السيدة زينب.. وارثة الأحزان وباعثـــــة الضمــــير

السيدة زينب.. وارثة الأحزان وباعثـــــة الضمــــير

خيرى شلبى
روائي مصري راحل
كأن شيئًا غير طبيعي كان يحدث في الكون يوم مولد هذه الحفيدة علي وجه التحديد من عترته عليه الصلاة والسلام، لكأن الغيب قد شفت مراياه السماوية في بصيرته النفاذة المربوطة أبدًا بخط ساخن مع السماوات العليا لا يكف عن الهتاف به في كل صغيرة وكبيرة تقتضي تعليقًا أو تشريعًا أو تكريسًا.. وكان صلوات الله وسلامه عليه قد تلقى مهاتفة ــ أشبه بالمواساة ــ من جبريل عليه السلام ــ فيما تذكر سنن ابن حنبل ــ يوحي إليه فيها بأن سيتم مصرع حفيده الحسين وآل بيته الكرام في كربلاء.

وفي كتابه (الكامل) يقول ابن الأثير إن الرسول أعطى زوجه أم سلمة حفنة من تراب أتى بها أمين الوحي من التربة التي سيراق فوقها دم الحسين وقال لها إذا صار هذا التراب دمًا فقد قتل الحسين، فادخرت أم سلمة هذا التراب في قارورة خبأتها بين متاعها، وذات يوم انقبض قلبها فجأة لسبب غير ظاهر فتذكرت القارورة فنظرتها فإذا التراب فيها قد صار دمًا، فأيقنت أن الحسين بن علي قد اغتيل في تلك التربة فاندفعت إلى الخلاء مرتاعة تذيع النبأ.
ولكن، هنالك دائمًا في الغيب أشياء تبقي طي الكتمان مهما كشف الرب لنبيه وصفيه الحبيب من أسرار.. ربما اشفاقًا منه سبحانه وتعالى على أصفيائه في ما يختص بمصائر أصفيائهم ولهذا ــ ربما ــ أمسك جبريل عن بقية الخبر أو عن جزء منه يتمثل فيه جانب اللطف من الله عند وقوع الكارثة؛ وهو الجانب الذي اختيرت له هذه الحفيدة في دفتر الغيب لتكون ملاك رحمة للمقاتلين من آلها تطيب الجروح والنفوس؛ هو كذلك جانب كان في منتهي القسوة لا يمكن أن يتحمله بشر على الإطلاق؛ إلا أن الله قد ألهمها الصبر والقوة وصحوة العقل ويقظة الشعور؛ حيث قد كتب عليها سبحانه وتعالى أن تكون أمًا رءوما بمضي الكلمة لجيش بأكمله من بني هاشم، وأن تكون ثكلي جديدة بين برهة والتي تليها والى مالا نهاية، وأن تعود في نهاية الرحلة المشئومة بمفردها إلا من على الصغير بن الحسين وبعض فتيات من لحمها صرن معها مجرد سبايا ليزيد بن معاوية الذي استطاع بنفوذ الشر المتأصل في جيناته الوراثية من الجد والجدة أن ينفق أموالاً طائلة يحرف بها أهل الكوفة من أنصار الحسين ويكتري من يسفك دمه، فدحر بذلك «جيش الضمير»، استأصل شأفة بيت النبوة وقطع دابر نسله وشرد ما تبقي من العترة الشريفة.. إلا أن كل هذه الانتصارات الدنيوية الساحقة الماحقة لكل حصاة قد تعرقل خطو الطغاة باسم الخلافة، لم يكن انتصارًا حقيقيا ينعم به المنتصر؛ ذلك أن الحفيدة ذات الحسب والنسب والطهر الغامر من جميع الجينات، السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه الشريفة خديجة أم المؤمنين، كانت هي صوت الضمير الإسلامي الإنساني الذي استحال قتله مع نيف وسبعين نفسًا شريفة بريئة طاهرة هم كل ما ضمه ركب الحسين في كربلاء في مواجهة جيش عرمرم مكون من بضعة آلاف مزودين بكامل العدة والعتاد ناهيك عما امتلأت به جيوبهم من الرشاوي الممنوحة للجند كهبات وكأجور صريحة، هجموا على أبناء النبي بضراوة؛ ولكن صوت الضمير هو صوت الله ولابد لله أن ينصره، متجليا في صوت السيدة زينب التي راحت تجلد الطغاة وتنكد عليهم عيشتهم ليل نهار وتؤلب عليهم