من خفايا انقلاب شباط الدموي 1963حول القطار الامريكي

من خفايا انقلاب شباط الدموي 1963حول القطار الامريكي

د. عقيل الناصري/ باحث ومؤرخ
يقول حسن العلوي
[وحول العامل الدولي في انقلاب 8 شباط، يستشهد المحدثون والكتاب بمقولة وردت على لسان علي السعدي زعيم الحزب والمساهم في حركة 8 شباط ونائب رئيس الوزراء آنذاك: (أننا جئنا إلى السلطة بقطار أمريكي). حدثني هاني الفكيكي، عضو القيادة القطرية وعضو المجلس الوطني لقيادة الثورة التي أطاحت بحكومة عبد الكريم قاسم،

قائلاً وبحضور عدد من الأصدقاء في شهر شباط 1987، أن عضواً في حزب البعث وقد (ذكر أسمه) سأله قبل أيام عن حقيقة ما ينقل عن لسان صديقه السعدي، وهل ممكن توضيح فكرة للرد بها على منتقدي ثورة 14 رمضان؟ فأجاب الفكيكي: نعم سمعته ذلك أكثر من مرة(61)]
*** و يقول الكتور الراحل علي كريم سعيد:
[روى لي شاعر العراق مظفر النواب في برلين: إن علي صالح السعدي بعد عودته من المنفى عَبرَ عن رغبته بــإقامة علاقة طيبة مع مظفر، وكان يلح على خلوة معه يدافع فيها عن نفسه وكان الشاعر يصده بسبب موقفه من قادة نظام 1963 الذي مورست فيه أعمال القتل والتعذيب وتصرفات غامضة ومشبوهة... وعندما أذعن النواب واستمع إليه، طالبه السعدي بأهمية أن يصدق ما يلي: أولا، أنه (أي السعدي) والخط القريب منه لم يكونوا إطلاقاً على صلة بأية جهة أجنبية. وألح على ضرورة إبلاغ ممثلي الأطراف الوطنية شيوعيين وحركيين وأكراد وبعثيين يساريين بذلك (هذا اعتراف ضمني بوجود علاقة للجناح الآخر بالقوى الأجنبية ـ الناصري)، ثانياً، طالب القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي واليسار عموماً بضرورة الوصول بالتعاون والتخطيط لمسك زمام السلطة، لأنه يعلم أن أخطاراً جسيمة تنتظر العراق وأكد استعداده ورغبته الشديدة بمحكمة عادلة وعلنية يقف فيها متهماً ليعترف بحقيقة ما جرى قبل 14 رمضان 1963 وخلالها... وثالثاً، قال أنه وبعد دقائق من ثورة رمضان اكتشف أنه وجماعته يسيرون دون إرادتهم بقطار ماكنته أمريكية... خامساً، قال عن قيادة 17 تموز 1968، كلهم عندهم علاقة مع السفارة البريطانية ـ ما عدى البكر الذي لا أعرف عنه شيئاً. وبعد ذلك جلسنا إلى بقية الحضور فقال بحضور أمل الشرقي وعبد الجبار محسن وآخرون، أنه يخاف كتابة مذكراته، لأنها ستؤدي إلى قتله وربما الإساءة لزوجته...].
*** ويكمل د. علي كريم القول بصدد الموضوعة [... وفي هذا السياق أخبرني يونس الطائي، أن السعدي أخبره في عام 1967 بالقاهرة وكرر في بغداد أنهم جاؤوا دون قصد بقطار ماكنته أمريكية(62)].
*** أشار إسماعيل العارف في مذكراته إلى:
[وتشاء الصدف أن ألتقي علي صالح السعدي سنة 1964 في مصيف بحمدون في لبنان وكان هارباً من العراق مطارداً من سلطات عارف وكان في حالة مزرية، رث الثياب، بائساً فذكرته بما قلت له عن عبد السلام عارف عندما كان يحاورني أثناء توقيفي، فأجابني قائلاً: لم يكن بيدي كل شيء(63)، ما كنا نعرف ذلك، ولكن الذين كانوا وراءه غلبونا لقد كنا في قطار أمريكي(64)]؛
*** وحول ذات الموضوع، يشر محمد حديد في مذكراته إلى أن ( ... مستشار السفارة السوفيتية في بغداد يزورني في محاولة لإقناعي بجدوى تأييد البعث باعتباره أنه مناوئ للاستعمار، وكنت أرد عليه أن حزب البعث ومجيئه إلى السلطة سنة 1963 وللمرة الثانية سنة 1968 كان بتآمر مع المخابرات الأمريكية، حتى أن أحد قادتهم ( وهو علي صالح السعدي) أعترف بأنهم جاؤوا بقطار أمريكي ، وأن انقلاب 1968 كان أيضاً باتفاق مع الأمريكيين، وكان الوسيط في ذلك ناصر الحاني حينما كان سفيراً للعراق في بيروت ... *)
*** نشرت مجلة ((رسالة العراق)) التي يصدرها الحزب الشيوعي العراقي، في عددها المرقم 32، الصادر في آب/أغسطس 1997، مقالاً يشير كاتبه، شريف الربيعي، إلى مجلة الطليعة المصرية [حيث نقلت عن السعدي نفسه تأكيده على موضوع الرسالة التي يحتفظ بها الحزب الشيوعي العراقي، وهي بتوقيع المرحوم علي السعدي وفيها يعلن ندمه واعتذاره عن جرائم 63، ثم تأكيده على القطار الأمريكي(65)]. كما أشارت المقالة إلى آخر مقابلة مطولة أجراها السعدي مع جريدة النهار العربي والدولي قبل وفاته بأسابيع جاء فيها ذكر القطار الأمريكي الملعون الذي سار على سكة الإبادة.
