كوتزي يتحدث: أنا ممثل حركة توسعية استعمارية

كوتزي يتحدث: أنا ممثل حركة توسعية استعمارية

حرصت مجلة"داجنز نيهتر"الثقافية المتخصصة على إجراء هذا الحوار مع جون ماكسويل كوتزي الروائي الجنوب إفريقي الفائز بجائزة نوبل للأدب، وذلك بمناسبة صدور كتابه التاسع عشر، مؤخراً، وهو رواية بعنوان"يوميات عام سيء"، أثارت ضجة كبرى لم يتردد بعض النقاد معها في القول إنها تشكل تحديا لقالب الرواية نفسه.

وقد اتسم هذا الحوار بقدر استثنائي من العمق، حيث شمل اطلالة على هذه الرواية الجديدة ولمحات من آراء كوتزي كروائي وناقد ومحاضر بارز، حيث أشار إلى ولائه الفكري الأوروبي على الرغم من أنه أمضى معظم عمره السبعيني في جنوب إفريقيا. ولم يتردد في القول إنه يمثل تياراً توسعياً كولونيالياً قدر له أن يعرف الفشل بشكل كامل في آسيا وبشكل تقريبي في إفريقيا، وانتقل إلى الحديث عمن أثروا فيه من الكتاب والمبدعين، منوهاً بصفة خاصة بصمويل بيكيت، وأعرب في النهاية عن اعتقاده بأن تاريخ الفن ليس في جوهره إلا تاريخاً من التلاقح بين التيارات والاتجاهات المختلفة عبر تجاوز الأسوار والحواجز. وفيما يلي نص الحوار: * تثير روايتك"يوميات عام سيئ"الكثير من النقاش المحتدم في دوائر النقاد. ما هو تعقيبك على التيارات المتباينة التي برزت في تناول هذا العمل والتعقيب عليه؟ ـ لست ممن يتحمسون للاتجاه إلى التعقيب على التعقيب، وأفضل في هذا الصدد أن أترك للنقاد أنفسهم إكمال دائرة النقاش، لكن ذلك لا يمنع من اهتمامي بما قيل عن هذه الرواية من أنها تشكل تحدياً للقالب الروائي نفسه، في ضوء الإطار الذي قدمت فيه، والذي فرض تقسيم كل صفحة من صفحات الرواية إلى ثلاثة أجزاء. يشمل كل جزء منها سرداً مختلفاً، حيث الجزء العلوي يقدم آراء للشخصية الأساسية في الرواية حول مجموعة من القضايا العامة المطروحة على مستوى العالم، والجزء الثاني يحمل أصداء مشاعر هذه الشخصية، السنيور سي. نحو جارته الفلبينية أنايا، على حين يتضمن الجزء الثالث مشاعر أنايا. ولكنني أعتقد أن الرواية جديرة بالتعمق بعيداً عن هذه الرؤية الشكلانية للإطار العام للرواية. * ما الذي يحمله المستقبل القريب بالنسبة لك بعد ظهور هذه الرواية؟ ـ لديَّ بالفعل العديد من الدعوات للرحيل والسفر في مختلف أرجاء العالم لإلقاء المحاضرات العامة. وقد بدا ذلك لي على الدوام أحد الجوانب الأكثر غرابة في الشهرة الأدبية، فأنت تبرهن على قدراتك باعتبارك كاتباً ومبدعاً، ثم يتداعى الناس حولك لتوجيه الدعوات إليك لإلقاء الخطب والمحاضرات وإبلاغهم بآرائك حول العالم. * أود أن أسألك عن شيء فيما يتعلق بالحياة الأدبية. فمنذ إصدار كتابك"مضاعفة المعنى"كتبت سيرة حياتك وكتبت عن سيرة الحياة. وفي واحدة من هذه القطع الأقل شهرة، وهي بعنوان"تقدير"في مجلة"ثري بيني"قبل عقد من الزمان كتبت عن تأثير ريلكه، موزيل، باوند، فوكنر، فورد مادوكس فورد وبيكيت، وتلك مجموعة غير مألوفة من الأسماء، غير أن ما يلفت النظر فيها هو العلاقة التي تربطك بهذه التأثيرات. وأنت تقول في هذا الصدد:"إن أعمق الدروس التي يتعلمها المرء من الكتاب الآخرين هي فيما أعتقد موضوعات الإيقاع التي يتم إدراكها على نطاق واسع". وفي موضع لاحق تقول إن المرء لا يلتقط من الآخرين الأفكار، ولكن الأسلوب، إذا شئنا التبسيط هنا. وتضيف:"إن الأسلوب، الموقف من العالم، الذي تغوص فيه الشخصية يصبح جزءا منها، جزءا من الذات، وفي نهاية المطاف يصبح غير قابل للتميز عن الذات. فهل لك في تفصيل القول في مجموعة التأثيرات هذه؟ ـ إن المقال الذي تشير إليه هو مقطوعة مكتوبة على وجه السرعة، نص محاضرة عامة ألقيت أيام كنت أقوم بهذا النوع من العمل. ولست أتصور أنه سيصمد للتدقيق عن كثب، وذلك يرجع إلى شيء واحد، فالتأثيرات التي أوردت قائمة بها ليست من المستوى نفسه، والكتاب الذين لهم أعمق تأثير على هم أولئك الذين يقرأهم المرء في صدر حياته. وغالباً فإن الأعمال الأكثر تبكيراً وشباباً لهؤلاء الكتاب هي التي تترك الأثر الأعمق. وفي حالة موزيل، على سبيل المثال، من المؤكد أن كتابه"رجل بلا مناقب"ليس هو الكتاب الذي أثر فيّ عندما كنت شاباً، وإنما القصص الأولى الأكثر ثراء. وفي حالة بيكيت فقد أثرت فيّ أعماله التي أنجزها قبل عام 1952 وليس بعدها. * في المقال نفسه تقول:"تقدم أوقات وأماكن معينة كتاباً يصمدون للتحديات التي تطرحها، بينما هناك كتاب آخرون لا يصمدون لها". هل تجد نفسك ممعنا التفكير في العلاقة بين ما عشته وبين جنوب إفريقيا؟ كيف طرحت هذه العلاقة نفسها في كتاباتك؟ ـ إذا نظرت إلى نفسي من الخارج باعتباري شخصاً تاريخياً، فإنني ممثل متأخر لحركة التوسع الأوروبية العريضة التي حدثت من القرن السادس عشر حتى منتصف القرن العشرين من المرحلة المسيحية، وهي حركة حققت بشكل أو بأخر هدفها المتمثل في الغزو والاستيطان في الأميركيتين واستراليا، ولكنها فشلت كليا في آسيا وفشلت تقريبا في إفريقيا. وأنا أقول إنني أمثل هذه الحركة لأن ولاءاتي الفكرية هي بوضوح ولاءات أوروبية، وليست إفريقية. وأنا أيضاً ممثل لذلك الجيل في جنوب إفريقيا الذي وجد نظام التفرقة العنصرية من أجله، الجيل الذي قصد به أن يحقق أقصى استفادة من هذا النظام. ما هي العلاقة الصحيحة التي ينبغي أن تقوم بين ممثل لهذه الحركة الكولونيالية التي فشلت أو تفشل حالياً بهذا التاريخ من القمع وراءها من ناحية والجزء من العالم الذي سعت وراءه وفشلت في تكريس نفسها فيه وشعب ذلك الجزء من العالم من ناحية أخرى؟ هذا هو موضوع سؤالك مترجماً إلى الاصطلاحات التي استخدمها هنا. وردي، وهو رد حافل بالتردد، هو أنه كان أكثر انتاجية وربما سيستمر كذلك في الوقت الذي تبقى لي أن أعيش هذا السؤال من أن أحاول الرد عليه بمفاهيم مجردة. وعندما أقول إنني عشت هذا السؤال، فإنني أقصد أنني عشته ليس في الحياة اليومية فحسب وإنما في أعمالي الروائية كذلك. وكما ترى فإنني لا أتعامل مع الإبداعي الروائي، أي مع إبداع الأخيلة وتطويرها كشكل من أشكال الفكر المجرد، ولست أرغب في نفي استخدامات الذهن، ولكن في بعض الأحيان يكون لدى المرء الحدس بأن الذهن بحد ذاته سيقود المرء إلى طريق مسدود. دعني هنا أشير إلى التوتر الكامن من ناحية بين الفنان الذي قد تكون مسألة ما نسميه بحياة المرء أو مسألة كيف يحيا المرء حياته مصدراً للدراما التي تنطلق عبر الزمن مع الكثير من النجاح والإخفاق وبين الناقد أو المراقب أو القارئ، من ناحية أخرى، الذي يرغب في تصنيف الفنان ومسألته الخاصة ويمضي قدماً متنقلاً إلى موضع آخر، وذلك من دون أي