ضمائر القوم حتى نفاها يزيد الى مصر التي اختارتها، وقد خرجت أمواج نهر النيل تستقبلها؛ لم تمكث في أرض الكنانة إلا نحو عام ثم لبت نداء ربها، لتتحول الى مقام رفيع وقيمة إنسانية عليا في حياة المصريين؛ أبدا هي لم تمت على الإطلاق وإن ووري جسدها التراب؛ إنما هي كيان حي بكل المعاني، له حضور قوي في الحياة، في المكان، في الزمان، في أفئدة القوم، إنها العضو المضاف الى كل عائلة في الشعب المصري هيهات أن يتمتع حتى رب الأسرة بما تتمتع به السيدة زينب من توقير وتقدير ورهبة وعشم ومحبة من جميع أفراد الأسرة، ويأتي المصريون من أبعد القري والعزب والدساكر والكفور لزيارتها كواجب مقدس لا يتأخر عنه أحد إلا لعذر قهري؛ وإنهم ليخاطبونها على القرب أو على البعد كأنها تسمعهم وتبادلهم الحوار بود وحميمية، ومنهم من يحج إليها بعد سنوات طويلة ليستأنف معها الكلام في مشكلة قديمة لها ملف عندها؛ ومنهم من يكتب لها رسائل شخصية على ورق ويضعها في صندوق نذورها؛ وما قنديل أم هاشم الذي تتداوي العيون بزيته ببعيد عن الأذهان بعد أن خلدها يحيي حقي في واحدة من أبدع الروايات العربية كما يشخصه كل من شكري سرحان وسميرة أحمد في فيلم سينمائي من إخراج كمال عطية.
على ذكر الروايات والأفلام فإن قصة السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب تتضاءل أمام هولها دراما الكون نفسه.. ولو أن تراثنا هذا كان مرئيا بعين صافية مبرأة من التحزبات الدينية والميول المذهبية لكان لمثل هؤلاء الأبطال العظماء حضور حقيقي فعال في حياتنا غير هذا التواجد الشكلي وإن كان قويا صاخبًا؛ فالجدير بالأسف حقًا أن الملايين من عشاق أولئك الأبطال مجرد دراويش قد يجهل الكثيرون منهم طبيعة هذه الشخصية أو تلك وما مدي أهميتها وما جوهرها الحقيقي الذي أدي الى تخليدها! كل ما يعرفونه قشور متناثرة مختصرة فيها من الشعوذة أكثر مما فيها من حقائق كما أن فيها من المرعوش العاطفي أضعاف ما فيها من المعلوم اليقيني الدال إنه لمن الخطر أن تتحول القيمة الى رمز، فيتحول الرمز الى أسطورة، تظل تتصادم بالواقع على مدي الأزمان وعبر هذا الصدام يضمحل المحتوي القيمي ولا يبقي سوي الشكل الرمزي ضريحًا نقيم له الموالد والنذور والأضحيات ونستبرك به ونستعين به على قضاء الحاجات الدنيوية!.. لذا فقد وجب علينا القيام برحلة ــ ولو خاطفة ــ بين ملامح هذه الأم الرءوم التي حصرها المصريون في وصف نابع من صدق مشاعرهم في الارتباط بها والإحساس برحابها المتسع دائمًا لذوي العاهات البدنية والنفسية من طالبي عونها على الستر في الدنيا والآخرة: أم العواجز، هكذا يناديها عامة المصريين وهم جميعًا من دراويشها، في حين يناديها المتعلمون بأم هاشم؛ لا بأس فإن الوصفين يعكسان حميمية راسخة.. فما بالك لو جسنا بين ملامح هذا الوجه الكريم وعرفنا كيف يلد الطهر ضميرًا حيا، وكيف يبني الضمير على أسس ركينة مكينة ذات إشعاع إنساني بحيث يتحول الضمير من معني مجرد الى تشخيص إنساني ذي كيان مجسد، وكيف تنشأ في المقابل جراثيم شريرة تتشخص في كيانات مفترسة تخرج من المعارك منتصرة دائمًا ليس لقوتها وإنما لارتكازها على وضوح الضمير مما يسهل الكيد له، وعلى عدم خبرة الضمير بأساليب الشر المجربة كما لا قبل له باحتمال القسوة فما بالك بالقدرة على سفك الدماء الزكية!