ومن زاوية أخرى نلاحظ أن هاني الفكيكي في مذكراته، يحاول تسليط الأضواء على علاقات ارتباط بالأجهزة الأمنية الخارجية لاثنين من القياديين هما: طالب شبيب وصالح مهدي عماش. إذ يتهم الأول بـارتباطاته بأجهزة الأمن في الجمهورية العربية المتحدة حيث يقول:
[كانت لشبيب روابط وطيدة بأجهزتها منذ أن كان طالباً في لندن وبعد أن قطع علاقته بالشيوعيين](67). ويؤكد على ذات المعنى بالقول: [لاحظت علامات الانزعاج على فريد عبد المجيد الذي لاذ بالصمت، وفتح باباً في الغرفة دخل منه طالب حسين شبيب الذي كان عضواً في القيادة القومية مقيماً في بيروت، ومما كان شائعاً عن طالب الذي درس في لندن أنه نسج علاقات متينة مع الأجهزة المصرية](68).
أما بصدد صالح مهدي عماش فيقول:
[ففي أوائل 1962، وهذا ما علمناه في وقتٍ متأخر وبعد نهاية الحكم، كان قد طلب عماش إلى وليم ليكلاند ، معاون الملحق العسكري الأمريكي في بغداد إبلاغ المقدم محمد المهداوي وزملائه الذي كان في دورة تدريبية. تأخير عودتهم من الولايات المتحدة إلى إشعارٍ آخر بسبب اعتقال ضباط الشرطة وكشف تنظيمهم. وفعلاً تم إبلاغ المهداوي بذلك مع تحيات أبو هدى ـ عماش، بعد استدعائه لغرفة آمر المعسكر](69). وأكد طالب شبيب هذه الواقعة التي أوردها د. علي كريم سعيد بعنوان ذي دلالة عميقة:

(أمريكي ينقل كلمة سر حزبية)(70).
ثم يشير الفكيكي، أنه بعد استيلائهم على السلطة:
[أعلمني طالب شبيب، أن البكر كان قد استدعى جميل صبري (مدير الأمن العام آنذاك ـ الناصري) وكلفه بحضور عماش استقبال وليم ليكلاند، مساعد الملحق العسكري بدلاً من عماش الذي كان يتصل به كل يوم سبت]. ويستمر الفكيكي بالقول إن الرئيس ناصر سبق وأن حذر السعدي من ليكلاند عام 1963: [إذ سبق وخدم في القاهرة وأسماه خبير الانقلابات. ولم يفهم علي صالح السعدي آنذاك معنى التحذير. ولم يعلم بعلاقة ليكلاند ببعض البعثيين عسكريين ومدنيين](71).
وهذا ما أكده شبيب، عندما أشار إلى أن عماش كان له:
[لقاء دوري يقوم به يوم السبت من كل أسبوع مع مسؤول محطة CIA في السفارة الأمريكية ببغداد وكانت لقاءاتهما رسمية... وأرى من الضروري أن نذكر بأن ليكلاند هذا أقام الاتصالات بجمال عبد الناصر ولعب دور عضو الارتباط بين الضباط الأحرار المصريين والدولة الأمريكية، واستمر يواصل مهمته ويتشاور مع قيادة مصر الجديدة وبعد انفراد عبد الناصر برئاسة الجمهورية](72).
