توديع  جبل لبنان

توديع جبل لبنان

ايلي القصيفي
كاتب لبناني
أعانتنا ليتورجيا الجنازة المارونية في فهم موت وديع الصافي، بعدما عجزنا عن الفصل بين الجسد والصوت، ولم نعرف كيف نربط بين موت الرجل وبقاء صوته. تقول الصلاة الجنائزية في أحد مقاطعها: «ليل الموت يطويني (...)». وبذلك تكون الليتورجيا قد أنقذت تعبيرنا ورفدتنا بكلمة الطي التي هي لا موت كاملاً ولا حياة كاملة، إنما هي شيء من الإثنين وبين الإثنين.

هكذا استطعنا في كنيسة مار جرجس في وسط بيروت، أمس، أن ننظر إلى النعش نظرة أخرى.
كيف يمكن أن يوضع صوت وديع الصافي في نعش؟ قد يسع النعش جسد أكبر الرجال وأعظمهم، لكنّه لا يسع ولا يستطيع أن يحبس صوتاً كصوت وديع الصافي. سؤال آخر سألناه في الجنازة أمس: هل ودّع وديع لبنان أم أنّ لبنان ودّع وديع. هذا أيضاً، سؤال عجزنا عن الإجابة عنه. ولم تعنا الليتورجيا هذه المرة.
وغاب الأرز عن مأتم وديع، وكان يمكنه، لو حضر، أن يجسد ولو رمزياً العلاقة بين الصافي ولبنان. فلم يضع أحدٌ شلح أرز على نعش وديع كما جرت العادة في مأتم لبنانيين كبار. وضع بداية غصن زيتون، ثمّ استبدل بورود بيضاء.
جيــــــلان

تمسح المرأة السبعينية دموعها بكفها. إلى جانبها فتاة تجاوزت الثلاثين بقليل تقف هي الأخرى تمسح دمعها. لا نعرف إن كان بين السيدتين وعائلة الصافي نسباً. ما يعنينا أنّهما من جيلين مختلفين، وأنّ لكل منهما علاقة مختلفة مع وديع ومع لبنان. لكنّهما مع ذلك شعرتا، مع غياب الصافي، بفقد شخصي وبخسارة حميمة.
قد يختلف الناس في شأن شخصية وديع الصافي وآرائه، لكنّ أحداً لا يمكنه أن يشك في صوته وفي فنّه. كذلك لا يستوي الحديث عن وديع من دون الحديث عن لبنان الذي غنّاه. هنا أيضاً يمكن أن نختلف كلبنانيين في وصف لبنان الذي غنّاه الصافي. قد يقول البعض إنّ وديع والرحابنة وغيرهم من الفنانين والشعراء الذين جسّدوا صورة للبنان في فنهم، بالغوا في امتداح هذا البلد الصغير وتعظيمه. وقد يقول آخرون إنّ لبنان «القديم"لم يكن عادلاً ولا هو ساوى بين أبنائه جميعاً. لكنّ أحداً لا يسعه القول إنّ لبنان وديع الصافي لم يكن على جغرافيته الصغيرة مساحة تتسع للفرح، وهي مساحة تتقلص اليوم.
كذلك لا نستطيع ألا نربط بين وديع و«الزمن اللبناني» الذي ولد فيه (وديع) وكبر واشتهر. فالصافي الذي احترف الزهو لم يكن ليحترفه بالقدر الذي عرفناه، لو لم تكن في لبنان قابلية للزهو والغناء والفن بشكل عام. ولولم يرد اللبنانيون أن تكون لهم هوية فنية و«خصوصية» منفتحة على الجوار والعالم. فلكأنّ المدى الذي ميزّ صوت وديع تماهى مع الرحابة التي ميزت الحياة اللبنانية في سنوات ما قبل الحرب. هذه الرحابة وإن لم تكن تامة إلا أنها استطاعت أن تقبل الأفكار والأذواق كلها، وأنّ تغذيها وتجد لها شرعية... قبل أن تنفجر وينفجر البلد.
ابن نيحــــــا

ذكّرنا البطريرك بشارة الراعي في عظته أنّ وديع الصافي هو ابن بشارة فرنسيس من نيحا الشوف. صمت الحضور لسماع قصة عائلة وديع وقد بقي اثنان منها على قيد الحياة. أضاء الراعي على منبت وديع ومنشئه، لكأنه أراد أن يفهم الحضور أصل المسجّى في النعش. هكذا أحالنا الراعي إلى بيت وديع الأول، لعلنّا نفهم صوته أكثر ونحس به أكثر وقد اختلط فيه الشجن بالزهو والقساوة بالليونة، كأنه صورة عن حياة القرى. أما الأباتي بولس نعمان فقد ربط بين وديع وفنّه و«قدرة لبنان على خلق أشخاص نادرين في مجالي الفكر والفن. وان شاء لله يبقى كذلك». وقال المطران سمير مظلوم: « أكثر ما نفتقده اليوم مع غياب وديع، إضافة إلى فنه، هو أخلاقه وتعلقه بلبنان».
حضور الدولة وغيابها