كان «المحسن"هو ثالث بطن تنجبه فاطمة الزهراء كرم الله وجهها بعد «الحسن» و«الحسين"اللذين شغف بحبهما جدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانا نور عينيه. لكن «المحسن"لم تقدر له الحياة فمات طفلاً. ثم حملت الزهراء للمرة الرابعة قيل إن جميع المسلمين كانوا، لأمرها، يترقبون موعد وضعها بشغف كبير هذه المرة حتى لكأنها ــ الزهراء ــ ابنتهم جميعًا وكأنهم لم يمارسوا فرحة الإنجاب من قبل وها هم أولاء شغوفون بمولد ذلك الذي ينمو في بطن الزهراء. كان صلوات الله وسلامه عليه لايزال قلبه ينفطر على فقده ابنته البكر التي أنجبها من السيدة خديجة وكان اسمها زينب؛ كانت قد تزوجت من ابن خالتها أبي العاص بن الربيع بن عبد العزي بن عبد شمس؛ وبعد نزول الوحي على آخر المرسلين وخاتم النبيين ما كاد يجهر بدعوته مبشرًا ونذيرًا لذلك المجتمع الطبقي الذي تسيطر عليه قريش حتى قام أبو لهب عم الرسول بطرد ابنتي الرسول: «رقية"و«أم كلثوم"من بيته حيث كانتا زوجين لولديه: «عتبة"و«عتيبة»؛ ذلك أن أمهما ــ أم جميل التي كانت تحمل الحطب لأبي لهب كي يقذف به الرسول الكريم ــ حرضت زوجها أبي لهب على ذلك الطرد؛ وبعد طلاقهما تزوجهما عثمان بن عفان أمير المؤمنين فيما بعد واحدة بعد الأخري أو على الأصح بعد رحيل الأولي؛ وكانت زينب بنت النبي قد أسلمت فيما لم يسلم أبو العاص إلا أنه كان شديد الحب لزينب، فلما كانت غزوة بدر أسره المسلمون ضمن رهط من قريش، وكانت زينب آنئذ في مكة فبادرت لافتدائه ولم تكن تملك إلا قلادة ذهبية مهداة لها من أمها السيدة خديجة، فبعثت بها كفدية لأبي العاص؛ وقد فوجئ النبي عليه الصلاة والسلام بالقلادة فتعرف عليها وهزته المفاجأة فطلب صلوات الله عليه من رفاقه ــ في ود وتواضع وأخوة ــ أن يترفقوا بزينب ويطلقوا سراح زوجها إذا اقتنعوا بموقفها، فأفرجوا عنه، فلما استقام أمره واهتدي الى الإسلام وأصبح جديرًا بعودة زوجته إليه، إلا أنها وهي في طريقها الى المدينة وهي حامل التقاها في الطريق أحد المشركين فنخسها بالسيف في بطنها فأجهضت ثم تدهورت صحتها فلقيت ربها مأسوفًا على شبابها.
