كتاب (تمثيلات الآخر- صورة السود في المتخيل العربي الوسيط)

كتاب (تمثيلات الآخر- صورة السود في المتخيل العربي الوسيط)

وجود لطفي
 ربما يكون اغتيال الناشط المدني للدفاع عن حقوق السود في العراق (جلال ذياب) دافعا للكتابة عن الثقافة العراقية والعربية، وعلاقتها بالآخر الاسود من خلال استعراض احد الكتب المهمة في هذا الشأن، فقد كانت خطورة (جلال ذياب) تتجسد في انها اغتيال لواحدة من محاولات موءودة،

 ولكونها تشكّل مناسبة سانحة لكشف النسق الفحولي البدوي الثقافي العربي المستحكم بالثقافة العربية والعراقية، والعيوب النسقية المضمرة التي تحكم العلاقة بالآخر، الآخر الاسود تحديدا، وكما يبدو لنا فان تلك العيوب تشكّل سلسلة طويلة تفضي فيها حلقة الى اخرى، وتخفي فيها حلقة اخرى، وان مثل هذه الحوادث في اغتيال الاصوات (الخطرة) التي تعرّي هذه العيوب، وهي تبدو عارضة، وبسيطة، ولكننا نرى في بساطتها، وهامشيتها، ما يعطيها القدرة على كشف جوهر العيوب المخفية باعتناء شديد، فحادثة اغتيال هذا الناشط الاسود، الذي كان دائم الفضح لتشوهات الثقافة العربية في علاقتها بالآخر الاسود، نعتبرها نقلا لميدان صراع النسق، من ميدانه الثقافي والياته (المسالمة) في التعبير عن نفسه، وتكريس نفسه كمركز عبر النصوص والمدونات، الى توظيف ميدان الصراع الاجتماعي والسياسي بمستواه المسلح، وعبر خطاب تشمّ منه رائحة طائفية مقيتة، رائحة تشبعت بلون وطعم دماء بريئة، وتلبست خطابات متخلفة اشد درجات التخلف والتحريفات والتخريجات التي تبرر (قداسة) مثل هذه الافعال الشنيعة..
لقد ارتأينا  هنا، المساهمة في مسعى كشف عيوب نظرة الثقافة العربية الى الاسود من خلال استعراض واحد من اهم الكتب، كما يصفه عبد الله الغذامي، التي تبحث في المتخيل العربي، وفي النصوص العربية، بهدف استبيان صورة الاسود عبر الحفر في التراث العربي، وهو كتاب (تمثيلات الآخر- صورة السود في المتخيل العربي الوسيط) للدكتور نادر كاظم..
لقد كان الاسود جزءا من مجال (الآخرية) فكان واحدا من اولئك (الآخرين) الذين عرفتهم الثقافة العربية، وكانت صورتهم النمطية لا تتعدى صفات: الحيوانية، والبهيمية، والشهوة المفرطة، والتوحش، والهمجية، وفساد الخلق والخلقة، واستنهاض كافة (المعارف) المتوفرة للبرهنة على استحكام هذه الصفات في السود، فكان الطب يبرهن على ذلك عبر نظرية الاخلاط والامزجة، وتأثير الهواء بالبدن.. وكانت الجغرافية تشتغل هنا عبر نظرية الاقاليم السبعة البطليموسية، كما ساهم التنجيم بذلك عبر (تأثير) الافلاك، والابراج في البشر والاقاليم، وساهم التاريخ عبر: الصراع بين الاحباش والغرب، وقصة نوح واولاده الثلاثة: سام وحام ويافث، وغير ذلك من المعارف المتداولة التي ترسبت في المخيال العربي، فكانت تتحكم بالوعي الفاحص للأفراد عبر مرجعيات وانساق لا شعورية، تشكل منحة مهمة للثقافة العربية من اجل ترتيق ما يسميه بول ريكور (الهوية السردية) للجماعة، فقد كان التوسع في تذويب الآخر في الاسلام سلاحا للثقافة العربية في تطوير قدرتها الالتهامية:"فمن ولد في الاسلام فهو عربي"،"ومن تكلم العربية فهو عربي"، وهي تدلل على نزعة تمركز شديدة وعرقية تشتغل بآليتي الجذب، والتذويب، معتمدة في ذلك على ما حققه الاسلام للعربية من امتيازات على الامم التي دخلت الاسلام والتي لم تدخله، بينما كانت آلية الطرد تهدف الى تحصين الهوية مقابل الغزو الثقافي من قبل الآخر، وهاتان اليتان متناقضتان في التعامل مع السود؛ فكان (الاسود) يدمج في الثقافة العربية بفضل التسامح الاسلامي، ولكنه يبقى يحمل سواده علامة فارقة تميزه عن الابيض، فكانت هذه الإشكالية موضوعا لهذا الكتاب الذي قدّم له الدكتور عبد الله الغذامي