محمد القصبجي .. الموسيقار الذي لم يعرف قيمته العرب !

محمد القصبجي .. الموسيقار الذي لم يعرف قيمته العرب !

د. سيّار الجَميل
 " لم يكن يضيرني أن تظل ألحاني الأولى في زوايا النسيان "
القصبجي
يعد محمد القصبجي واحدا من ابرز الموهوبين والمبدعين العرب وغدا موسيقارا شهيرا مبرزا في التلحين والضرب على العود وخلق الالحان الجميلة التي وصل بها إلى قمة الإبداع والتي منحها الى ليلى مراد واسمهان وام كلثوم التي حلقت واياه في الذروة،

 ولكن هذا الانسان لم يستمر اذ خبا نجمه وهو حي يرزق ليغدو عازفا للعود في فرقة الست على امتداد عقود طوال من السنين.. تراه منكمشا على نفسه في اغلب الحفلات الشهرية والموسمسة للست ام كلثوم.. ولم نجد موسيقارا كمثله قد نسى نفسه واهملها الاهمال الشديد ليس تواضعا منه، فلقد كان يحمل كبرياء لا مثيل له، ولكن لم يكن يهمه حب الظهور ولعل شيئا قد حدث له او هّزة اثرّت عنده فقلبت كيانه رأسا على عقب.. لقد عاش 68 عاما امتد وهجه في النصف الاول من القرن العشرين.. وهي المرحلة الذهبية بل الماسية من عظمة الفن الغنائي والموسيقي العربي سواء كان في مصر ام في بعض البلدان العربية الاخرى.

حياته
ولد القصبجي في مدينة القاهرة في العام 1898 من أبوين محافظين وفي بيئة موسيقية اذ كان والده معلما للعود ومنشئا لبعض الالحان فترعرع على حب العود منذ طفولته وأرسله أبوه إلى الكتاب ليحفظ القرآن الكريم حسب العادات المألوفة آنذاك ولما بلغ التاسعة من عمره أرسله أبوه إلى الأزهر ليثقفه في العلوم والمنطق والفقه واللغة العربية والتوحيد.. ثم انتسب إلى دار المعلمين حتى تخرج منها من دون ان يتنازل عن هوايته في الموسيقى.. التحق يدرس في المدارس لمة ثلاث سنوات ولكنه لم يتحمل ذلك فهجر التدريس ليدخا عالم الفن الذي ملك عليه حواسه ومشاعره وتصدرت في مخيلته ونفسه وروحه مذ كان طفلا اذ يقال انه طفق يعزف ويلحن الحانا بدائية ولم يتجاوز التاسعة من العمر، وصار ابوه يمرنه على عزف العود لتكون له هواية جميلة تساعده على الدراسة والبحث ومن ثم الخلق والابداع.
أعماله الابداعية
ترك القصبجي مهنة التدريس وانزوى يعمل للفن وبعد أن تمكن من أصول العزف والتلحين إلى جانب ثقافته العامة، فلحن الحانه الاولى لشركة اسطونات بيضافون، فتهافتت على ألحانه لشرائها وتسجيلها وكانت آنذاك مطربة مصر الأولى السيدة منيرة المهدية قد تعرفت على القصبجي والذي لحّن لها بعض الأغاني والأوبريتات حتى أقبل عليه المطربون المشهورون أمثال: زكي مراد والشيخ سيد الصفتي وصالح عبد الحي وغيرهم.. وفي العام 1922، طلبت إليه شركة بيضافون أن يلحن لها الأشعار الوطنية التي أثارت دويا كبيرا في الأوساط السياسية والفنية. وتعّرف القصبجي على أم كلثوم بواسطة شركة أوديون ومنها بدأت بينهما صداقة العمر بعد ان وصفته بالكنز، وبلغ مجموع ما لحنه من الأغاني لها 140 أغنية كان آخرها رائعتهما " رق الحبيب " وقال بعدها: بدأت شمسي في المغيب فكدت أسير إلى زوال.