يُستنتج من نص الفكيكي أن العلاقة لم تشمل عماش فحسب، بل (بعض) البعثيين مدنيين وعسكريين لم يرغب في الكشف عنهم، لا هاني ولا غيره، وهذا يؤكد ما استنتجناه من قول السعدي أن جناحه لم يكن على صلة بالقوى الأجنبية كما مر بنا. وهذا يمثل أحد أسرار الانقلاب التي لم تكشف النقاط عن أبعادها الكلية بعد. علماً بأن عماش [كان يستغل كل فرصة في كل مرة نسافر فيها إلى خارج البلاد، فيقوم بــإعدام مجموعة جديدة من الشيوعيين] حسب قول شبيب(73). كما لو أن لديه مهمة محددة تتمحور في إبادة قوى اليسار.
لم تكن قوى الانقلاب، وعلى رأسهم العسكريون:
[لتختار أنصاف الحلول، إذ أنهم كانوا يأملون في القضاء على الشيوعيين مرة واحدة وإلى الأبد، أو أنهم كانوا يريدون إقناع أنفسهم بأن الشيوعيين إنما كانوا يدفعون ضرائب استحقت عليهم منذ زمن، الأمر الذي يبرر لهم ـ للبعثيين ـ أفعالهم تماماً](74).
وكيل الغير:
وهكذا تعاونت العديد من المراكز الغربية، وخاصةً الأمريكية والبريطانية، على إسقاط حكم الزعيم قاسم حيث: [اندفعت إلى إستغلال الجفاء وتعميق الهوة بين الجمهورية العربية المتحدة وحكومة الثورة في العراق، مستغلة الشعور القومي المتأجج وخلق مقاومة شعبية ضد الاتجاه نحو، فاتجهت الولايات المتحدة الامريكية إلى إستغلال الجفاء بين البلدين العربيين والاستفادة من شعبية الرئيس جمال عبد الناصر في العالم العربي وفي العراق على وجه الخصوص، لمهاجمة حكومة وقيادة عبد الكريم قاسم ولتقويض نظامه السياسي. ففي28 آبريل 1959 صرح آلن دالاس مدير وكالة المخابرات الأمريكية، أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي بأن الوضع في العراق من أخطر الأمور في العالم اليوم) وأعلن رئيس لجنة الشؤون الخارجية فلبرايت بأنه: بالرغم من أن الشيوعيين في العراق قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على الحكم، إلا أن الموقف لم يصل بعد إلى مرحلة الخطر، فإذا تنبه الغرب إلى استغلال المرحلة التي وصل إليها سوء العلاقة بين موسكو وعبد الناصر، فإن الأخير بــإمكانه أن يلعب دوراً مهماً لإنقاذ العراق.
وزاد من رعب الساسة الغربيين الخطاب الذي ألقاه عبد الكريم قاسم في 14 آذار/مارس 1959 في مؤتمر الصناعيين العراقيين وفيه قال: ((أعلن للعالم بأننا أصدقاء للدول الاشتراكية وسوف أعمل أنا شخصياً بكل نشاط وفق مصلحة الوطن، لأننا وطنيون نعمل لمصلة بلدنا وشعبنا)). عقب ذلك قررت الولايات المتحدة، كما يبدو، محاربة الثورة في العراق وإسقاط حكومة عبد الكريم قاسم بأي ثمن مستغلة الخصومة بين ج. ع. م. والعراق. فاتجهت إلى التقارب مع الرئيس عبد الناصر بعد جفاء، وخففت من خصومتها له، لتستفيد من مكانته في إنقاذ العراق من (الشيوعية)](75). (التوكيدات منا ـ ع.ن).
هذا الاستنتاج الذي يتفق عليه كثير من الباحثين والسياسيين يوضح الصورة التي نسجتها العلاقات الدولية في المنطقة وبتلك الحجج غير الموضوعية، إذ تلاقت المتناقضات لتطويق حكومة تموز/قاسم، وتوافقت المصالح بين امريكا والرئيس عبد الناصرالراغب في تحقيق زعامته الأنوية الفردية، والذي [... اندفع متجاوباً مع بعث العراق، يعطيه كل دعم ومؤازرة ويظهر له الود التام](76)، حسب قول طالب شبيب، لأجل الإطاحة بحكم الزعيم قاسم مع أنه الأقرب في جوهره إلى الناصرية إذا نظرنا إلى أهدافه الاجتماعية/الاقتصادية ونظرته الاستراتيجية للأمة العربية مما لدى حزب البعث العراقي، وحتى من حليفها عبد السلام عارف وهذا ما توصلت إليه القيادة المصرية بعد انقلاب 1963، حيث اتهم الرئيس عبد الناصر حزب البعث بموالات الاستعمار، عندما أوضح بصريح العبارة مخاطباً الوفدين العراقي والسوري، أثناء مباحثات الوحدة الثلاثية عام 1963، بالقول: [إن حزب البعث يتحالف اليوم مع الاستعمار ومع أعوان الاستعمار. اسمعوا جميع محطات الاستعمار، اقرأوا جميع صحف الاستعمار والصحف العميلة وشوفوا بيقولو إيه على حزب البعث: يصفقوا لحزب البعث، وسعداء جداً لحزب البعث.. دي الريحة اللي إحنا شفناها النهارده والتي تدعو إلى الشبهة. راديو لندن يدافع عن حزب البعث، الجرايد الناطقة باللغة العربية وباللغات الأجنبية بتدافع عن حزب البعث. إذن هل يستطيع حزب البعث أن يسأل نفسه بعد هذا هل هو ماشي في الطريق الصحيح؟ لقد أصبح حزب البعث يعتمد على العناصر التي تعاونت مع الاستعمار ليضع البلاد داخل مناطق النفوذ الاستعمارية](77).
