الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية

الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية

الكتاب: الثورة السورية الوطنية وتنامي القومية العربية
تأليف: مايكل برفنس
ترجمة: وسام دودار.
إصدار: شركة قدمس للنشر والتوزيع (ش م م). بيروت، لبنان.
الطبعة الأولى: 2013. 340 صفحة تحوي مجموعة من المصورات.
الكتاب يستعرض تفاصيل ما يعرف تقليديًا هنا باسم (الثورة السورية الكبرى) وهو عنوان النسخة الإنغليزية، لكن المؤلف الأميركي البروفسور مايكل بروفنس، الذي راجع أكثر من خمسة الاف

وثيقة فرنسية رفعت السرية عنها أخيرًا، أعاد النظر في التسمية وأصر على إطلاق صفة الوطنية/القومية عليها. سبب ذلك، أنه رغم أنها انطلقت محليًا وذات أهداف مطلبية محض، تحولت بعد فترة قصيرة من انطلاقتها، إلى ثورة ذات طابع وطني مطلبها تحرير بلاد الشام، الممتدة، من منظور قادتها وفي مقدمتهم سلطان الأطرش، من جبال طورس شمالاً إلى البحر الأحمر جنوبًا، أي كل الأراضي التي تضم أراضي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.
المؤلف لم يكتف بالنظر في الوثائق الفرنسية ذات العلاقة، بل مدد بحثه ليغطي الوثائق البريطانية المفرج عنها، التي فضح بعضها أكاذيب سلطة الاحتلال الفرنسي في سورية ومنها أن المقاومة الوطنية هي مقاومة الإقطاع ضد (المهمة الحضارية) التي تقوم بها الأخيرة.
إضافة إلى ذلك نظر المؤلف في الوثائق السورية والمذكرات الخاصة، المنشورة وغير المنشورة، وأثرى بحثه بلقاءات مع الشخصيات الوطنية ذات العلاقة أو أقارب من لم يعد منهم بيننا.
تكمن أهمية إضافية للكتاب الذي يصحح مفاهيم عملت قوى محددة على تزويرها، في تأكيد أن انطلاقها تركز بداية في جبل العرب المتحالفين لاحقًا مع إخوانهم من مناضلي حوران والغوطة أو ما يعرف حاليًا باسم ريف دمشق ومع أهل الميدان الذين هم أصلاً من حوران، إضافة إلى تحرك ثوري محدود في منطقة دير الزور وآخر فردي في حماه قاده فوزي القاوقجي الذي أجبره (نبلاء) المدينة على مغادرتها مع مقاتليه ناقمًا وذهب من بعدها إلي دمشق ومن ثم حارب في العراق والاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين.
كما يوضح المؤلف محاولات قوات الاحتلال الفرنسي، من دون أي نجاح يذكر، إجبار مسيحيي حوران وريف دمشق أو منطقة سلسلة جبال القلمون على المشاركة في قمع الثورة، ما دفع الثوار لإرسال قوات لحماية القرى المسيحية في معلولا وصيدنايا من فظائع قوات الاحتلال الفرنسي، مكذبًا ادعاءات الاستعمار الفرنسي بأنه يحمي مسيحيي سوريا.
ملخص الكتاب يكمن في تأكيد المؤلِّف الموثق أن الثورة كانت وطنية/قومية بامتياز، كان الفلاحون والفقراء وقودها، وقادتها من الطبقة الأقل حظًا التي تخرجت في المدارس العسكرية التي أسستها السلطات العثمانية، وكانت مجانية. أما برجوازية المدن وأثرياؤها الذين تخرجوا في مدارس (النخبة) مثل مكتب عنبر، فقد ساهموا، على نحو محدود للغاية في الثورة التي شكل اندلاعها خطرًا على مصالحهم، ما دفع معظمهم لاتخاذ موقفًا إشكاليًا منها، ونقول هذا من باب التهذيب ليس غير. أما قادة الثورة والمشاركين فيها من الفلاحين فقد دفعوا ثمنًا غاليًا لانتفاضتهم الوطنية/القومية، تمثلت في تدمير قوات الاحتلال الفرنسي قراهم ومنازلهم وحرق محاصيلهم، وعلى رأس ذلك كله استشهاد أعداد كبيرة منهم سواء في القتال أو نتيجة وحشية غارات المحتل وهمجيته. ومن لم يقض كانت نهايته إما السجن أو النزوح والنفي إلى خارج البلاد.
(نبلاء) المدن تعايش معظمهم مع الاحتلال الفرنسي ونفذوا سياساته بخنوع معهود ما أدى إلى تعيينهم (قادة) المجتمع، ما سهل عليهم بالتالي سرقة الثورة وتزوير التاريخ.
رغم ذلك كله، بقيت سياسة الثورة السورية وشعاراتها ومبادئها التي أطلقها وقادها جبل العرب وحوران وريف دمشق مثالاً احتذت به كل الثورات العربية اللاحقة حيث استعارت تكتيكاتها الحربية ومبادئها الوطنية/ القومية.
كتاب مهم، موثق على نحو كامل، يصحح تاريخ مرحلة أساس من مراحل النضال العربي الوطني/القومي، ويكشف، بالأسماء، من دون مجاملة، دور القادة الحقيقيين للثورة وإنجازاتها بعيدة المدى، رغم هزيمتها، أيضًا بسبب تواطؤ بعض برجوازية البلاد عليها وطعنها.