التنمية والأهداف الستراتيجية

التنمية والأهداف الستراتيجية

ميعاد الطائي
تتأثر الخطط التنموية والنشاطات الاقتصادية في أي بلد بجملة من المؤثرات والمعطيات التي يتوقف عليها نجاح تلك الخطط وتحقيق أهدافها في تنمية وتحسين أوضاع المجتمع المعيشية كضرورة وهدف مهم تسعى الحكومات لتحقيقه

إيمانا منها بان التنمية الاقتصادية قد أصبحت مجالا رئيسا من مجالات البحث الاجتماعي بعد ان تحولت إلى أداة ووسيلة للتغيير الشامل في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية باعتبار إن الإنسان في ذات الوقت يعد الأداة والغاية في عملية التنمية التي تعد الضامن الأكبر لتحقيق النمو للمجتمع وتحسين وضع الإنسان الاقتصادي ومحاولة رفع مستواه المعيشي.
ومن أهم العوامل المؤثرة على التنمية الاقتصادية هو الوضع الأمني نظرا لارتباطه الوثيق بنجاح الخطط التنموية باعتباره المحرك والداعم الحقيقي لها ومن أهم شروط استقرارها وديمومتها.
ولقد كان للنشاطات الإرهابية في العراق الدور الأكبر في تعطيل عجلة الاقتصاد ولو أردنا ان نبحث عن تعريف للإرهاب وارتباطه بالعامل الاقتصادي فسنجد ان الاتحاد الأوروبي قد عرف الإرهاب على انه"العمل الذي يؤدي لترويع المواطنين بشكل خطير، او يسعى الى زعزعة استقرار أو تقويض المؤسسات السياسية او الدستورية او(الاقتصادية) او الاجتماعية لإحدى الدول، او المنظمات، مثل الهجمات ضد حياة الأفراد او الهجمات ضد السلامة الجسدية للأفراد او اختطاف واحتجاز الرهائن، او إحداث أضرار كبيرة بالمؤسسات الحكومية او اختطاف الطائرات والسفن ووسائل النقل الأخرى، او تصنيع او حيازة المواد آو الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، او إدارة جماعة إرهابية او المشاركة في أنشطة جماعة إرهابية".
ومن خلال هذا التعريف نجد انه من الطبيعي أن يرتبط الأمن بالتنمية لأن أي اختلال في الوضع الأمني العام لأي بلد يؤدي بالتالي إلى حدوث تجاوزات واعتداءات على الأموال الخاصة والعامة ويحفز الشبكات الإرهابية والإجرامية على تنفيذ وتطوير نشاطاتها الأمر الذي يؤدي إلى انتشار الجريمة والسرقات التي قد تكون بسيطة في البداية ثم تتطور وتنمو حتى تصبح جرائم منظمة تتلقى الدعم من منظمات خطيرة وأطراف خارجية لها نفوذ كبير يصعب معه معالجة الأوضاع، وبالتالي سيضر كل هذا بالتنمية في هكذا مجتمع يعيش أوضاعا أمنية سيئة ستودي بالنتيجة إلى هجرة رؤوس الأموال ومغادرتها تلك المنطقة ذات الاختلال الأمني كما حدث في العراق لتبحث عن أماكن أكثر أمانا واستقرارا خارج هذا البلد.
وتشير إحدى الدراسات إلى إن رؤوس الأموال العراقية التي خرجت إبان الأزمة الأمنية في 2006 ويتم تشغيلها في الأردن وحدها زهاء 700 مليون دولار الأمر الذي يحرم المجتمع من الاستفادة من تشغيل هذه الأموال لصالحه عبر هروبها للخارج بدلا من تشغيلها في المشاريع الداخلية للمساهمة في القضاء على نسبة مهمة من البطالة وتشجيع الصناعات المحلية والمشاريع الخاصة التي تخدم الاقتصاد الداخلي لأي بلد.
ولا بد من الإشارة هنا إلى إن الأمر لا يقتصر على هذا الجانب من هجرة الأموال إنما يمتد إلى هجرة العقول والكفاءات التي باتت هدفا للإرهاب في مراحل مهمة من التجربة العراقية إضافة إلى تردد الشركات وامتناعها من الحضور إلى بلد تنشط فيه العمليات الإرهابية وهذا يضعف الكثير من المشاريع الاستثمارية التي تحاول الحكومة من خلالها جلب رؤوس الاموال الى البلد.
من اجل ذلك تحرص جميع دول العالم على مكافحة الإرهاب والجريمة من اجل الوصول إلى وضع امني مستقر تسخر له جميع امكاناتها المادية والبشرية لارتباطه بجميع الخطط التنموية التي تضعها هذه الدول.
ومن الأهمية بمكان ان نذكر هنا انه من جانب آخر نجد ان العامل الاقتصادي ونجاح الخطط التنموية في جميع مجالاتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية يؤثر ايجابيا على الاستقرار الأمني اذا ما نجح في خلق التوازن وتمكن من تحقيق منظومة خدمية متكاملة تتعامل مع معظم المشاكل التي تواجه المواطن في المجتمع العراقي كالبطالة والفقر وانخفاض متوسط دخل الفرد، لان هذه العوامل وغيرها ترتبط إلى حد كبير بتورط الأفراد في المنظمات الإرهابية ومنظمات الجريمة المنظمة حيث تعد التغييرات الاقتصادية التي تواجهها المجتمعات الفقيرة من أهم الأسباب المحركة والمنشطة للعمليات الإرهابية في العالم.
وتوقع ذلك بوقت مبكر (وليام نوك) مؤلف كتاب"عالم جديد متغير"أن يكون الإرهاب رد الفعل المقابل للمتغيرات الاقتصادية الخطيرة، تعبيرا عن سخط المجتمعات والفئات المطحونة.
وفي نظرة عبر التاريخ سنجد ما يؤكد أن الأمم التي شهدت ازدهارا ونموا ملحوظا كان الأمن هو المحرك الأساس لها وكان سببا في رقيها وازدهارها، فإحساس الإنسان بالأمن وسط مجتمع يسوده التعاون والمحبة والأمان يكون الدافع الأساس له للعطاء والتطور والتفاعل مع الآخرين لخدمة البلد وتقديم كل ما يملك من إمكانات تساعد على تنشيط العملية التنموية في ذلك المجتمع، وبذلك أصبحت التنمية المستدامة بمثابة إطار عام يحكم الأهداف الستراتيجية والمرحلية للحكومات والشعوب الطامحة للتقدم وتحقيق الرفاء لشعوبها.
وبما إن العراق يعد بلدا بأمس الحاجة إلى إعادة الاعمار من خلال استقبال الشركات الاستثمارية والاستفادة من جميع العقول والكفاءات المتاحة لديه عليه أن يوجه اهتمامه إلى الأمن والتنمية معا لان التنمية الحقيقية تتيح للمجتمع مقومات استتباب الأمن من خلال توفير فرص العمل وتحقيق مستوى جيد للدخل وتقضي على الفقر والبطالة وكل هذه الأمور إن تحققت ستساعد على تحقيق استقرار كبير في الوضع الأمني.