لكن لماذا لم يتساءل الرئيس ناصر عن مبررات تعاونه مع حزب البعث العراقي لإسقاط حكم الزعيم قاسم؟ ولماذا أخذ على عاتقه محاربة قوى اليسار وخاصة الشيوعي منها في المشرق العربي؟ هل هذا كان من ضرورات الوحدة العربية؟ أم من مقتضيات الزعامة للأمة العربية؟ ولماذا لم ينتقد مسيرة الانبعاث الحضاري في مصر بالترابط مع مصالح الأمة في الأمد البعيد ضمن تحالف القوى التقدمية؟ أم أن هذا الكلام جاء بعد اختلاف مصالحه ورؤاه مع موقف البعث المتطلع، هو الآخر لزعامة الأمة؟
ويصب في هذا الاتجاه المسار المادي لتاريخ الحزب حيث يمكننا القول أن ثورة 14 تموز ( جاءت بإنجازات جديدة وسرعان ما انتهت بعد خمس سنوات بانقلاب لبعث على الثورة عام 1963، منذ ذلك الحين والولايات المتحدة تدير الثوريين العراقيين الذين ساعدتهم في الوصول إلى السلطة ثم البقاء فيها.
وكانت لواشنطن مصالح في استخدام البعث ضد الشيوعية فأيدت الحقبة البعثية الأولى (آل عارف والبكر) وكانت لها مصالح في استخدام البعث ضد الثورة الإسلامية في إيران ، فأيدت الحقبة البعثية الثانية ( عصر صدام حسين الأول في الثمانينيات )، ثم أخرجته مها ( عصر صدام حسين في التسعينيات). ثم انتهت مصالحها تجاه البعث العراقي وأطروحاته الثورية التي أدت إلى المهام الثلاث .. ضد الشيوعيةوضد الثورة الإيرانية وضد السيادة العربية على النفط. وبانتهاء الملفات الثلاثة... انتهى دور البعث وكيلاً علنياً للقوى القومية العربية والثورة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ووكيلا حقيقاً للولايات المتحدة ومصالحها... *). وهذه العلاقة بين البعث والولايات المتحدة تعود إلى دوافع التأسيس لذات البعث والكامنة في البدء في محاربة (الفكر الشيوعي) في الوطن العربي.. وهذا ما ذكره د, محمد الزعبي عضو القيادة القومية للحزب المذكور ، في أطروحته للدكتوراه في ألمانيا الديمقراطية سابقاً. حيث أشار إلى وثيقة حزبية داخلية عام 1948 يحدد فيها ميشيل عفلق الهدف بالقول: “ الأرأس من تكوين الحزب وهو الوقوف بحزم ضد انتشار أفكار الاشتراكية العلمية تحديداً ومناهضتها في العالم العربي والمشرق منه خاصة... **).
وهكذا استطاع أعداء قاسم أن يخلقوا ـ عبر الإعلام المباشر والعملاء في الداخل ـ هيجاناً في الشارع العراقي أصبحت الأحاديث السياسية كما لو أنها ضرورة حياتية، يتكلم فيها الجميع دون استثناء، في ساحات العمل والمقاهي، في الوحدات العسكرية والجوامع، في الحانات الشعبية والنوادي الأرستقراطية(78)، في المعاهد التعليمية والبيوت. كما كانت شاملة لكل مناحي الحياة وانخرطت بها كل التكوينات الاجتماعية والاثنية.
وأدى ذلك إلى انقسام المجتمع وانشطاره عمودياً بين مؤيد لهذا الاتجاه أو ذاك، وأصبح الاحتراب القرينة الدائمة للحالة العامة، وسرى حتى داخل أصغر وحدة اجتماعية وهي العائلة، لقد عمق ورسخ هذه الأمور كثرة المحاولات الانقلابية. وهذا ما أغرق الزعيم قاسم في لجة هذا الوضع غير المنطقي وغير العادل، وبالتالي شل قدرته على مواصلة البناء أو يكادها. مما سهل لقوى الانقلاب التاسع والثلاثين، التحرك بحرية وعلنية نسبيتين للمضي في تنفيذ مخططهم.