يعتبر القصبجي من الملحنين المكثرين فقد بلغ مجموع ما لحنه في حياته من روائع الألحان 1265 أغنية كانت أكثرها على كل لسان وفي كل قلب لقد تغنت بألحانه أكابر المطربات والمطربين أمثال: منيرة المهدية وأم كلثوم وأسمهان وصالح عبد الحي والشيخ سيد الصفتي ومن أشهر ألحانه التي شاعت كثيرا أغنية " يا بهجة العيد السعيد " و " مدام تحب تنكر ليه " و "رق الحبيب " لأم كلثوم و " ليت للبراق عينا " و " يا طيور.. " لأسمهان وغيرها، وميزة القصبجي انه لم يقتبس من الموسيقى الغربية ولم يقلد أحدا في ألحانه انه نسيج خاص وصاحب مدرسة مستقلة عن سواه انه كان عقيما لم ينجب أولادا ولكنه كان يعتبر ألحانه بمثابة خصبا له، ولحن أربعة أوبرات والعديد من الأفلام السينمائية والحانه من المستوى الرفيع التي تنتمي الى مدرسته الموسيقية الحديثة الراقية.
مدرسته الموسيقية
لقد بدأت مدرسة القصبجي أول أعمالها عام 1927 يوم كوّن أول تخت ضم إليه عازف القانون محمد العقاد وأمير الكمان سامي الشوا واشترك مع هؤلاء الثلاثة الشاعر أحمد رامي في تقديم روائعه التي صيغت ألحانا تهز الافئدة والأسماع والمشاعر. لقد غدا القصبجي عبقري مبدع وصاحب مدرسة لموسيقية رائعة ويردد دوما:عشاقي في الدنيا ثلاث ثومة أي أم كلثوم وعودي وألحاني ولذا كان يقف أمام أم كلثوم كرقم 6 منحنيا ويتهافت على العزف في حفلاتها الغنائية حتى ولو كان في أسوأ الحالات من الإرهاق والتعب وكان إذا نادته أم كلثوم يسرع نحوها ملبيا أمرك ست الهانم إن إعجابه بها قد وصل حد التقديس بعد الله، ولكن تشير الروايات الى انها لم توفه حقه!وانتهت حياته في الربع الأول من عام 1966 ودفن في القاهرة مخلفا أبدع الألحان وأروعها ومدرسته الموسيقية التي اتسمت بطابعه وأخلاقه ومزاجه.
القصبجي فنان سيخلده التاريخ!
كان هذا الفنان المتميز قد غمط حقه وتاريخه وأبداعه طويلا على امتداد خمسين سنة.. وان فرصته التي وجد موهبته وابداعاته فيها قد اختفت عن المسرح الثقافي العربي مذ اختفى ذلك العصر الليبرالي الخصب الذي ازدحمت فيه الطاقات والممارسات والمنتجات الرائعة، ليس عند اسم معين أو اسماء محددة، بل عند نخب عدة كانت لها خصالها المتميزة في كل مجالات حياة النهضة والابداع. ان توقّفه عن الابداع ليس بسبب قريحته التي لم تنضب ابدا، ولكن الحياة التي كان يعايشها قد نضبت! لقد وجد نفسه فجأة يتحرك على أرضية هي غير تلك التي تحرك فوقها في الخمسين سنة الاولى من القرن العشرين! ان من يتوغل في اعماقه، سيجده يختلف جدا عن أقرانه في التفكير الموسيقى، اذ لا يمكنه البقاء ضمن حيز واحد فقط من مقامات السلم الموسيقي الشرقي على غرار ما فعله السنباطي الذي كان يّنوع ألحانه ضمن حيز مقام واحد من ذلك السلم.. فضلا عن أن القصبجي لم يقتبس أي لوازم موسيقية عن غيره من العالميين كما فعل غيره! لم يفعل القصبجي ذلك ليسخّرها عربيا، فتذيع وتنتشر اعلاميا وابداعيا. انه فعلا ذروة في الاعماق.
