من اصدارات المدى:الجادرجي..والنظرية الجدلية في العمارة

من اصدارات المدى:الجادرجي..والنظرية الجدلية في العمارة

تأليف: رفعة الجادرجي
الناشر: دار المدى – طبعة جديدة منقحة – 2013
مراجعة: فريدة الأنصاري
بعد الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من تطورات سياسية واقتصادية ظهرت متطلبات اجتماعية جديدة نتيجة عوامل كثيرة مما أثر على البيت البغدادي فأصبح بشكله التقليدي غير قادر على إشباع المطلب الجديد.فكان لزاماً على المعماري أن يجد شكلا جديدا لتلبية هذا المطلب الجديد.


في هذا الكتاب"الأخيضر والقصر البلوري – نشوء النظرية الجدلية في العمارة"يضع احد ابرز مهندسينا المعماريين الحلول للمتطلبات الجديدة الملائمة لتراثنا المعماري.واضعا النقاط الأساسية لنظريته( جدلية العمارة)وهنا في مقدمة الكتاب في طبعته الجديدة التي حرصت دار المدى على إعادة طبعه تقدم د. رهف فياض المبادئ الأساسية لنظرية الجادرجيتضعها امام أعين جميع المختصين في الهندسة المعمارية.
تشير د. رهف فياض إلى بعض النقاط الأساسية من نظرية الجادرجي في فن العمارة التي أصطلح على تسميتها"جدلية العمارة".
فعقل الإنسان وإرادته كما يؤكد الجادرجي هما اللذان يسيرا الدورة الإنتاجية ويحدثان التغييرفي بنية الأداة المادية التي يستعملها الإنسان لتلبية حاجاته وللحفاظ على حياته والتي يطلق عليه"بنية المصنعات".
ومن هذا المنطلق تتطرق د. رهف إلى الدورة الإنتاجية والعمارة الحرفية والمكننة ومراحل تطور العمارة التي نصت عليها طروحات الجادرجي.
اما تطورفن العمارة فيوجزه الجادرجي في اربعة مراحل تتمثل في: -

1- مرحلة الإنسانيات الأولى. حيث استعمل الإنسان المادة لتلبية حاجته كما هي من غير أن يحدث عليها أي تغيير.
2- مرحلة الإنسان العاقل التي جسدتها مرحلة الصيد وابتكار تقنيات جديدة.
3- مرحلة المعاصرة: حيث تغير الإنسان تغيراً جذرياً نتيجة احتكاكه بالمادة وتفاعله المباشر بالمادة وأثناء تغييره لها فحقق فائض في الإنتاج وتغيراً في المادة الخام.
4- مرحلة عصر النهضة وعمارتها: حيث تميز بظهور المكننة والمصنع اللذان مهدا لابتكار عمارة المكننة.
وللوصول إلى تطبيقات عملية لهذه النظرية نجد المؤلف يروي همومه في الوصول إلى حلول تطبيقية معمارية تتوافق مع البيئة الاجتماعية القائمة ومع التطور الحاصل وعلاقته وترابطه مع الغرب والحداثة مستذكراً جواد سليم وعزيز علي وحقي الشبلي وعبدالله احسان كامل ومدحت علي مظلوم وغيرهم من الأدباء والفنانين والمهندسين الذين كانوا سندا له في حياته العملية.
فيالجزء الأول من الكتاب يراجع الجادرجي مع نفسه الأخطاء وعوامل الفشل في بدايات اعماله وأسباب وقوعها مستنتجاً ثلاث اسباب للاستنباط: -