بعد طول ترقب وضعت الزهراء مولودها الرابع أنثى؛ فهتف عليه الصلاة والسلام باسم خالتها: زينب.. ولقد ألمح المؤرخون القدامي، وأيد بعض المحللين المحدثين، الى أن الزهراء كرم الله وجهها أثناء حملها في زينب كانت في حالة نفسية غير منبسطة بما يقارب الاكتئاب، عزته بنت الشاطئ الى حزنها على أمها السيدة خديجة واحتلال السيدة عائشة مكانة أمها التي جاهدت وكافحت وأنفقت، وصحيح أنها لم تنل نفس المكانة في قلب رسول الله إلا أنها تمتعت بحق التدلل على أمهات المؤمنين نظرًا لشبابها الغض، وكان أكثر ما يشق على الزهراء أنها ــ السيدة عائشة ــ استولت على مكانتها هي التي شغلتها بضع سنين بعد رحيل أمها، ولم تنف بنت الشاطئ ما قد يقوم بين الابنة ــ حتى وإن كانت الزهراء ــ وبين زوج الأب من مشاعر تبعث على القلق وهذا ما لاحظته السيدة عائشة نفسها وتحدثت عنه في بعض حديثها المتأخر. وقد أجمع المؤرخون ــ عربًا وأعاجم ــ على أن الطفلة الوليدة، الموعودة بمهمة ينوء بحملها كافة البشر مشحونة بالعذاب والقسوة في أبشع صورها ــ استشعرت منذ نعومة أظافرها جوًا غير مشرق تمامًا وإن توفرت فيه كل المطالب، وسرعان ما بدأت تعي شيئًا فشيئًا أن وراء حزن أمها الزهراء لسر لا يني يتجدد كل حين ثم ما لبث حتى أسفر عن إحساس بأن أمها الزهراء قد سرق منها كنز ثمين تعرف جيدًا من الذي سرقه لكنها تكتم في نفسها فلا تصرح به أبدًا.
على أن الطفلة حظيت بمهد علمي وتربوي لم تحظ به طفلة من قبل ولا من بعد، لا غرو فإنه بيت النبوة، بيت النور والورع والتقوي، تتردد فيه آيات القرآن الكريم صبح مساء وفي كل لحظة في كل أمر من الأمور، أحاديثه صلوات الله وسلامه عليه لآل بيته ومريديه وصحابته ورجال دولته، ناهيك عن علي بن أبي طالب وما أدراك ما علي: نهج البلاغة ولسان الحق وفلسفة الإسلام وتجلياته. كبر عقل الطفلة بسرعة مذهلة فوق سن الحضانة بات يتجاوز بالنضج المبكر كل مرحلة من مراحل العمر حتى ليكاد يجزم من يراها أنها تعرف كل شيء في الدنيا لدرجة أن من تولوا تدريسها وتعليمها من خيرة كبار الأئمة والعلماء والمعلمين شهدوا بأنهم كانوا يشعرون عند تأدية الدرس كأنهم يعرفونها على شيء تعرفه هي من قبل بل وتستوعبه أحسن استيعاب بل وتستطيع أن تتحدث عنه وتجمله في عبارات سلسة موجزة غاية في الدقة والبيان.
أول صدمة هزت طفولتها من الأعماق ووقفت أمامها خرساء ذاهلة كانت رحيل جدها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وهي بعد في الخامسة من عمرها؛ ولعلها كانت تدرك بفطنة القرب الحثيث والذكاء الفطري الخاص أن الله قد وفق جدها في فتح مكة وتطهيرها من الأوثان والتفاف الأقوام حوله من كل حدب وصوب يخطبون وده، يطلبون منه الشفاعة والغفران ليحسن إسلامهم بأكبر قدر ممكن من الطهر والعفاف. قدر للطفلة البريئة الواعية الذكية أن تري جثمانه مسجي في غرفة السيدة عائشة، والمرجح أنها تابعت عملية تكفينه ومواراته الثري ثم العودة بدونه بكل بساطة، ووعت حقيقة الموت في لحظة الاستخلاف وهي رهيبة إذ تعني أن جدها العزيز العظيم لن يظهر في حياتها ثانية ولن يحملها ويجعلها تركب فوق كتفيه أو على ظهره ليزحف بها فوق الأرض على أربع كالجواد. لعلها وعت درسًا آخر أشد عمقًا وإيلامًا إلا أنه أسهم