تنيسي ويليامز يتحدث: لا يعلم الشعراء أن الشعر لا يقيم في الكـــلام وحــــده

تنيسي ويليامز يتحدث: لا يعلم الشعراء أن الشعر لا يقيم في الكـــلام وحــــده

يتميز المسرح باللجوء الى خلفيات من المناظر المرسومة أو المصورة وقد يصل الأمر الى اعتماد لقطات سينمائية، هذا فضلاً عن مختلف أنواع الديكور والتجهيزات. لكن ماذا عن استعمال الشعر في المسرح. أليس ثمة محاذير بالوقوع في مطب الخطابات بدل ان يكون الشعر مسألة عضوية داخل النص المسرحي؟ ثم اليس الرقص والباليه وافدين من مناخ الشعر؟

ضمن جو «دور الشعر في المسرح المعاصر» رأينا استعادة هذه المقابلة مع الكاتب المسرحي الأميركي تنيسي ويليامز والتي وردت ضمن كتاب «مقابلات مع تنيسي ويليامز» من تحرير البرت ديلفين. وقد أجرى المقابلة مع ويليامز جورج فريدلي في احدى اذاعات نيويورك، التي تعود الى منتصف القرن العشرين، والملاحظ ان الهموم نفسها بخصوص المسرح لم تزل تطرح سواء في اميركا أو عندنا نحن الذين خبرنا معظم صفوف المسرح، واختبرناها فأصاب بعضنا ولم يكمل بعضنا الآخر.