كان القصبجي وأعماله شاهدة على مقدرته العليا على صياغة لوازم موسيقية اصيلة، وقوية، وصعبة.. فضلا عن ابداعه في بناء جملة الحان جديدة ومتماسكة مطّورا في الالحان العربية ومجددا في الموسيقى الشرقية. واعتقد أنه الوحيد الذي طّور الموسيقى العربية بأصالة واقتدار.. فموسيقاه صعبة جدا ربما لا تجد الاصوات التي يمكنها ان تصدح بها، ولقد أبدعت كّل من اسمهان وام كلثوم في ترجمة التفكير الموسيقي الخصب للقصبجي.. ولما رحلت اسمهان بصوتها الاوبرالي الواسع الى السماء قبل أن يبدأ النصف الثاني من القرن العشرين صفحاته، فان القصبجي رحل بموهبته الخصبة في أعماقه والتي لم تستطع أم كلثوم ان تنتشلها كي تترجمها بفعل تأقلمها مع الصفحات الجديدة التي سببّت محنة نفسية وابداعية حقيقية للقصبجي.. فماذا حدث؟
لقد بقي جسمه شاخصا امامنا مع كل معاناته، ولكنه ابقى نفسه عن عمد وسبق اصرار عظيما، ولم يهمّه أبدا ان يجلس عازفا على عوده في فرقة الست على امتداد السنوات المتبقية من حياته! ولا ندري كيف كان يفكر موسيقيا في تلك المرحلة الاخيرة من حياته، وهو يعزف بهدوء على اوتار عوده الرخيم تلك الالحان الشجية التي كان يضعها زميله رياض السنباطي أو تلك التي وضعها عبد الوهاب؟؟ نعم، كان يتقبلها ليس على مضض بل على استحياء كونه احتفظ لنفسه بموهبته وقريحته في أعماقه وربما كان الرجل يبكي في اعماقه ليس على ما يسمع من شدو الست الكبيرة امامه، بل على ما حدث من انقلاب فاضح في مفاصل الحياة كاملة! ولكن هل كان من السهل عليه أن يتقّبل الجمل اللحنية والموسيقية التي كان ينسجها غير السنباطي؟ واذا كان يتقّبل كلمات شوقي وبيرم ورامي وابراهيم ناجي في القصائد الرائعة التي شدت الست بها، فهل كان يتقبّل منها كلمات بقية اغانيها بكل تجّرد؟
انه الافتراق عند طريقين اذ اعتقد بأن الرجل كان يكظم آلامه في أعماقه ليخزنّها الى جانب ما كان يخزنه من الاحن! وأقول: حسنا جاء رحيله قبل رحيل الست بسنوات عدة، لأنه لن يسمع اغنياتها الاخيرة التي غنتها بعد الاطلال!! كما واعتقد ان الرجل كان يتمنى في محنته السايكلوجية لو توقفت الست واحتفظت بموهبتها في اعماقها أيضا منذ سنوات على رحيله؟ أو بالاحرى، انها رحلت في اعماقها بعد رحيله هو نفسه في أعماقه.. ولكن ليس في اليد حيلة، ما دام الامر يتوقّف على رزقه الذي يقوم بسد متطلبات حياته واسرته!
ان الفرق المدهش بين هذا الرجل وهذه المرأة انهما مختلفين في تفكيرهما حقا! لقد كان يريد لنفسه من خلال موهبته ان تسمو متجلية في الاعالي فيسبح من يسمع موسيقاه في عالم ملكوتي صعب غير موجود.. في حين ارادت الست لنفسها ان تنزل من عليائها التي كانت عليها في الاربعينيات لتسيطر على عالم سهل موجود فعلا كالذي توّفر عندها ببساطة وبين يديها في الخمسينيات والستينيات! لقد اراد القصبجي ان يبقي مجده معلّقا في السماء.. في حين ارادت ام كلثوم ان تبقي مجدها على الارض فتسيطر على الاخضر واليابس! واعتقد ان القصبجي كانت ضحية تاريخ جديد فالعصر هو الذي سبقه ولم يكن هو الذي سبق عصره.. ذلك لأن ما استجد لاحقا في الخمسين سنة الثانية من القرن العشرين كان متدنيا مقارنة بما كان عليه الابداع الموسيقي المصري في النصف الاول منه!

تساؤلات الزمن الهزيل عن الزمن الجميل
كان محمد القصبجي قد طواه النسيان منذ رحيله، ولما بثّ مسلسل أم كلثوم، تلفزيونيا قبل قرابة عشر سنوات، فقد تذّكره الناس القدماء، في حين لم يعره الجيل الجديد أي أهمية..بدأت استعيد أسئلتي عن أسرار هذا العملاق.. ولماذا غاب أسمه طويلا على مدى خمسين سنة أو أكثر سواء في حياته أو من بعد مماته.. ببساطة متناهية: كان القصبجي قد غُمِطَ حقه، وتاريخه، وإبداعه طويلا على امتداد خمسين سنة.. وان فرصته التي وجد موهبته وصناعته فيها قد اختفت عن المسرح الثقافي، مذ اختفى ذلك العصر الحرّ الخصب الجميل الذي ازدحمت فيه الطاقات والممارسات والحركات والمنتجات الرائعة، ليس عند اسم معين، أو أسماء محددة، بل عند نخب عدة كانت لها خصالها المتميزة في كل مجالات حياة النهضة والإبداع.