مقدمة تركزت: على فهم (النقد) بانه صوت المغايرة وخاصة في (النقد الثقافي) الذي كان"مشروعا في كشف الانساق، وفضح العيوب الثقافية، وتسمية الخلل باسمه، او منحه اسما لم يكن له، فلم يعد النقد بحثا في الجميل البلاغي وانما هو بحث فيما تحت القناع البلاغي"، وكشف (الاورام) المستترة للثقافة؛ فيصف الغذامي كتاب د. نادر كاظم (البحرين) بانه"قراءة في النقد بمعناه الحاد والمزعج"في ثقافة مطمئنة لثوابتها كالثقافة العربية التي تطغى عليها النسقية التي تلتهم القيم الاسلامية المتسامحة، فخطورة النسق الثقافي المضمر يكمن في كونه يمارس تأثيره دون رقيب، وبشكل خفي يحاول ان لا يخدش اطمئنان الثقافة على ثوابتها، ويعتبر الغذامي ان (الجملة الثقافية) الكاشفة لهذا الكتاب هي قضية (الجبلة) او لون البشرة وهي (علامة ثقافية) مبكرة صارت تتكرر بصيغ متنوعة في نصوص الثقافة العربية، وفي قصص مكذوبة او موضوعة، من اجل ان يعيد النسق انتاج نفسه جيلا بعد اخر.. ينطوي كتاب (تمثيلات الآخر- صورة الاسود في المتخيل العربي الوسيط) على سياحة ثقافية عميقة وعريضة في التراث الاسود في الثقافة العربية، وفي نصوصه التي تكشف الذات الداخلية لنا والتي ورثناها وتشربنا معانيها، والتي تجنح الى التغطية عليها، ويخلص الغذامي الى ان هذا الكتاب، كمساهمة في (النقد الثقافي) فانه يسهم في: الحفر في نصوص التراث، وكشف المستور وابراز العيوب، ليس عبر (تحليل الخطاب) وحظوظه الجمالية والادبية، بل عبر تحليل الخطاب وانساقه وتحيزاته الثقافية، ودوره في تشكيل الهوية الثقافية للمجتمع، فالمؤلف يخضع كل النصوص، مهما انتمت الى (الهامشية)، طالما كانت تخدم في كشف الانساق المضمرة والمتخيلات، وتكشف علاقات القوة والهيمنة والهوية.
تقوم اطروحة الكتاب على ثلاثة مفاهيم اساسية هي: (التمثيل)، و(المتخيل)، و(مسالة الآخر)، وهي مفاهيم شديدة الترابط؛ فيشرح المؤلف حدود تلك المفاهيم؛ فيقول بان (التمثيل) هو ضرب من العمليات التي تدور حول طريقتين في النظر الى انفسنا والى الآخرين، واخطر اساليب التمثيل هو الكتابة عن الآخر بالنيابة عنه والكتابة باسمه، اما (المتخيل) فهو"المتشكل التاريخي في اللاوعي الثقافي للامة، وهو قابل للاستثارة والتحريك كلما دعت الحاجة الى ذلك"، وهو يعني (الاوهام الكبرى) التي تجعل المجتمع يبدو متماسكا، وهو عند ريكور رديف الايديولوجيا، وهو ايضا (الواقع الوهمي) كما يقول التوسير، وهي احكام مسبقة شكلتها الجماعات عن نفسها..
اما القضية الثالثة فهي (الآخر)، وهو الموضوع الذي تمارس عليه علاقات القوة واليات الهيمنة، وهو الكائن المختلف عن الذات التي تشكل النقطة المركزية لقياس الآخر، والمهم هنا ليست صورة الآخر في الواقع وانما ما تشكل في الذات من صورة عن الآخر، ويسميه محمد عابد الجابري (المخيال الاجتماعي) وهو راس المال الثقافي المخزون والمليء:  بالشخصيات، والاحداث، والتصورات، والرموز، والدلالات، والمعايير، والقيم التي تعطي للأيديولوجيا السياسية (بنيتها اللاشعورية) في فترة تاريخية محددة.
سعى المؤلف في كتابه هذا الى: الاقتراب من مسالة الآخر، واسئلة الهوية والاختلاف، وذلك من خلال الانكباب على استخلاص جملة (التمثيلات) التي شكلها المتخيل العربي عن السود وتحليلها واستنطاق دلالاتها الثقافية، عبر بابين واربعة فصول تتصدى جميعها الى قراءة التمثيل الثقافي التخييلي (الادبي) وغير التخييلي الذي مارسته الثقافة العربية على الاسود بوصفه اخر خارجيا يقبع هناك في مجاهل افريقيا النائية، وبوصفه كذلك داخليا ميّزته هذه الثقافة بسواد لونه، مع انه ولد وترعرع في محيط هذه الثقافة، وارتبط باهلها برباط الدين واللغة والمظاهر الثقافية الأخرى كاللباس وغيرها..
