المونولوج.. المطرب العاطفي

المونولوج.. المطرب العاطفي

شريف صالح
لم يكن «سُمعه» يتخيل أنه فنان كوميدي قادر على الاضحاك، بل كان يظن نفسه «مطرباً عاطفياً» وكان مولعاً بأعمال موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، ويحلم بان يذهب الى القاهرة وينافسه في الطرب! بعد ان شجعه أصدقاؤه بان القاهرة هي موطن الطرب والشهرة والمال. ويبدو ان مهنة «المناداة» التي امتهنها بعد هروبه من منزل والده أوحت اليه بعذوبة صوته، وحاول مراراً اقناع رواد المقهى الذي يعمل فيه باجادته الغناء.

لكن ملامحه غير العاطفية، ونحول جسده، وطبقة صوته، جعلت رد فعل الجمهور على غنائه لأعمال عبدالوهاب العاطفية.. مضحكة جداً. ويقال انه غنى في أحد الأفراح للعروسين أغنية عبدالوهاب «أيها الراقدون تحت الترب» فنال أجره سباً وضرباً!
أصبح يواجه الفشل وتنفذ النقود القليلة التي معه وهو يعيش بلا مأوى ولا يجد طعاماً فكان ينام في المساجد وأثناء نومه كل ليلة كالمعتاد في أحد المساجد وجد من يوقظه من نومه ويتهمه أنه سرقه وكانت حالة البؤس والشقاء البادية على ملامحه وهيئته جعلت الناس تظن أنه «حرامي» ولم ينقذه الا شيخ وقور استمع اليه فصدق حكايته وأعطاه نقوداً وطلب منه ان يعود مرة أخرى الى بلده ويترك القاهرة.
عاد الى السويس يعاني الفشل والاخفاق، لكن أصدقاءه دبروا له حفلات المناسبات والأفراح ليغني فيها، ومع الصبر تأتي الفرصة في أحد الأفراح استمع اليه أحد أفراد عائلة «قدري باشا» ودعاه الى زيارته القاهرة، فأصبح هو المطرب الذي يحيي حفلات ومناسبات العائلة ومعارفها وهناك تعرف على المحامي خليل حمدي المغرم بالفن وصاحب العلاقات الواسعة، فرآه شخصاً تلقائياً بسيطاً خفيف الظل، فعرفه على أصحاب المسارح والصالات لكن هؤلاء نصحوه بان يتوقف عن الغناء لعبدالوهاب ويتجه الى فن «المونولوج» الأنسب لصوته وشكله وخفة ظله.
تنقل بين فرق عدة منها فرقة حورية محمد وأمين عطا الله.. الى ان وجد ضالته في المؤلف أبو السعود الابياري الذي اقتنع بموهبته بعد ان تعرف اليه وألحقه بفرقة بديعة مصابني عام 1935 وهو ابن 23 عاماً ليقدم فقرة ثابتة يغني من خلالها عدداً من المونولوجات التي كتبها له الابياري. وعندما ذاع صيته تعاقدت معه الاذاعة المصرية على تقديم أربع وصلات شهرياً مقابل أربعة جنيهات فأصبح يمتلك ايراداً شهرياً ثابتاً. ومن أشهر أعماله في فن المونولوج: «الحشاشين، أول يوم في الشهر، مراتي أسبور، الستات، الايجار، ارتحت يا باشا، ولع ولع، كل ما أفوت ع البنك، يا اللي تملي تحسد، الدنيا تياترو، ميمي وفيفي، أصلي مؤدب، ابليس ايه ذنبه» وغيرها.
وناقش يس من خلال المونولوج عدداً من المشاكل والأفكار المختلفة، وقدمها بطريقة مبتكرة مستخدماً بعض اللازمات التي ارتبطت به مثل خفة ظله وعفويته وحركة فمه الشهيرة، وتضمين المونولوج بعض النكات، والأهم من ذلك موهبته الموسيقية التي تجعله لا ينشز في الأداء.
عن جريدة النهار المصرية