تزامن هذا الوضع الداخلي مع اشتداد الضغوطات التآمرية الخارجية لإسقاط النظام مع وصول مسؤولين من المخابرات الأمريكية للإشراف على الانقلاب، حسب ما ذكره سكرتير الحزب الشيوعي العراقي آنذاك، في سياق تحليله لطبيعة الحركة الاضرابية، عندما قال:
[إن طبيعة الحركة الإضرابية القائمة رجعية لأنها منطلقة من شعارات معادية للشيوعيين والحركة الديمقراطية، ومنطلقها انقسامي استفزازي. وينبغي أن يلاحظ أن توقيتها في الظروف الراهنة حيث المعلومات المتوفرة لدينا تؤكد وجود نشاط تآمري رجعي، وأن مستر ديفز مدير المخابرات المركزية في الشرق الأوسط الذي هو الآن في العراق، من خططه كما فهمنا إثارة اصطدامات ونزاعات ضد الحكومة[(79).
آنذاك بدأت السفارات الغربية، وبخاصة البريطانية والأمريكية، تعد الخطط لجلاء رعاياها، إذ كتبت السفارة البريطانية في بغداد، في تقرير لها يوم 7 شباط/ فبراير 1963، تقول فيه:
[إن استبدال السلطة ربما لن يكون هادئاً وحتى عدة أيام أو عدة ساعات من الاضطرابات سوف تكون خطراً على المواطنين البريطانيين وعلى بناية وموظفي السفارة، وربما يثير تدخلاً من قبل واحد أو أكثر من جيران العراق. إن خطط الإخلاء المعدة موجودة لـ1600 مواطن بريطاني في العراق، والسفارة أعادت النظر مؤخرا، وقوت خططها لحماية الموظفين وتدمير الأوراق وإبقاء الاتصالات الطارئة مع لندن...](80).
لقد اختارت أمريكا حزب البعث ، كمجموعة، ومن خلال ضباطه العسكريين بديلاً من اختيارهم شخصية عسكرية قائدة- لقد جاء هذا الاختيار بعد تجاربهم الفاشلة في انقلابات سورية أواخر الأربعينيات وأوائل الخممسينيات وخاصة ً تجربتهم مع انقلاب حسني الزعيم في آذار 1949 حيث أفادها من الانقلاب ، على اعتبار أن الحزب الذي يقود الانقلاب يمثلون حسب تعبيرهم { الصفوة المختارة} ويمتلك قاعدة اجتماعية لها جذورها في الواقع السياسي وحتى يحيطوا أنفسهم بهالة من الشعبية والقداسة . ولكن من دراسة واقع حزب البعث في عراق الجمهورية الأولى النيرة(14 تموز1958- 9 شباط 1963)، يُلاحظ أن الحزب لم يكن أكثر من مجرد تابع، من حيث المضمون، للعسكريين وما القيادة المدنية سوى زعامة واجهة وهذا ما اكتشفته القوى المدنية بعد اغتصابهم السلطة, وهؤلاء العسكر كانوا صلة الوصل مع القوى الخارجية حسب اعترافات قادة الخط المدني (حازم جواد، علي صالح السعدي، طال شبيب)غير المباشرة * .
كان الأمريكيون يؤكدون دوماً: (... أن الشروط اللازمة لبقاء أي حاكم أو مجموعة حكام مثل حكومة الأقلية... أن يظهر بمظهر يستحيل القول معه أنه صنيعة لنا وأن يتصرف بطريقة لا تظهر أي انسجام مع أذواقنا وميولنا. وباختصار فإن مساندتنا لأي زعيم للوصول إلى سدة الحكم والبقاء هناك حتى يحقق لنا بعض المصالح التي نريدها، لا بد أن يرتطم بالحقيقة القاسية ، وهي أنه لا بد من توجيه بعض الإساءات لنا حتى يتمكن من المحافظة على السلطة وضمن استمرارها. كما أن هيكل النظام السياسي الذي يتبع ذلك الحاكم لابد أن يكون طبيعاً وفطريا وغير مصطنعة وبالتالي يجب أن يتضمن بعض العناصر التي تضمر العداء لمصالحنا... **). وهذا ما كان مع انقلاب 1963، وما لعبته المجموعة العسكرية التي نفذت ما تريده أمريكا من أهداف ومثلوا (الإرادة الخفية) والمشبوه ما يثبته التاريخ السياسي لسلطة الانقلاب.