اساءة نقصدها إلى أي أحد. * في إطار هذا الامتداد الهائل للتاريخ الأوروبي الذي تصفه، فإن جماليات الفترة من أوائل القرن العشرين إلى منتصفه يبدو أنها كانت مؤثرة بصفة خاصة. وبالنسبة لأولئك الذين يتابعون ما حققته استناداً إلى هذا التراث. فإن الحداثة والحداثة المتأخرة والحداثة الأوروبية تبدو كلها اصطلاحات غير مرضية ولكنني سأستخدمها كنوع من الاختزال، وفي هذا الإطار قدمت مساهمتك المميزة، وهي مساهمة أكدتها الأكاديمية الملكية السويدية في حيثيات منحك جائزة نوبل للأدب. ـ ليس لي أن أعقب على كلمة الأكاديمية السويدية، ولكن بما أنك أتيت على ذكر صمويل بيكيت كتأثير تكويني على كتاباتي، قدعنى أتحدث بإيجاز عنه. ومن المؤكد أنه يمكن وصفه بأنه حداثي من طراز رفيع، وقد كان رجلاً ايرلنديا وأوروبيا ليست له صلات على الإطلاق بإفريقيا. ولكنه في يدى مبدع للدراما بحساسية ومهارة أتول فوجارد أمكن نقله إلى إطار جنوب إفريقيا على نحو بدا معه كما لو أنه من أبنائهاً تقريباً. ما الذي يظهره هذا؟ إنه يظهر أن تاريخ الفنون هو تاريخ للتلاحق الذي لا يعرف التوقف عبر الأسوار والحواجز. *في روايتك قبل الأخيرة"اليزابيث كوستيلو"يلفت نظرنا أن التاريخ الذي أرخت به رسالتها التي تشكل خاتمة الرواية هو 11 ايلول 1603، فهل جوهر هذه الرسالة هو أن الحياة الأدبية لا تكفل التحرر أو الانعتاق لـ"الروح المطلقة"؟ ـ إنني أقاوم الدعوات إلى تفسير عالمي الروائي، فلو أنه كانت هناك طريقة أفضل وأوضح وأكثر إيجازاً لقول ما تقوله الرواية، فلم لا نضرب صفحاً عن الرواية؟ إن اليزابيث تزعم أنها تكتب عند تخوم اللغة، ألن يكون مهنياً لها أن أفسر ما تعنيه لكنها لم تكن من الذكاء بما فيه الكفاية لتقوله؟ أما فيما يتعلق بتاريخ 11 ايلول فدعنا لانستسلم في يسر للاهتمام الاستحواذي من جانب الأميركيين بذلك اليوم. وشأن 1 ايار أو 14 تموز أو 25 كانون الاول فإن 11 ايلول قد يكون حافلاً بالمعاني بالنسبة لبعض الناس. بينما بالنسبة لآخرين فإنه لا يعدو أن يكون يوما آخر. عودة إلى السؤال حول طريقة الحياة الأنسب لـ"الروح المطلقة"، فإنني أقول إن ما ندعوه بـ"الحياة الأدبية"أو أي طريقة أخرى للحياة تقدم سبيلاً للتمعن في وجودنا، وفي حالة الكاتب الفاتنازيا والقص والرمزي، تبدو لي حياة جيدة، جيدة بمعنى أنها مسؤولة أخلاقياً. محطات في مسيرة كوتزي * ولد الكاتب والروائي والمترجم جون ماكسويل كوتزي في كيب تاون بجنوب إفريقيا لأبوين ينحدران من المستوطنين الهولنديين الذين استقروا هناك في القرن السابع عشر، وتخرج من جامعة كيب تاون، وحصل على درجة الدكتوراه في 1969 من جامعة تكساس بأطروحة عن بيكيت، وعمل بالتدريس في جامعة نيويورك. * أصدر تسعة عشر كتابا أولها روايته"أراضي الغسق"في عام 1974 وأحدثها"يوميات عام سيئ"الصادرة مؤخراً، ولفت الأنظار إليه بصفة خاصة بروايته"في انتظار البرابرة"الصادرة عام 1980 وروايته"حياة وأوقات مايكل"الصادرة في عام 1983، وروايته"العار"الصادرة في 1999، وروايته"اليزابيث كوستيلو"الصادرة عام 2003. * فاز بجائزة نوبل في الأدب عام 2003، لتضاف إلى رصيد متميز من الجوائز وألوان التكريم، في مقدمتها جائزة بوكر عن روايته"حياة وأوقات مايكل"في عام 1983.

عن صحيفة أدب ونقد القاهرية