لقد تم التركيز في الكتاب على مرجعيتين يعتقد المؤلف انهما لعبتا دورا مهما في توجيه تصورات: المؤرخين، والجغرافيين، والرحالة، والفقهاء، وعلماء الكلام، والفلاسفة، والبحارة، والتجار، والادباء، وعلماء اللغة، وغيرهم من الفاعلين في الثقافة العربية في القرون الوسطى ممن اسهموا في صياغة المتخيل الجمعي الخاص بالآخر الاسود:
المرجعية الاولى، هي مرجعية التاريخ حيث اخترقت عصور من التناحر بين العرب والسود: كاحتلال اليمن، والسعي لهدم الكعبة، اخترقت (سردية الوفاق) بين العرب والسودان والتي نشأت بعد الاسلام فتحول الاسود بفعل الفتوحات الاسلامية من ندّ الى مسترقّ، يوضع في اخر السلّم الاجتماعي والطبقي، مقرونا: بالضلال، والفسوق، والحيوانية، والتوحّش.
والمرجعية الثانية، تشمل مركب: الدين واللغة والرمز، وهو مركب يشكل نظاما ثقافيا ورمزيا يحكم وعي الجماعة ولا وعيها الثقافي، فالدين نسق ثقافي تم تغييبه  فيما يتعلق بالآخر الاسود الذي ارتبط سواد وجهه: بالحزن والغم والكدر، وهو ارث قديم تسرب الى تعاليم الاسلام ولم يجر نقده وكشف تحيزاته، وتعرض هذا القسم من الكتاب الى الدلالات الرمزية للسواد كما تظهر في: الاحلام واللباس والحيوان..
درس الفصل الاول (الاسود في مرجعيات المتخيل العربي) يدرس اهم المحركات الخفية التي تحرك المتخيل السردي تجاه الآخر الاسود.  
وجاء الفصل الثاني تحت عنوان (مستويات المغايرة وقوة التمثيل) ليعالج المتخيل الثقافي غير التخييلي وما اختزنه عن السواد من صور نمطية انتقاصية وردت في مدونات: الرحالة، والجغرافيا، والفلك، والتنجيم، والتاريخ، وعلم الكلام، ومتون الحديث، وعلم البحار، والفلسفة، والطبيعيات، والطب؛ فانتهت الى تشكيل هوية ثقافية اريد لها ان تكون نقية ومحصّنة ضد اختراق الهويات الاخرى، وقد حاول المؤلف هنا اعادة تركيب ما اختزنه المتخيل العربي عن الاسود من صور نمطية انتقاصية..
وتناول الفصل الثالث (الاسود والتمثيل السردي) المرويات الكبرى في الثقافة العربية خلال القرون الوسطى: (سيرة بني هلال)، (عنترة بن شداد)، (سيف بن ذي يزن)، (الف ليلة وليلة)، وهي مرويات شفاهية مجهولة المؤلف؛ فكانت مرتعا خصبا لحضور المتخيل الثقافي الجماعي وفي معظمها وخاصة (الف ليلة وليلة) كان النص السردي قاسيا تجاه الاسود فجمع في ذلك الاسود والمرأة، في محور: القهر، والخضوع، وفي غريزة الجنس البهيمية والشهوانية المفرطة.
وتناول الفصل الرابع المعنون (الاسود والتمثيل الشعري) جملة التمثيلات التي انتجها الشعر العربي عن الاسود حيث يظهر حجم التمثيلات السلبية الفادحة في خطورتها التي مارسها الشعر العربي على الاسود عبر تواطؤ دفين بين الجمالية والهيمنة، والشعر والرغبة في اخضاع الآخر وامتلاكه، وعبر قراءة الخطاب العربي ضد الاسود الذي مثله الشاعران: المتنبي، وابن الرومي، وخطاب الاسود ضد الخطاب الثقافي العربي الذي مثّل فيه: عنترة بن شداد، ونصيب بن رباح، وابو دلامة، صوت الساعين الى الاندماج بالثقافة العربية، ومثل فيه صوت: سحيم عبد بني الحسحاس، والحيقطان، وسنيح بن رباح، وعكيم الحبشي، التمرد الاسود..
ويخلص المؤلف في كتابه الى ان المتخيل ليس مجموعة اوهام، ولا خيال عرضي زائد وخامل بل هو نسق من: التصورات، والتمثيلات، والافتراضات المشتركة جماعيا، تتمتع بحضور قوي وفاعل في الممارسات التي تؤثر في الافراد وتحرك المجتمعات عبر (مركزية ثقافية) وايمان بحقيقة مطلقة لابد وان تؤدي بمن"يؤمن بها ان يكون قاسيا تجاه الآخرين"كما يقول تودوروف، وهو ما حدث في الموقف من السود في الثقافة العربية..