إن قريحة القصبجي لم تنضب أبدا، كما ادّعى بعض المحللين، ولكن الحياة الحرة التي كان القصبجي يعايشها قد نضبت! لقد وجد الرجل نفسه فجأة على أرضية يابسة، هي غير تلك التي كان يتحرك فوقها في الخمسين سنة الأولى من القرن العشرين! وإذا قال قائل: أن غيره بقي مستمرا في عطائه وإبداعه أمثال: رياض السنباطي، ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش وغيرهم، فإنني أقول: إن من يتوغل في أعماق القصبجي، سيجده مختلف جدا عن أقرانه في الحس الاجتماعي والتفكير الموسيقى، إذ لا يمكن للرجل البقاء ضمن حيز واحد فقط من مقامات السلم الموسيقي الشرقي على غرار ما فعله السنباطي الذي كان يّنوع ألحانه ضمن حيز مقام واحد من ذلك السلم.. فضلا عن أن القصبجي لم يقتبس أي لوازم موسيقية عن غيره من المؤلفين الموسيقيين العالميين كالذي فعله كل من عبد الوهاب وفريد وغيرهما.. لم يفعل القصبجي ذلك ليسخّرها عربيا، فتذيع وتنتشر إعلاميا وإبداعيا.
ذروة في الاعماق
كان القصبجي وأعماله شاهدة على مقدرته العليا على صياغة لوازم موسيقية أصيلة، وقوية، وصعبة.. فضلا عن إبداعه في بناء جملة الحان جديدة ومتماسكة مطّورا في الألحان العربية ومجددا في الموسيقى الشرقية. واعتقد أنه الوحيد الذي طّور الموسيقى العربية بأصالة واقتدار.. وكان من قبله الموسيقار سيد درويش الذي سبقه بجيل! فالقصبجي في موسيقاه من الصعوبة بمكان أن يجد الأصوات التي يمكنها أن تصدح بها، وإذا كان الرجل قد وصل ذروته مع الست أم كلثوم في رائعة " رق الحبيب "، فقد كان ذروته أيضا مع ليلى مراد في " أنا قلبي دليلي.. " تلك الأغنية الراقصة الرائعة الخالدة.. ووصل إلى قمة الإبداع في ما لحنه للفنانة أسمهان في رائعة " يا طيور " الساحرة.. ولقد أبدعت كّل منهّن في ترجمة التفكير الموسيقي الخصب للقصبجي.. ولما رحلت أسمهان ذات الصوت الاوبرالي الواسع إلى السماء قبل أن يبدأ النصف الثاني من القرن العشرين صفحاته، فان القصبجي ـ كما اعتقد ـ اعتبر ذلك الرحيل علامة شؤم كبيرة لما سيحدث من متغيرات تاريخية في الحياة.. فرحل بموهبته الخصبة في أعماقه، والتي لم تستطع أم كلثوم أن تنتشلها، كي تترجمها بفعل تأقلمها مع الصفحات الجديدة التي خلقتها عوامل وظروف عقد الخمسينيات، فسببّت محنة نفسية وإبداعية حقيقية للقصبجي.. علما بأنه لم يبخل على فنانات أخريات بأرق الألحان الرائعة، ومنهن: سعاد محمد، ونور الهدى وغيرهن.. ولم يكسر صمته إلا في تلحين ثلاث قصائد وطنية غنتها كل من شهرزاد، ونازك، وفايدة كامل، ولكن بالحان عادية.. فماذا حدث؟
لقد بقي جسمه شاخصا أمامنا مع كل معاناته، ولكنه أبقى نفسه عن عمد وسبق إصرار عظيما، ولم يهمّه أبدا أن يجلس عازفا على عوده في فرقة الست على امتداد السنوات المتبقية من حياته! ولا ندري كيف كان يفكر موسيقيا في تلك المرحلة الأخيرة من حياته، وهو يعزف بهدوء على أوتار عوده تلك الألحان الشجية المؤطرة التي كان يضعها زملائه وطلبته الفنانين الكبار، ومنهم، السنباطي وعبد الوهاب وبليغ؟؟ نعم، كان يتقّبلها ليس على مضض بل على استحياء كونه احتفظ لنفسه بموهبته وقريحته في أعماقه، وربما كان الرجل يبكي في أعماقه ليس على ما يسمع من شدو الست الكبيرة أمامه، بل على ما حدث من انقلاب فاضح في مفاصل الحياة كاملة! ولكن هل كان من السهل عليه أن يتقّبل الجمل اللحنية والموسيقية التي كان ينسجها غير السنباطي؟ وإذا كان يتقّبل كلمات شوقي وبيرم ورامي واخيرهم ناجي في القصائد الرائعة التي شدت الست بها، فهل كان يتقبّل منها كلمات بقية أغانيها بكل تجّرد؟
الافتراق عند طريقين:
إنني اعتقد بأن الرجل كان يكظم آلامه في أعماقه ليخزنّها إلى جانب ما كان يخزنه من الإحن! وأقول: حسنا جاء رحيله قبل رحيل الست أم كلثوم بسنوات عدة، لأنه لن يسمع أغنياتها الأخيرة التي غنتها بعد الأطلال!! كما واعتقد، أن الرجل كان يتمنّى في محنته السايكلوجية، لو توقفت الست واحتفظت بموهبتها في أعماقها أيضا منذ سنوات على رحيله؟ أو بالأحرى، أنها رحلت في أعماقها بعد رحيله هو نفسه في أعماقه.. ولكن ليس في اليد حيلة، ما دام الأمر يتوقّف على رزقه الذي يقوم بسد متطلبات حياته وأسرته!
إن الفرق المدهش بين هذا الرجل وهذه المرأة إنهما يختلفان في تفكيرهما حقا! لقد كان يريد لنفسه من خلال موهبته أن تسمو متجلية في الأعالي، فيسبح من يسمع موسيقاه في عالم ملكوتي صعب غير موجود.. في حين أرادت الست لنفسها أن تنزل من عليائها التي كانت عليها في الأربعينيات، لتسيطر على عالم سهل موجود، فعلا كالذي توّفر عندها ببساطة وبين يديها في عقدي الخمسينيات والستينيات! لقد أراد القصبجي أن يبقي مجده معلّقا في السماء.. في حين أرادت أم كلثوم، أن تبقي مجدها على الأرض، فتسيطر على الأخضر واليابس! ومن خلال عقد مقارنة بين الست وخمسة من أعظم الملحنين لها، اكتشفت منذ زمن طويل، إن الشيخ زكريا أحمد جعلها تنطلق مغردة على هواها كما في رائعته " الاولّى في الغرام.. ".. في حين جعلها القصبجي تطرب سارحة في حديقة غّناء وهي تقطف زهورها.. أما السنباطي، فلقد خلق لها مسرحا معينا لا تخرج منه في تلك الحديقة الغناء.. وإذا كان بليغ قد ضّيق حجم المسرح عليها كثيرا، فان عبد الوهاب قد جعلها، تغّرد في قفص لم تستطع الخروج منه حتى رحيلها!
وأخيرا: من سبق الاخر؟
لا اعتقد بأن " القصبجي الموسيقار قد سبق عصره " ـ كما ذكر ذلك فكتور سحاب نقلا عن توصيف الست للرجل ـ، بل اعتقد إنه كان ضحية تاريخ جديد، فالعصر هو الذي سبقه، ولم يكن هو الذي سبق عصره.. فلقد كان محمد القصبجي ابنا حقيقيا لعصر العظمة الفنية الراقية والثقافية المصرية خصوصا والعربية عموما.. وكنت أتمنى لو طال المطال به، وبذلك الزمن الجميل، لكّنا اليوم في عالم آخر من الخلق والإبداع والأمجاد، ولأخذتنا الحياة المتخيّلة إلى عالم كبير من جمال العظماء ورقي الحياة.. وليعذرني أصحاب النصف الثاني من القرن العشرين، إن قلت لهم، بأنه زمنهم كان متدنيا جدا مقارنة بما كان عليه الإبداع الموسيقي والطرب المصري في النصف الأول منه! وبعد هذا وذاك، هل عرفنا حقا سر صمت القصبجي.. الفنان والإنسان؟ دعوني أحيّي ذكراه الطيبة بحرارة شديدة.