاسم في كتابيهما عن الملك فيصل الاول وكذلك مع ما قاله الدكتور عصام شريف(6) من ان اصابع الاتهام تشير الى السلطات البريطانية في التخطيط لقتل الملك فيصل وان رستم حيدر كان المنفذ للمخطط البريطاني من خلال صديقته اليهودية الممرضة فيكي. وهنا تلتقي مصالح كل من بريطانيا واليهود للتخلص من الملك فيصل الاول الذي كان يسعى للتخلص من الاستعمار البريطاني ويعمل على توحيد العرب. في مقال لي تناولت فيه "مذكرات رستم حيدر"(7) نشرته جريدة "النهار" بتاريخ 27/2/2005 جاء ما يلي حول مقتل رستم حيدر (ص96):
"في 18 كانون الثاني وليس كما ورد اعلاه في منتصف شهر حزيران – وبينما كان رستم حيدر في مكتبه بوزارة المال دخل عليه المدعو حسين فوزي توفيق وهو من مفوضي الشرطة المفصولين واطلق عليه النار فأصابه في خاصرته اليسرى. فنقل رستم حيدر الى المستشفى ولكنه توفى متأثرا بجراحه في 22 كانون الثاني 1940. القي القبض على الجاني الذي اعترف بأنه هو الذي اطلق النار لعدم حصوله على وظيفة كان الوزير حيدر يعده بها دون جدوى فأقدم على فعلته... ثم صدر حكم باعدامه ونفذ فيه في 27 آذار 1941.
وقيل ان حراس السجن الذين حضروا عملية تنفيذ الاعدام سمعوا حسين فوزي توفيق يصيح جهارا وهو في طريقه الى المشنقة: "ورطني... ورّطني" وهو يقصد ان نوري السعيد هو الذي ورطه في اغتيال رستم حيدر. وكان نوري السعيد قد قابل الجاني في سجنه فغير اثر ذلك افادته.
فهل كان لنوري السعيد ضلع ومعرفة بقتل الملك فيصل؟ واذا كان لرستم حيدر دخل في مقتل الملك فيصل الاول عام 1933 فلماذا جرت تصفيته بعد سبع سنوات اي في 1940؟
يعتقد الدكتور محمد مظفر الادهمي ان اصبع الاتهام تشير الى طرفين كانت لهما مصلحة في موت فيصل هما نوري السعيد والسلطات البريطانية.