ويقيم الحزب الشيوعي البريطاني من خلال المقارنة التارخية ماهية الانقلاب بالقول: (إن التباين بين عامي 1958 و1963 دليل لا يحتاج إلى إيضاح. فقد استقبلت ثورة تموز 1958 الوطنية داخل العراق بحماس وغبطة وبمظاهرات اسبشارية واسعة. ولكن الاستعماريين ارتعبوا بشدة. وأنزلت القوات الأمريكية في لبنان والبريطانية الأردن. ولكنهم لم يجرأوا على المخاطرة بعدوان مباشر. ولكن في شباط 1963 كان الوضع معكوسا، إذ أن الاستعماريين هم الذين عبروا عن الغبطة والحماس بينما داخل العراق لم تخرج أي مظاهرة تأييدية. والتجأ النظام الجديد إلى إعلان منع التجول وشن إرهاب شامل ***)

ملحق
من مهندسي القطار الأمريكي:
أولاً: صالح مهدي عماش
ومن الملفت للنظر أن صالح مهدي عماش شارك في عديد من المحاولات الانقلابية منذ عودته إلى العراق بعد ثورة 14 تموز. علماً بأنه سبق وعمل منذ منتصف الخمسينيات في الاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع وساهم في المؤامرة الامريكية/العراقية ضد نظام الجمهوري في سوريا أيام شكري القوتلي عام 1956 من خلال تكليفه بنقل السلاح من ايطاليا إلى المتآمرين السوريين من حزب الشعب أنذاك.. وقد نفذ عماش مهمته بنجاح ( راجع مجلدات المحكمة العسكرية العليا الخاصة - محكمة الشعب). وقد كوفيْ على ذلك بتعيينه نائباً للملحق العسكري العراقي في واشنطن. (واعتقد) أنه نسج علاقات مع المخابرات الأمريكية منذ ذلك الوقت. وتصرفاته ونشاطه التآمري ضد السلطة الوطنية لعراق قاسم، إن هي إلا دليلنا المعنوي. وقد أراد عبد السلام عارف، بعد ثورة 14 تموز مباشرةً، تعيينه في منصب ممثل العراق في الأمم المتحدة، لكن الزعيم قاسم رفض ذلك، مما راكم سوء التفاهم بينهما. ومنذ وصوله للعراق ساهم بقوة وفعالية كبيرتين في وأد الثورة والتحريض ضد قيادتها وساهم في عديد من المحاولات الانقلابية وكان مهندسا للكثير منها.. في هذه الفترة انتمى إلى حزب البعث، كما حددها الاكاديميان بينروز. وكان دائماً يفرج عنه بدون تهمة محددة. هذه الحالة توحي بوجود قوة خفية تعمل على إنقاذه وتعيده إلى تسنم مراكز حساسة في المؤسسة العسكرية. أن التلميحات المتكررة لكل من الفكيكي وشيبيب وحازم جواد وصلاته بمسؤول المخابرات الامريكية، تؤكد استنتاجنا السابق.
كما يعزز رأينا ما ذكره مؤلفا كتاب سيرة سلام عادل عن مصدر الاموال المرسلة إليه بواسطة بنك الرافدين في الاردن، كذلك إعدامه لعبد المجيد جليل/مدير الأمن العام دون الرجوع إلى قيادته الحزبية والسياسية، كما قال شبيب، وتحريضه على إعدام الشيوعيين وبخاصة الضباط منهم (مراجعات ص 193)، ومحاولته تسريب الدبابة السوفيتية T54 وطائرة الميك 21 وصاروخ سام ,إلى مسؤول محطة المخابرات الامريكية في بغداد، .. ويسترسل حازم جواد في اوراقه المنشورة ( في عدة حلقات) في جريدتي الحياة في شباط 2004، والقدس الدولي في شباط 2006،، أن رفيقه عماش متهما بالتجسس لحساب الأمريكان حيث وافق مع البكر على طلب الأمريكان للإطلاع على الدبابة T 54 أو T55 ويدعي حازم انه حمل القضية ( إلى الاجتماع المسائي إلى المجلس الوطني لقيادة الثورة وقلت أن هناك قضية خطيرة أريد أن أبلغكم بها )... وأورد التفاصيل وانتهى إلى القول :( يبدو أننا رجعنا إلى أيام حلف بغداد وأشك أن نوري السعيد سيقبل أن يسلم أسرار أسلحته إلى دولة أخرى. لقد وصلت الأمور ببعض الأخوان ... وهنا صمت البكر، أما عماش فقال : شو فيها يعني هذه مسألة استخباراتية وفي دوائر الاستخبارات ، أناس تضحك على الناس.
