الرؤى الاخراجية وتحولاتها الأيديولوجية في المسرح الروسي

الرؤى الاخراجية وتحولاتها الأيديولوجية في المسرح الروسي

سعد عزيز عبد الصاحب
1 - قسطنطين ستانسلافسكي (1868-1938)
شاهد (ستانسلافسكي) في العيد العاشر لثورة اكتوبر 1917، مسرحية (القطار المسلح 14-16) لـ (فسفولد ايفانوف) كانت المسرحية ذات واقعية مشرقة، وواضحة، وادراكها ينظر للتاريخ الجمعي واسعاً ومتقداً، وقد سجل هذا العرض تحولاً في تاريخ فرقة مسرح موسكو الفني، ففيه بدأت سوفيتية هذا المسرح وقبول (ستانسلافسكي) للحكومة الحالية وشكلها الثقافي.

لذلك استمرت مساهمات (مسرح موسكو الفني) في المسرح الروسي بعد ثورة اكتوبر متمثلة بأشتغالات ستانسلافسكي الاخراجية وتطوير منهج عمل الممثل من خلال المعايشة وولدت تغيرات فنية مستمرة في مسيرته بعد الثورة “فمن الواقعية المعمارية الى تلك الغنائية لتشيخوف الى الخبرات الرمزية والطليعية، الى الاوبرا الغنائية والميلودراما”، اذ أخذ يعيد انتاج ماقدمه خلال اعوام ماقبل الثورة ولكن بصيغ اسلوبية وشكلية جديدة، وناضل ضد “غياب الشكل الفني” وجمود وسلبية الممثل و “مغالاته في المعاناة” التي تبعده عن الفعل الحيوي، وكان نتيجة هذا العمل المتوتر تطوير “المنهج” والتركيز العميق على الفعل “اللفظي” والفعل “الجسماني” وقدم (ستانسلافسكي) نظرياً تجاربه في تحليل الممثل لدوره من خلال منهج (التحليل الفعال) بأن يربط الجوانب النفسية للابداع بالتحسس الجسماني للحياة بدن الدور وعمل على التخلي عن تقطيع المسرحية الى اجزاء، ورفض البحث وتحديد المهام في الاجزاء، واقترح تحديد الاحداث التي يمكن ان توحد مجموعة كبيرة من الاجزاء بعكس ماكان يفعل سابقاً، ولتطوير (الفعل العضلي) لدى الممثل في منظومته الاخراجية، استعان بأشكال جديدة. ففي مسرحية (الجرس الغريق) لـ (هاوبتمان) كسر (ستانسلافسكي) سطح خشبة المسرح ليتحدى بذلك الممثلين وأجبر ممثليه على الزحف والجلوس على الصخرة، ويقفزوا فوق المنحدرات او يتسلقوا الاشجار لينزلوا وليقعوا في الفخ ثم يتسلقوا مرة أخرى، وعمل على تغيير طبيعة (الميزانسينات) اخراجياً بسبب نوعية الاشكال الفنية الجديدة التي انفتح عليها في توجهها نحو الحركات البلاستيكية ففي عرض “زواج فيغارو” لـ (بومارشيه)، و “القلب الحار” لـ (استروفسكي) يعمل على انتاج تضاد صارخ في طبيعة الميزانسينات، وسرعتها الايقاعية، واستعمل طريقة وتقنية جديدة في الاضاءة تختلف وتتغاير عن عروضه السابقة، فلم تعد وظيفة الاضاءة لديه مادة لكشف وجوه الممثلين والمنظر المسرحي فقط، وانما لانتاج اشكال بانورامية من خلال (الظلال)، ففي مسرحية (دراما الحياة) The Drama of Life لـ (كنتوت هامسون) يحقق (ستانسلافسكي) تأثيراً خاصاً من خلال (الظل) كانت الخيام المستعملة في السيرك مصنوعة من قماش فيه دهان، واستخدم اضاءة خلفية ينعكس ظل صورة الحشد عليها، وضعت الخيام فوق المنصات واحدة فوق أخرى، كي تبدو خشبة المسرح كلها مملؤة بظلال الناس وهي تدور بسرعة في تغيير مستمر لاشكالهم وليتساوق هذا التوظيف الجمالي مع مسرح مابعد اكتوبر في انبعاث الحركة الكلية للجماهير، خارج الانساق الفردية او النمطية التي عاشتها عروضه سابقاً، وتطرق (ستانسلافسكي) في عمله على مفهومي (الزي والالوان) حيث قدم مسرحية “حياة انسان” لـ (اندرييف) كانت خشبة المسرح مغطاة تماماً بالمخمل الاسود، وامامه تصميم يتألف من حبل يوحي بأبعاد الابواب والشبابيك، وكان لون الاثاث والملابس كلها بالاسود يبرز ابعادها حبل يختلف لونه بأختلاف المشهد، وعن هذا العمل قيل ان المسرح قد اكتشف مسارات جديدة في الفن. يريد (ستانسلافسكي) من خلال الرؤية الاخراجية لـ (حياة انسان) ان يطبع شكل الحياة الروسية لما بعد اكتوبر بطابع من المتغيرات التي لن تكون خارج انساق (الميلودراما) والحزن المستمرين على الرغم من اختلاف المشاهد وتنوعها ومثول المتغير السياسي، فتح (ستانسلافسكي) مسرحه على مصراعيه “لسواد الشعب بصفة خاصة” وعمل على تقديم ارشادات وقيم اخلاقية تسبق العرض المسرحي لهذا الجمهور الجديد.

