روايات كوتزي .. رؤية عميقة تتداخل فيها الأساطير بالواقع

روايات كوتزي .. رؤية عميقة تتداخل فيها الأساطير بالواقع

سامر أبو هواش
ولد جون ماكسويل كويتزي في التاسع من شباط 1940 في مدينة كايب تاون بجنوب أفريقيا، ونشأ في بيت يتحدث الانكليزية، إنما من أصول هولندية. والده كان يعمل مدعياً عاماً وأمه مدرسة. نشأ كويتزي في بيئة ريفية، ثم حاز إجازة في الرياضيات واللغة الانكليزية من جامعة كايب تاون،

ثم انتقل بعدها إلى لندن حيث عمل كمبرمج كومبيوتر. وفي 1965 غادر لندن إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث حاز على دكتوراه في اللسانيات من جامعة تكساس في أوستن. بعد ذلك درّس ثلاث سنوات في جامعة نيويورك في بوفالو، قبل أن يعود إلى جنوب أفريقيا.
وإذا كان كوتزي لا يحبّ التحدّث عن حياته ويرفض رفضاً قاطعاً إجراء المقابلات الصحافية أو الظهور العلني، ويعلن باستمرار كرهه للشهرة، فإنه عبّر عن حياته هذه خير تعبير في كتابين مهمّين له هما"الصبا: مشاهد من حياة في الضواحي"(1997) و"الشباب"(2002)، الذي يعدّ تكملة لسيرته الذاتية، وفي هذين الكتابين يحكي كوتزي على طريقته حياته في جنوب أفريقيا ومشاهداته، وما الذي جعله يتوق بشدّة إلى مغادرة وطنه إلى لندن أولاً ثم إلى أميركا. فعلى الرغم من أن حياته الأسرية كانت هادئة نوعاً ما، خلال مرحلة الطفولة والصبا، فإن كوتزي الذي كان يحمل نزعة رومنسية جامحة، ويحلم باليوم الذي يصبح فيه شاعراً، لم يستطع تحمّل الضغط الظاهر وغير الظاهر في جنوب أفريقيا الخمسينات والستينات من القرن الفائت، حيث العنف والقتل والفصل العنصري (غادر كوتزي جنوب أفريقيا بعد مجزرة كبرى ذهب ضحيتها 70 من المتظاهرين) وما إلى ذلك من أجواء جعلت الحياة في هذا البلد تبدو مسدودة الأفق بالنسبة إلى كوتزي .
في"شباب"يتحدّث الكاتب بإسهاب عن تلك المرحلة، وعن فكرة مغادرة جنوب أفريقيا التي استحوذت عليه حتى الآن (يقيم حالياً في استراليا)، تحديداً بسبب وطأة المكان عليه، لكن أيضاً بسبب صورته المبكرة عن نفسه والتي أراد أن يكون مخلصاً لها. صورة شاعر، يقرأ الكتب ويشاهد الأفلام باستمرار ويزور المتاحف مثلما يجدر بكاتب أن يفعل. ويسرد كوتزي سلسلة إخفاقاته العاطفية، وبحثه المضني عن الحب، واضطراره إلى العمل في وظيفة لا يحبها (مبرمج كومبيوتر) لكي يتمكّن من العيش، إلى أن اكتشف الكتابة أخيراً، ولم يكن ما كتبه شعراً، بل رواية، وكانت"بلاد الغسق"(1974) التي حقّقت له قدراً من الحضور مكّنه من تكريس وقته للدراسة والكتابة فقط.
في أميركا نال كوتزي الدكتوراه، لكنه اضطر للعودة إلى جنوب أفريقيا بعد ذلك حيث لم يتمكّن من العثور على عمل في أميركا فاضطر للعودة إلى وطنه حيث عمل مدرساً في جامعة كايب تاون واستمرّ في وظيفته هذه حتى عام 2001 حين غادر وطنه من جديد.
خلال فترة إقامته في جنوب أفريقيا أنتج كوتزي أهم أعماله، بل معظمها، من"في قلب البلاد"(1977)، و"انتظار البرابرة"(1980) التي كرّست حضوره كروائي مهم، ثم"حياة مايكل ك. وزمنه"(1983) التي نال عليها للمرة الأولى"جائزة بوكر الإنكليزية، مروراً بـ"خصم"(1986) و"عصر الحديد"(1990)، و"سيد بطرسبورغ"(1994)، وصولاً إلى"حيوات الحيوانات"(1999)، و"عار"(1999) التي نال عليها جائزة بوكر للمرة الثانية.
العنف
يتوقّف النقاد عند ميزات عدّة في أدب كوتزي . فمنهم من يركّز على حضور العنصر النسوي المركزي في أعماله، وعلى جعلهن الراويات أحياناً، وهذا الحضور الرمزي على ما تقول فيونا بروبن يوظّفه الكاتب غالباً لأغراض أخرى لا تتعلّق بالميل إلى القضايا النسوية بالضرورة، فالمرأة، البيضاء تحديداً (ومعظم أبطال رواياته من البيض) تختزل تلك المأسوية التي يريد الإلمام بأطرافها، وهي التي تتعلّق بعلاقة الرجل الأبيض، في جنوب أفريقيا ذي الغالبية السوداء، بنفسه وبالسلطة التي يحاول أن يمثّلها، مخفقاً إما بسبب الخطأ الأصلي الكامن في الفصل العنصري. أو كما في حالة كوتزي بسبب معارضته الأخلاقية لهذا الفصل. تظهر هذه السمات في أعمال كوتزي كافة، لا سيما منذ روايته الثانية"بانتظار البرابرة"التي تمكّن فيها كوتزي من الابتعاد الضروري كمؤلف عن الموضوع بحيث لا يستغرق في سرديات نثرية ذاتية كما في روايته الأولى. فاخترع في هذه الرواية بلداً أو امبراطورية متخيلة كلياً لكن لها صفات جنوب أفريقيا بحيث تمكّن، حرفة وصناعة، من التحكّم أكثر بموضوعه. وهذا التحكّم أو الابتعاد الذاتي، أو تمويه الذات إلى الحد الأقصى أتاح لكوتزي رؤية أعمق لجنوب أفريقيا، رؤية تتداخل فيها الأساطير بالواقع، اليومي بوطأة التاريخ وثقله، الفردي بالجماعي كما في كل أدب كبير. لعل هذا الميل التخييلي، معطوفاً على إحساس يصعب التخلص منه بمأسوية الكائن البشري، هو الذي جذب منذ البداية كوتزي إلى كاتبين كبيرين تأثر بهما وبطريقة ما دمج بينهما، هما كافكا بكابوسيته وأجوائه القاتمة، ودوستيوفسكي برسمه الواقعي والمأسوي للواقع. سؤال الرجل الأبيض المنزوع السلطة زمن الفصل العنصري تحديداً بسبب سيطرته المخالفة للطبيعة، شرّع الأبواب أمام كوتزي واسعة على العبث. لكنه آثر الدخول إلى هذا العبث من باب الواقع، لا السوريالية أو الرمزية، ذاهباً بشخصياته إلى الحد الأقصى الذي تختبر من خلاله الجحيم الأرضي الذي يبدو باستمرار قدراً أو ترجيعاً لقدر تاريخي. وهذا الجحيم يعبّر عنه كوتزي بلغة الجسد الذي يجعله يعبر أضيق السبل وأشدها وطأة للوصول أو عدم الوصول إلى نقطة ضوء صغيرة.