* كيف تشعر حين تكون عرضة لأسئلة اذاعية أشبه بالاختبار؟
ـ حسناً، لطالما ارتعبت من الميكروفون كما يصف الأضواء على المسرح.
* حسناً، هذا لا يفترض ان يزعجك واقعاً. فبمقدورك معاملة الميكرو كصديق. ما نريد معرفته حقا هو رأيك بدور الشعر في المسرح المعاصر؟
ـ هذا يعتمد باعتقادي على عاملين اثنين، كما يعرف الجميع جمهور الشعر محدود. لا يمكن للشعر المنافسة في مسارح برودواي مع أعمال كوميدية من مثل «هارفي» أو «عزيزتي روث» أو مع مسرحية مثل «معرض الوحوش الزجاجي» التي تتميز بشاعريتها، ولكنها ليست مسرحية شعرية. أتساءل كم من جمهور الاذاعة الذين يصغون الينا الليلة يعرفون، يحبون، او حتى سمعوا بهارت كراين رغم انه يعتبر الشاعر الاميركي الأهم منذ ويتمان. والحال هذه، اذا اردنا ان يكون لنا شعر بهذه الأهمية في المسرح، سيتحتم ان يصبح لدينا مسارح تعمل دون بلوغ أعداد كبيرة من الرواد. الجواب هو يجعل المسرح لا مركزياً، افكر في مسارح وطنية مثل تلك التي جاء على ذكرها روبرت بريين وبوب بورترفيلد («نحو مسرح وطني»)
* أوه، أجل، هذا ما كنا نتكلم عنه منذ نحو الأسبوع على الهواء. فقد كان معي تيوبولد موريس وبوب غرين وكنا نناقش تلك الخطة، هل تريد ان تضيف شيئاً حول ذلك، يا سيد تنيسي؟
ـ حسناً قرأت الخطة وأعتقد انها معقولة الى حد بعيد، خطة يمكن تطبيقها وأظن أنها خشبة الخلاص للمسرح الشعري، لا أعتقد ان بمقدور الشعر لعب دور مهم في المسرح طالما بقي على مسارح برودواي لأنه لا يستطيع الاستمرار في الحياة هناك، لا يمكنه المنافسة هناك، وباعتقادي ان خطة مارغو جونز التي تعمل عليها في مسرح دالاس تشكل أملاً آخر.
* حسناً، مارغو انسانة عظيمة، اعرفها جيداً وارى انك في دالاس استعرضت لجنة المخرجين. اخبرني ماذا ستفعل بخصوص مسرح دالاس ذاك..
ـ حسناً، ارجو ان اقصد المكان وأتعلم كيفية اخراج المسرحيات اثناء كتابتي لها، لم يصلني خبر من مارغو حتى الآن، وهي لم تكمل حملتها التمويلية بعد.
* طبعاً، ذلك يأخذ مقداراً لا بأس به من البحث والتنقيب ـ حتى في مدينة غنية مثل دالاس ـ لكنني فهمت من لين ريغز ليلة افتتاح مسرحيتك «اثرت في» ان الأمور تسير بشكل مرض، وأعتقد انها ستأخذ من دون شك المسرحيات الشعرية بعين الاعتبار حين اختيارها لعروضاتها المسرحية. هل هذا صحيح؟
ـ هذا سيكون ضمن اعتبارها اولا، انا متأكد لقد صار لديها عدد من النصوص التي هي شعرية في نوعيتها، مع انها ليست مكتوبة شعراً.
* هل هذه مسرحيات جديدة؟
ـ أجل، قرأت واحدة رائعة حقا كتبها وليم انج ولقد قررنا ادراجها («خرج الوالد من الجنة») للتنفيذ.
* هل تعتقد انها ستختار احدى المسرحيات العظيمة من الماضي؟
ـ اجل، ستأخذ أعمالاً لشكسبير، وتشيخوف، بالطبع، وأرجو لمارلو ووبستر ايضاً.
* وجونسون ربما؟
ـ أجل
* لكن يجب ان نعود الى النقطة التي كنا نبحثها حول دور الشعر في المسرح، هل تعتقد ان المسرح في الأزمنة الحديثة قد وظف ما يكفي من المصادر الشعرية؟
ـ يمكنني الاجابة بكلمتين قد تكونان مؤكدتين لكنهما تضعانا في مهب الرياح.
* حسناً، لا تفعل ارجوك، هذه الاذاعة لها علاقة بالبلدية.
ـ بالطبع لن أفعل، مهما يكن، المصادر الشعرية موجودة لكنها لن توظف وتستخدم حتى يصبح لدينا مسرح يستطيع تمويل الانتاجات البديعة من دون توخي الربح فقط، وأن يتابع تقديمها، وتقديمها كأعمال رائعة، يبدو أنني أعود ثانية الى فكرة مسرح وطني يعتمد اللامركزية، لكن كل الدروب التي تؤدي الى الشعر في المسرح تؤدي الى هناك على ما يبدو.
* حسناً، هذه بالطبع فكرة سديدة ونعمل جميعاً على تحقيقها، اقصد شيريل كروافورد ومارغريت وبستر وايغاليه غاليين بخياراتهم المسرحية الأميركية. ويذكر ان هوراس شميدلاب قدم جائزة حول كيفية جمع أموال لمسرح وطني او قومي. بلانش يوركا، رئيسة اللجنة، كما العديد من الناس القيمين الجيدين يعملون بهذا الاتجاه.
ـ أجل، أتذكر ان الآنسة يوركا اتصلت بي وطلبت مني تقديم خطة. أخبرتها أني لا أجد خطة افضل من تلك التي كان يعمل عليها السيد بيين والسيد بورتر فيلد وماغو جونز. انهم العاملون الحقيقيون في هذا الحقل حالياً حسب رأيي. وكل ما بمقدوري فعله هو الجلوس، الرجاء والصلاة.