وفيما عقدت المفاجأة لسان عبد السلام عارف ، حمل طالب شبيب بعنف على عماش وقال له: كيف يثق بك الأمريكيين بعد الذي فعلته بالسوفييت ؟ وأضاف : افتهمنا أن الدولة الأجنبية والاستخبارات تشتري فرداً أو تتواطأ مع فرد ، لكنها لا تشتري حكومة أو دولة لتزويدها بالمعلومات . وفي الليلة نفسها استدعي السفير الأمريكي الذي دهش من رد فعل الحكومة العراقية وقال : أنا على علم بهذا التعاون وجاءت إشارة السماح به من الرئيس كندي بعد اجتماع لمجلس الأمن القومي).
كذلك أتهم عماش على تشكيله مع رشيد مصلح التكريتي وطاهر يحيى التكريتي، ما يشبه الاجهزة السرية التي كانت تعمل لصالحهم شخصياً، كذلك تقديمه الدعم المادي والمعنوي لمراكز التعذيب وعصابات الاغتيالات، كما يقول هاني الفكيكي في اوكار هزيمته. وتأسيسا على ذلك إن كل هذه هي أدلة مادية تؤكد استنتاجنا بارتباطاته مع المخابرات الامريكية والتعاون معهم . إذ استمرت هذه العلاقة حيث كان يلتقي بليكلاند كل سبت ، إلى أن منعه مجلس قيادة الثورة من ذلك حسب شهادة طالب شبيب... وقد أكد حازم جواد في لقائيه المذكورين أعلاه، إلى الاتهامات الموجهة إلى صالح مهدي عماش ومسؤوليته في إبادة الشيوعيين، ويزعم جواد، دون الرجوع إلى الحزب . كما يقول جواد أن علي صالح السعدي (... جاء يوماً إلى مجلس السيادة يحمل دون مسدساً ويبحث عن صالح عماش لاعتقاله أو قتله وقال عنه: (هذا الجاسوس الجبان) ، كان هذا بعد شهر من الثورة ). راجع للمزيد تصريحات حازم لجريدة الحياة، مصدر سابق.
ومن الجدير بالملاحظة أن عماش ارتبط بحزب البعث بعد رجوعه من الولايات المتحدة بعد ثورة 14 تموز، وقبل ذلك كان لعماش حسب حازم جواد ( علاقة مع الحزب وميالا لتبني أفكاره ... تعزز ارتبط عماش ايضاً بالحزب . بل إن العلاقة أخذت شكلاً تنظيماً جديداً). كما يصف حازم جواد أمين سر الحزب آنذاك، رفيقه عماش بأبشع الصور وبأنه ( متسلل للحزب)، ( ويبوح بما في نفسه من جبن وتخاذل وخسة مستأصلة فيه) وينعته (بابن عماش) ( الخسيس الذي ارتقى إلى الصفوف الأولى من سلم القيادة البعثية بعد ذلك) ،( وأؤكد أنها مجزرة خسيسة ودنيئة دبرها صالح مهدي عماش ونفذها هو بواسطة جهاز وزارة الدفاع) والمقصود بها إعدام 30 شيوعياً كانوا معتقلين في قصر النهاية الذي زاره آنذاك مدحت إبراهيم جمعة. ويستمر حازم جواد في توصيف عماش بالقول “ ( أنه متخاذل ومتردد وغير حاسم ويفتعل قصصاً كثيرة ليس لها أي أساس. هذه الخصال لاحضناها فيه قبل الثورة ولكنها ازدادت بعدها، حتى أن احمد حسن البكر بات في الاجتماعات عندما يبدأ عماش بالتمهيد لاقتراح ، يسأل هل هذه غزالة جديدة؟ معناها شيء مفتعل لا يمكن التقاطه بسهولة، لذلك كان يلقب ب (أبو الغزالات).
والشيء بالشيء يذكر ، أن قاسم الجنابي المرافق السابق للزعيم قاسم, أكد لنا في مقابلة معه بتاريخ 8/4/ 2004 في بغداد من أن لديه ( اعتقاد جازم وقناعة أكيدة، بأن عماش كانت له صلات مع الامريكان وكان يعمل لهم، وأنه قبل ذلك كان يعمل ويتعاون مع الأنكليز . وهكذا صدق حازم جواد عندما وصف عماش بأنه كان كارثياً للحزب ولمجلس قيادة الثورة وللعراق أيضاً). المصدر: كل الأقوال مستلة من أوراق حازم جواد المنشورة في جريدتي الحياة والقدس العربي، مصدران سابقان.
