استغلال الشركات وراء مآسي عمال المناجم

استغلال الشركات وراء مآسي عمال المناجم

ترجمة وإعداد/ عادل العامل
يذهب مئات العمال سنوياً ضحايا لسوء الأوضاع العملية والرقابية في المناجم على امتداد العالم، نتيجةً لاستغلال الشركات وحرصها على الأرباح أكثر من حرصها على حياة عمالها، وتخلف أساليب التنقيب ووسائله، وإهمال الحكومات لإجراءات السلامة والصيانة المنتظمة في هذه المواقع الخطرة، وكان آخر الأمثلة الدراماتيكية على هذه الأوضاع المأساوية ما حدث لعمال منجم للنحاس في تشيلي مؤخراً.

وقد تم إنقاذ هؤلاء العمال، وعددهم 33، بعد 77 يوماً من حصارهم داخل منجم في شمال تشيلي في عملية اتّسمت بالإثارة الإعلامية والعاطفية، كم جاء في صحيفة هيرالد تربيون. وصرّح أحدهم قائلاً: إنه ورفاقه ضحايا انعدام الشعور بالمسؤولية لدى أصحاب منجم سان خوزيه.
"إن الناس يدعوننا أبطالاً، لكننا في الحقيقة لسنا كذلك، فنحن ضحايا، وقد كافحنا من أجل الحفاظ على أرواحنا لأن لدينا عوائل، إننا ضحايا مالكي المنجم الذين لا يقومون بالاستثمار بطريقة آمنة"، كما قال فرانكلين لوبوس في مقابلة أجرتها معه صحيفة El Mercurio اليومية الصادرة في العاصمة سانتياغو.
وقال لوبوس، وهو في الـ 53 من عمره ولاعب قدم محترف سابق: إن غالبية العمال الـ 33 يعتقدون بأن شركة سان أستيبان، صاحبة منجم سان خوزيه، كانت ستتركهم لمصيرهم هناك في قاع الحفرة العميقة بعد انهيار يوم 5 آب."إن غالبية العمال يعتقدون بأن الشركة كانت ستتركنا هناك، أن نموت أرخص بالنسبة لها من القيام بإنقاذنا"، كما قال المنقّب، الذي كان العامل الـ 27 الذي تم إنقاذه في تلك العملية. وقال: إن ضجيج الحفر في الصخر في عملية العثور علينا قد أعاد لنا شيئاً من الأمل، ولو أنه أقرّ بأنه كان هناك بكاء حينما اتّسعت فتحة الثقب الأول فوق المكان الذي كانوا فيه."ولقد بكينا... لأننا رأينا أن فرصةً الخروج من هناك تفلت منا"كما قال لوبوس.
أما بالنسبة للمستقبل، فإنه يبدو مستعداً للعودة إلى التعدين، وهو العمل الذي صار له فيه أربع سنوات من أجل إعالة عائلته."فالمنجم لم يكن يريد أن يأخذنا، إنه يريدنا أحياءً لأننا لسنا الفتيان السيّئين، لقد كنا ضحايا المالكين الذين يضعون في جيوبهم الملايين ولا يعيرون أي اهتمام أبداً لمعاناة الفقراء"، كما قال لوبوس.
وقد تسلّم لوبوس، والمعروف بـ"المورتر السحري"في الثمانينيات لمهارته المشهودة في الضربات الحرة في كرة القدم، عرضاً من اتحاد كرة القدم العالمي (FIFA فيفا) لتقديم أحاديث تحميسية استناداً إلى تجربته في قاع المنجم، حيث جعل زملاءه المحصورين يقومون بتمارين بدنية ليظلّوا في وضعهم الطبيعي. وبالرغم من أنه لم يتخذ بعدُ أي قرار بشأن هذا العرض، فإنه أعرب عن الأسف لأن يأتي هذا العرض في أعقاب تعرضه للدفن في المنجم، وقال: إن ملاحقة وسائل الإعلام الحالية لعمال المنجم هؤلاء لن تستمر طويلاً، وسينتهي كل ذلك في غضون أسبوعين!
وقد جاء في تقارير أخرى أن شائعاتٍ ترددت عن وجود عرق من الارض يحتوى على معادن النحاس والذهب أثناء جس الحفر لتحديد مكان عمال المنجم المحاصرين. ويُعد جوستافو لاجوس، خبير في شؤون التعدين بجامعة تشيلي الكاثوليكية الدينية، من بين المعتقدين بصحة هذه التقارير. وقد نفى عمال الإنقاذ والحكومة التشيلية على حد سواء وجود مثل هذه المعادن مشيرين إلى أن المنجم ينطوي على احتياطيات محققة من الذهب والنحاس لمدة 100 عام ولم يتم العثور على معادن أخرى. وقد صرّح أندري سوغاريت، مسؤول تنفيذي بشركة كوديلكو العملاقة للنحاس المملوكة للدولة وكبير مهندسي عملية الإنقاذ:"إننا لم نعثر على غرام واحد من الذهب خلال عملية الجس التي امتدت لمسافة 9500 متر».
وفي حال صحة الفرضيات بوجود ذهب، فإن الطريق الوحيد لإعادة فتح المنجم يتمثل في ضخ زهاء ثمانية ملايين دولار للوفاء بمعايير السلامة، وربما يكون هذا النوع من التعهد المالي كبيرا بالنسبة لشركة (سان استيبان) المالكة للمنجم المنهار. وتجري شركة (سان استيبان) حاليا اجراءات قانونية بشأن إمكانية بيع أصولها أو تأجيرها أو اعلان إفلاسها بسهولة أم لا،بخلاف التفاوض للإفراج عن موظفيها، ويحتمل أن تقوم شركة أخرى أكثر ثراءً بتأجير أصول شركة (سان استيبان) بما في ذلك منجم سان جوزيه وثلاثة مناجم أخرى إضافة إلى مصنعين للنحاس.
وإذا أخفقت المحاولات لجعل منجم سان جوزيه آمنا وقابلا للحياة ماليا، فربما يستغل القائمون عليه الاهتمام العالمي بشأن إنقاذ عماله ليصبح نصباً تذكارياً لحدثٍ تاريخي أثار انتباه العالم.
وكان الرئيس التشيلي سيباستيان بينيرا لـ فلورينسو أفالوس نفسه قد وعد بعدم السماح بنسيان محنة عمال المنجم، قائلاً:"إن المعسكر يعكس أمل التشيليين في المستقبل، ونعتزم بناء نصب تذكاري ليظل العمل الحقيقي الذي أنجزه عمال المنجم وأقاربهم حيا يرشدنا في المستقبل".