2 - فسفولد مايرهولد (1874- 1940)
يستمد (مايرهولد) قوته من الحاضنة العلمية والاقتصادية التي اسست نظرياً لمتغيراته الشكلية، ونشر افكاره عن التمثيل والاخراج غير الواقعي، واستعمل شعارات مثل: الفن لايمكن ان يكون غير سياسي، الفن هو فن طبقة، والمسرح هو منبر للتحريض، وبطريقة (براغماتية) رأى في تقويض التراث الرأسمالي فرصة لتقويض التقاليد المسرحية، فتظافرت المصلحة السياسية في التغيير مع المصلحة الفنية للمخرج الشكلاني، ولينفتح على ثورة اكتوبر 1917، راح يعمل على انتاج متغيرات في نظريته الفنية، ساهمت في اجراء تطورات متعددة على منهجه ومفاهيم (الاسلبة) و (الشرطية) التي كانت المنطلق الاساسي له نظرياً وعملياً للفترة من (1904-1917) والتي كانت نافعة للروح الرمزية بالكامل من خلال نصوص (ماترلنك) و (مشبثفلسكي) و (أ. بلوك) و (ل. اندرييف)، وبدأت قبل الثورة ايضاً تأثيرات المسرح الشرقي عليه خصوصاً مسرح (الكابوكي الياباني) وتقنية (الهانامتشي) التقديمية، واليات عمل الممثل الصيني والكوميدي ديلارتيه، وفنون السيرك، ووجد في مصطلح (البايو – ميكانيك) السيطرة الكاملة على الجسد، غايته الفنية في تطوير عمل الممثل العضلي، واستند في مقولاته لاثبات ذلك الى (النظرية التايلرية) حيث أراد ان يجعل من الممثل مقتصداً في حركته الجسدية، بجعله آلة ميكانيكية مطالباً اياه بأنتاج الدلالات وفق الفعل المحفز بأدنى جهد وأقل وقت. بحث يكون أداء جسد الممثل اقرب الى أداء جسد العامل في المصنع الذي يشد الناظر اليه بحركاته الجسدية والايقاعية المنتجة في وضع جسدي صحيح وفق القوانين الفيزيائية لحركة جسد الانسان لاسيما التمركز الصحيح للجسد مع اختلاف حركاته، واقام (مايرهولد) تمارينه الجسدية الصعبة والمرهقة لممثليه على ان يتجاهلوا الاحاسيس الذاتية وان نواة التعبير هي فعل ورد فعل الاعصاب والعضلات، وتحولوا عن طريق تدريبات الملاكمة والالعاب البهلوانية والاهتزازات الجسدية والجري والقفز والرقص والتسلق الى رجال ونساء النظام الشيوعي الذين يتسمون باليقظة والرشاقة والفعالية، مرتدين البدلة الزرقاء، مقتصدين في الحركة قليلي الحمل من لوازم ومعدات مسرحية واصباغ، لأن ممثل المستقبل سيعمل دون مكياج مرتدياً ملابس انتاجية خاصة تتلائم مع الحركات والمهمات التي يقوم بأدائها على خشبة المسرح، أراد (مايرهولد) ان يدحض نظرية (ستانسلافسكي) النفسية (الايهامية) و (الاندماجية) من خلال قراءته الجديدة المتطابقة مع المتغيرات الفنية للنظرية الاقتصادية في الأداء المرتبطة بالنظرية الفسيولوجية لذلك فالاوضاع الجسدية الساكنة، وفترات الصمت المحسوبة بدقة، والمنفذة ببطء شديد، وكل ما عرض خلال الفترة الرمزية لعمله اخذ بتسريعها من عام 1920، اما الحركات ذات الطبيعة الحالمة فقد رفضها مباشرة لمصلحة ديناميكية المستقبليين والبنائيين.