* أجل، هذا صحيح، لكن بالعودة الى السؤال حول مفهومك عما يعنيه الشعر في المسرح. أتعتقد ان الشعر مسألة ابيات داخل المسرحية، ابيات قد تكتبها أنت أو أرتشبولد ماكليش، أو شخص آخر؟ هل المسألة سمعية أو بصرية؟ هل تفكر بأن الباليه والرقص هما التطور المنطقي للشعر؟
ـ حسناً، انا مسرور لاثارتك تلك المسألة لأنه يبدو لي ان العناصر البصرية والبلاستيكية في المسرح هي الأشياء التي أهملت كثيراً من قبل الشعراء الذين يحاولون الكتابة للمسرح، ثمة الآن عدد لا بأس به من المسرحيات الشعرية الرائعة في المكتبات. لقد كتبها اشخاص مثل دبليو.هـ.اودن، ، اليوت، ديلور شوارتز ولويس انترماير، وحتى ادنا سانت ميلاي كتبت واحدة.
* تقصد مسرحية «آريادا كابو»؟
أجل، هذه ما كنت افكر فيها، لكن لسوء الحظ ان معظمهم لم يتعمقوا بمعرفة المسرح. عملوا كشعراء وشعرهم كلامي. لم يستغلوا كل الأشياء البلاستيكية والبصرية البديعة التي يقدمها المسرح. لم يتعلموا كيفية استعمال الحركات والايماءات مكان الخطابات. المشكلة الآن انه حين يواجه العديد من النقاد والجمهور خطابات شعرية في المسرح يتوقعون ان تكون طنانة ومطولة.
* أجل، هذا ما أخشى أننا نتوقعه، امر مغوٍ.
ـ والمشكلة هي في الشعراء أنفسهم كما في الناس الذين يرون اعمالهم، لأن المؤلفين لم يتعلموا كيفية المسرحة بدلا من مجرد الكتابة.
* تقصد ان التمثيل يلعب دوراً كبيراً في ذلك، اليس كذلك؟ اقصد ان حركة الممثل يمكن ان تكون شاعرية. هل في بالك اي مشهد من مسرحية شاهدتها أو ألفتها أنت يؤيد ذلك؟
ـ كلما تحدثنا عن التمثيل يشرد فكري في الحال صوب لوريت تايلور.
* لا ألومك.
ـ لا أعتقد أن لوريت تقرأ الشعر. لا أعتقد ابداً أنها تأوي الى فراشها مع عمل لهارت او لشكسبير، ولكني لم أعرف شخصا يمكنه سكب المزيد من الشعر، المزيد من خاصية الشعر، الى قراءة ما. ما يحتاجه المسرح الشعري هو المزيد من الممثلين والممثلات الرائعين واللماحين من نفس قماشتها، لقد علقنا، اقصد الممثلين على خشبات برودواي بحفرة التكلم كالببغاوات. وبطبيعة الحال يموت الشعر مع هكذا القاء.
* أتعتقد ان ذلك هو أيضا تأثير المسرحيات التي تعرض طويلاً، يا تنيسي؟
ـ يمكن ان يكون ذلك السبب لكن لا داعيَ لأن يكون السبب.
* قل لي، أتعتقد ان الأفلام لديها نفس التأثير؟ هل لها تأثير مخرب على قراءة الشعر بين الممثلين؟ حين أقول قراءة الشعر لا اقصد جلوسهم قرب المدفأة، بل قراءتهم ابيات شعرية على المسرح أو على الهواء.
ـ حسناً، يجب ان توجد مسارح تبرمج مسرحيات شعرية حيث يصار الى تدريب الممثلين على قراءة الشعر، هذا الجواب الوحيد الذي يحضرني ما يعيدنا ثانية الى المسرح اللامركزي، مسرح لا يعيش على الربح هذا يجب الا يتنافس مع الأعمال الناجحة، برودواي سواء على صعيد الكوميديا او في حقل المسرح الموسيقي.
* نؤمن ان تلك الفكرة القديمة التي طلع بها المسرح الفيدرالي، طلع بها مؤتمر المسرح الوطني، اقصد المسرح اللامركزي، بل مسرح محترف لا مركزي، هي الشيء المهم؟
ـ المشكلة مع مشروع المسرح الفيدرالي القديم هي ان خطته، بل سياسته، كانت محكومة من قبل الحكومة، الآن خطة بريين ـ بورترفيلد المقترحة لن تحكمها او تسيرها الحكومة، ستكتفي بتمويلات من الحكومة.
أجل، طبعاً، هذه تعتمد على استعمال التمويل المحصل من جميع أنواع المصادر ـ اقصد من المصادر الرسمية والخاصة ـ مع استعمال ذلك التمويل لاعطاء افضل اعداد، او تكييف ممكن لمسرحنا المعاصر أجل مسرحنا في كل مظاهره ونواحيه. أقصد لن يكون الغرض هنا تقديم برنامج إعاة، سيكون الامر عبارة عن معالجة واقعية للمسرح المعاصر ضمن أفضل المعايير التي نعرفها. وهذه بالطبع هي الخطة التي تصبو اليها مؤسسة المسرح العام الأميركي كما انها الخطة التي نعتقد ان «المسرح الوطني الأميركي» يأخذها بعين الاعتبار.

ترجمة واعداد فوزي محيدلي
almustaqbal
عن كتاب حوارات منشورات اختلاف / بيروت