1 - العجز في قدرته التصميمية من ناحية الهيمنة على التكوين ككل ومن حيث عدم تتبع الموتيف في اجزاء عناصر التصميم واستحداثه.
2 - – التنفيذ السيئ اما بسبب سوء اختيار العمال الماهرين أو بسبب مجئ التصميم بتعقيد أكبر مما تقوى على تنفيذه القدرة المتوفرة.
3 – عدم قدرته على مقاومة الطلبات المتواصلة التي تنهال عليه من صاحب العمل في التغيير والتعديل، لا سيما بعد بدء المباشرة بالعمل.فأحداث اي تغيير يجب ان يكون قبل البدء بتنفيذ العمل لإجراء تعديل شامل على التصميم،وأما بعد أن يكتسب التصميم طابعاً معيناً فهو أمرٌ غير مقبول يسبب ارتباكاً بالعمل والتصميم..وفي هذا السياق يبين في الفصول اللاحقة من الجزء الأول من الكتاب معوقات العمل عند تصميم نصب الجندي المجهول "القديم"ونصب الحرية والحوادث والمطبات التي وقع فيها فريق العمل وعلى رأسهم الفنان التشكيلي جواد سليم. فيذكر كيف كلف من قبل مجلس أمانة العاصمة بوضع تصاميم لثلاثة نصب تذكارية لتخليد ثورة 14 تموز ومن بين تلك النصب كان نصب الجندي المجهول الذي حدد عبد الكريم قاسم موقعه في ساحة الفردوس وإصراره على أن يكون النصب في هذه الساحة، باعتبارها موقعاً متميزاً لمرور الجيش البريطاني عند احتلالهم لبغداد في الحرب العالمية الأولى. ويمضي في تسليط الضوء على هذا النصب الذي أزيل من ذاكرة الجيل الجديد بعد أن وضع مكانه نصب لتمثال صدام ازيل التمثال في عام 2003 وبقي مكانه خالياً يذكرجيل الستينات والسبعينات بنصب الجندي المجهول.بعد أن يروي لنا المصاعب التي لقيها في اساليب التحدب على النصب ينتقل إلى نصب 14 تموز في ساحة التحرير فيحدثنا على إصرار قاسم على نحت صورته في جدارية نصب 14 تموز وبالمقابل اصرار الجادرجي وجواد سليم على عدم نحت صورة الزعيم.
وقبل أن يعود بذاكرته إلى عام 1963يحدثنا بأسلوب المعماري المتميز عن العقد"الطاق"واستحداثه الجدار الثاني.
الجزء الثاني من الكتاب يتناول سيرته وتطور الفن المعماري العراقي من سنة 1963لغاية عام 1974وبعض ما حدث له في السنوات العجاف. فيسرد لنا كيفية تعاملت العمارة مع المادة مثل الحجارة والخشب والزجاج والكونكريت وموقع العمل مبيناً المؤثرات التصميمية، ومن خلال ذلك يبين أثر اللقاءات الفكرية مع عدد من الشخصيات الثقافية والتشكيلية على تصاميمه، مشيراً إلى تأرجحه بين الإنجاز والإحباط. ليكَوْن كل ذلك سنده النظري في جدلية العمارة. باستثناء ما يتعلق بنظرية القيمة التي يتطرق إليها في الفصل الأخير من الكتاب مبيناً كيف تغير الجو المهني بتغير المجتمع العراقي في المراحل اللاحقة بعد ثورة 14 تموز حيث تغير موقف الزبون الذي كان يتمثل بمؤسسات القطاع العام فلم يكتف بجعل موقفه لا سوقياً بل دمج معه عاملاً آخر خطراً في الوقت ذاته إلا وهو عامل الالتزام سواء كان عقائدياً أو سياسياً أو طائفياً أو قبلياً فانقلبت العلاقة من ارتباط اسمي أو معنوي إلى التزام عقائدي من هذا المنظور كما يؤكد د. الجادرجي تم تغيير اتجاه تطور وظيفة نقابة المهندسين وكذلك مختلف النقابات والجمعيات فانقلبت من مؤسسة ترعى مصالح مهنتها إلى مؤسسة ترعى شؤون رقابة الدولة على فكر هذه المهنة ومن ثم أداة مسخرة لسياسة الحاكم .

بعد قراءة هذا الكتاب الذي وثق فيه هذا المعماري المتنور والفيلسوف تجربته مع فن العمارة وقدم مفهوم بنيوية العمارة. وبتصاميمه التي نقلها إلى القارئ عبر عدد من الصور قد أضفى على العمارة نكهة مختلفة وجعل الحجر والزجاج ينطق بالجمال فيبدو لنا كمنحوتة فنية مميزة.