في"حياة مايكل ك. وزمنه"يسرد كوتزي حياة موظف في حديقة أسود منذ الطفولة البائسة حتى وصوله بطريقة شبه قدرية إلى سجون التعذيب في جنوب أفريقيا. موضوع غرف التعذيب أو فلسفته كان الدافع لكي يكتب كوتزي ، على حدّ قوله، هذه الرواية، للوصول إلى أقصى حدّ يمكن أن تبلغه العلاقة بين الجلاد والضحية، بين المضطَهد والمضطَهد، وهي علاقة مع المتخيّل بالدرجة الأولى. فالتعذيب بالنسبة إلى كوتزي ، حيث يمارس شخصاً أو سلطة قهر وأذية جسد عاجز، تعبير بورنوغرافي فاضح، يكشف في النهاية عن قتامة حياة الخاضعين للسلطة، وهي هنا سلطة الفصل العنصري البوليسية، وبين السلطة التي تفقد شرعيتها وتعيش بالتالي مأزقها الوجودي الخاص.
وإذا كان بطل مايكل ك. (حرف كاف إشارة هنا إلى كافكا) هو شخص أمي وحتى"بليد"فإن بطل"عار"هو بروفسور جامعي، لكنه يواجه المصير نفسه حيث ينحط في سلسلة من الأحداث إلى الدرك الأسفل من الخزي. الجسد حاضر هنا أيضاً حيث يرتبط البروفسور بعلاقة مع تلميذة يتعرّض بعدها للمحاكمة والطرد، ليغادر المدينة إلى الأرياف حيث تتعرّض ابنته هناك للاغتصاب. لكن الحكاية الجوهرية في الرواية، وإن بدت رحلة أفراد باتجاه مصائرهم البائسة، وحيث اليأس هو الحل الأفضل، تتعلّق أيضاً بجنوب أفريقيا، لكنه هذه المرة جنوب أفريقيا ما بعد نهاية نظام الفصل العنصري. فالصورة بالنسبة إلى كوتزي ليست مشرقة على الإطلاق، والدين التاريخي الذي يحمله البيض في هذا البلد لا يمكن أن يُمحى بسهولة. أما الكلام على الثورات ونجاحها في تحقيق الأغراض المرجوة منها، فيعتبره كوتزي فارغاً من المعنى، إذ أن أي تبدّل سياسي وبأي شكل كان، قد يغيّر الشروط، شروط العيش قليلاً، لكنه لا يقضي على المشكلات التي في نهاية الأمر لا تكمن في النظم السياسية وحدها. في 1992، وفي واحدة من مقابلاته النادرة قال كوتزي :"الحرب في رواياتي استعارة تاريخية فهي ليست حكراً على جنوب اقريقيا"وأضاف"لا أفهم لماذا ينبغي تلقائياً ترجمة أو محاولة ترجمة فكري سياسياً. ليس من الضروري معرفة أفكاري لفهم كتبي". فالخلاصة الأهم بالنسبة إلى كوتزي أنه ليس هناك من خير أو شر، أو حق وباطل، والكل خاضع لمأساة كونية واحدة.
يختلف النقاد في تفسير أعمال كوتزي ليشدّد بعضهم على عنصر قراءة العنف وتفسيره والبحث عن جوهره ومكامنه، وما إذا كان تجلياً من تجليات السلطة، أياً تكن، أم غريزة بشرية أصلية. وليركّز بعضهم الآخر على عنصر العزلة، حيث كل فرد يعيش وحده، في كوكب خاص، آلامه ومآسيه الخاصة، وحيث لا خلاص ممكناً لأحد سوى في الاستسلام الكلّي والنهائي لفكرة الموت.
عن صحيفة الرياض السعودية