وحسب تحليلي لهذه الشخصية وما أنيط بها من مهام خاصة في تصفية القوى الديمقراطية واليسارية وبالأخص الشيوعيين.. وهي التي دفعت رفاقه في حزب البعث، إلى اتهامه بالتجسس.. وهي نفس العوامل التي دفعت السعدي لقول قولته المشهور من أننا جئنا بالقطار الأمريكي والتي لم ينفيها القيادي طالب شبيب بل قال أنها تمس من حولنا واستثنى القيادة القطرية. إن موقف عماش من الصراع الحزبي في تشرين ثاني 1963 ومن التلويح والانحياز إلى الكتلة العسكرية ( كتلة عبد السلام عارف وغيره من العسكريين البعثيين) المناهضة لكتلة السعدي- الفكيكي المدنية.
ثانياً : وليم ليكلاند
وعن وليم ليكلاند فنقول : أنه كان رسمياً المسؤول السياسي في السفارة الأمريكية في مصر وأحد مسؤولي محطة A .C.I . وقد ( زادت العلاقات قوة بين ليكلاند والضباط الأحرار ( في مصر-ع.ن) عن طريق محمد حسنين هيكل الذي كان صلة الوصل بينهم. وقد أصبح هيكل فيما بعد من أقرب المقربين لعبد الناصر. في حين لم يكن أكثر من محرر في صحيفة سياسية يملكها مصطفى أمين أحد أصدقاء عبد الناصر. وقد هيأ هيكل الجو للعديد من المقابلات بين ليكلاند وقادة الضباط الأحرار بما فيهم عبد الناصر نفسه. واعتاد ليكلاند أن يستقبلهم في شقته المطلة على النيل بترحاب وإكرام زائدين... وكانت العلاقات الحقيقية للحكومة الأمريكية مع الثورة المصرية تتم عبر الصلات الوطيدة التي نِشأت بين عبد الناصر وليكلاند بفضل جهود هيكل نفسه الذي أضحى ذا دور رئيسي فيها بعد نجاحه في إلباس وجهات نظر كل من عبد الناصر والسفارة الأمريكية حلة بهية قبل نقلها إلى الطرف الآخر (. راجع مايلز كوبلاند، لعبة الأمم، ص. 98
وهكذا فإن وليم ليكلاند ( وليس بيل ليكلاند، كما ذكره د. علي كريم سعيد في مراجعاته لطالب شبيب) وهو من مواليد 1923، وهو ( عوضاً عن وظيفته كمتخصص في شؤون الشرق الأوسط ، عمل لفترة طويلة في سفارة بلاده في القاهرة وكان معجبا بعبد الناصر ، أرسل إلى مصر في النصف الأول من عام 1952 من قبل روزفلت بمنصب سكرتير ثاني في سفارة بلاده ولم يتجاوز عمره التاسعة والعشرين ليكون حلقة الاتصال بين الضباط الأحرار والسفارة الأمريكية في الأشهر التي سبقت الانقلاب. وكان ليكلاند وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأمريكية... وأتاح صغر سنه وخلفيته العسكرية مصادقة الكولونيلات الشبان بسهولة وخاصةً عبد الناصر الذي كان بمصادفة مواتية جاراً له. ومن خلال ليكلاند أبلغ عبد الناصر كافري ( سفير الولايات المتحدة في مصر- ع.ن) إن الكولونيلات يريدون صداقة الولايات المتحدة الأمريكية . أُرسل ليكلاند إلى بغداد زمن الزعيم قاسم لإدارة اتصالات سفارته العامة في بغداد. ويقول الفكيكي إن عبد الناصر حذر علي صالح السعدي في نهاية شباط 1963 من ليكلاند قائلاً إنه سبق وأن خدم في القاهرة وهو خبير انقلابات) د. علي كريم سعيد، مراجعات حوار الدم، ص. 277، مصدر سابق. ( ولم يفهم علي آنذاك معنى التحذير ولم يكن يعلم بعلاقة ليكلاند ببعض البعثيين العسكريين ومدنيين ) حسب قول الفكيكي في اوكار هزيمته، ص. 287، مصدر سابق.
في الوقت نفسه يشير محمد حديد في مذكراته، إلى وليم ليكلاند بالقول( وفي وسط تلك الأنباء عن اضراب سائقي السيارات عام 1961-ع.ن فاجأني المستر وليم ليكلاند ، السكرتير الأول في السفارة الأمريكية بزيارة إلى مقر الحزب ... واستفسر عن الوضع في بغداد بعد أن وصلته أنباء عن حدوث مصادمات بسبب الإضراب المذكور، فاستغربت لهذه الزيارة أولاً، والسرعة التي وصلت بها الأخبار عما حدث من إضراب السائقين ثانياً. فأخبرته بأن ليس هناك شيء مهم ، وأن الأوضاع هادئة، فاستشعرت من هذه الزيارة، ومن حديثة أن لأمريكا دوراً مهماً في إثارة الوضع ضد حكومة الثورة) مذكراتي، ص. 402، مصدر سابق.