حضر ممثلون عن السلطة اللبنانية وسياسيون إلى صالة الكنيسة لتعزية العائلة، ومن ثمّ إلى الكنيسة وقت الجنازة. لكن مع ذلك كان حديث الناس أن «ليس هكذا يكرّم وديع في يوم وداعه». كثيرين استغربوا كيف أن الدولة اللبنانية لم تعلن يوم حداد على وديع. «معقول وديع الصافي، هيدا الجبل، ما بيحدّو عليه يوم. ولو. عَ مين بدون يحدّو إذا وديع الصافي ما حدّوا عليه»، تقول المرأة وقد دلَّ اضطراب حركة يديها ورأسها على غضبها. حتى أنّ الناس كانوا يسألون إذا حضر الرؤساء الثلاثة، أو أقله أحدهم. مرّ الوقت ولم يحضر أي من الرؤساء. أرسلوا ممثلين عنهم. كذلك فإنّ الإرباك الذي بدا مسيطراً على المنظمين حول النعش وأمامه، دلّ على تخبط في التعرف على ممثلي الرؤساء والشخصيات العسكرية والأمنية، وبالتالي توزيع أماكن جلوسهم.
أصالتان

لم يكن دخول الفنان السوري صباح فخري إلى صالة كنيسة مار جرجس، أمس، دخولاً عادياً أو بلا دلالة. دخل فخري ممسكاً بيد نجله وقد أثقل العمر خطاه. بدا متأثراً لكأنه أتى يودّع جزءاً منه في بيروت. كان الجميع في الصالة ينظر باتجاه الفنان الآتي من حلب. قالت ابنة وديع لفخري عندما دنا لتعزيتها: «أنت أصيل، وجودك عزيز علينا». ردّ فخري وقد دمعت عيناه وتهدّج صوته: «شو ما عملنا لا نفي وديع حقّه. كان وديع ممتلئ أصالة». حضور فخري كان بمثابة لقاء أصالتين. الأولى من أسواق حلب القديمة وحاراتها، والثانية من جبل لبنان وبيروت والسهل والشمال والجنوب. وقد انتفض المطرب الحلبي عندما سألته المذيعة عّما خسره بخسارة وديع. أجابها: «هذا سؤال لا يُسأل. ماذا خسرنا؟ خسرنا فناً وزمنا حُلوا». أضاف: «لو تستطيعن معرفة ما في قلبي لعرفتي ماذا خسرت».
رفاق ومحبون

كان الحضور الفني لافتاً في كنيسة مار جرجس، عصر أمس. أتى فنانون من أجيال مختلفة. أتى ممثلون وملحنون، وشعراء... وكانت فيروز وصباح الغائبتين الحاضرتين الأبرز، وقد تردد اسمهما كثيرا بين الحاضرين. كان لسان حال الفنانين الذين عايشوا وديع: «شو بدنا نقول. خسر الفن اللبناني صوتاً لا يتكرر». قال إحسان صادق «اليوم سافر وديع. والمهم أن نكون أوفياء له، وأن نكمل، إذا استطعنا، حفظ صورة لبنان الجمالية كما أرادها الراحل». وقال الياس الرحباني إنّ «وديع كان بمثابة والدنا، اليوم انهار جدار من جدران الفن اللبناني. فالله خير وموسيقى، ووديع فهم هذا الأمر وجسده في حياته».
أما مارسيل خليفة، ففضل « الصمت في هذا اليوم، مع تحية إلى وديع الذي ترك لنا إرثاً كبيراً». كذلك، قالت ميشلين خليفة إنّ «صوت وديع كان صوتاً إلهياً، لذلك هو لم يمت، وسيبقى في آذاننا وقلوبنا». وتحدث غسان صليبا عن «حب وديع وتشجيعه للفنانين اللبنانيين الشباب». وقال عازف الناي وصديق وديع جوزيف أيوب: «شو بدي قول عشت أنا ووديع عمراً كاملاً. وبرمنا العالم. وغنينا. وكانت الدني مش سايعتنا».
«تبقو اذكرونا»

انتهت الجنازة. استعد الشبّان الحاضرون لحمل النعش. صدح صوت وديع بين أعمدة الكنيسة فشعرنا بأنّه ملأها. هكذا ودّع وديع الصافي نفسه، رافق صوته نعشه إلى خارج الكنيسة. هناك علت زغاريد النسوة ورُقّص النعش.. قبل أن «تغادر طيور السنونو قرميدها».. ويغادر وديع إلى «المقام"الأخير.
عن جريدة الحياة اللندنية