في تكبير قلبها مبكرًا؛ فحين ثقلت وطأة حزنها الخاص لشدة إحساسها بأن انقلابًا مروعًا قد حدث في الكون برحيل جدها، لم تجد من يحمل عنها بعضًا منه؛ كان واضحًا للعيان أن أمها الزهراء في حزن عظيم مقيم يصعب وصفه ويستحيل على امرئ أن يتحمل ظلاً مفردًا منه، هي نفسها في أشد الاحتياج لمن يخفف عنها عبء الكارثة؛ أما أبوها الإمام على فإنه كان كالواقع بين حجري رحي، كأني به لم يفق من ذهول صدمته في رحيل رسوله وهاديه الكريم فيفاجأ بالجحود والإنكار كأن مكانته في بيت النبوة ومكانه من الجهاد الباسل في سبيل تثبيت دعائم الإسلام لم يكن لهما أدني اعتبار؛ وكان ذلك من أشد ما آلم الزهراء وكدرها فوق كدر؛ من فرط شعورها بالغبن وشدة إشفاقها على زوجها كانت ــ فيما تقول الدكتورة بنت الشاطئ ــ تخرج في المساء على دابة يقودها على وتطوف بمجالس الأنصار مجلسًا مجلسًا تطلب لزوجها النصرة والتأييد، فيعتذرون لها بأن البيعة قد سبقت الى أبي بكر وأن عليا لو سبقه إليهم لاختاروه دون منازع؛ فكان كلاهما ــ الزهراء والإمام ــ يبديان الدهشة ويقول علي: أفكنت أدع رسول الله في بيته ولم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه؟! إنه موقف لا يخلو من طرافة إلا أنه مأساوي الى حد الفجيعة. وما شعور الفجيعة هاهنا إلا ما استقر في وجدان هذا البيت من يقين بأن الخلافة قد سرقت منه، لكأن الدعوة الإسلامية نفسها قد خرجت من بيت النبوة الذي كابدها واكتوي بنارها. وحسب فهمي لشخصية الإمام علي بن أبي طالب فإن الخلافة في نظره كانت مرتبطة بالدعوة التي كانت في نظره لا تزال محتاجة لمزيد من البذل والكفاح، من هنا فحسب كانت لهفته عليها وكان توجسه من رحيلها الى بيت آخر أيا كان هذا البيت، سيما وأن الخلافة في شرعته لم تكن تعني أي لون من الأبهة أو التسلط أو التملك أو أي شيء من زينة الدنيا.
الطفلة التي لم تكن بطفلة كانت تدرك حجم الآلام من حولها، الأب والأم والحسن والحسين، تتعاطف مع كل منهم على حدة كأنها الوحيدة في البيت العلوي قد أنيط بها حمل هم الوجوم الذي يعتلي وجوه الجميع دائمًا، تكاد تستشعر ما يعتمل في صدر كل منهم من خواطر وأحزان وآلام؛ كلهم يمكن احتمال أحزانهم إلا أمها الزهراء صارت لا تكف عن البكاء ليل نهار وتكاد لا تغادر مدفنه تحسو ترابه على رأسها ووجهها تعجنه بدموعها حتى ساءت حالها مما اضطر الكثيرين من أحباب الرسول مثل أنس بن مالك وغيره الى التوسل إليها بأن ترحم نفسها، ولكنها كانت ذاهلة عن نفسها، كانت روحها قد غادرت مع أبيها، ولم يحتمل جسدها حدة الألم أكثر من ثلاثة أشهر أو أكثر أو أقل بأيام ثم نفق، فووري التراب بجوار أبيها.. وتلك كانت الصدمة الكبيرة الثانية في حياة حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم: مواجهة الموت في فقد عزيز لديها إذ تراه يتم تكفينه بعد تغسيله أمامها ثم يواري التراب الى غير عودة؛ إلا أنها في هذه المرة لم تكن في حاجة الى من يخفف عنها ثقل أحزانها المتندرة في قلبها بل كانت تشعر بأن من أهم واجباتها اليوم أن تحمل هي نقل أحزان أبيها وأخويها الحسن والحسين، أن تكون في حياتهم بمثابة الأم مانحة العطف والحنان. كانت الزهراء قبل الرحيل قد أنجبت لزينب أختًا هي أم كلثوم، وامتلأ البيت بزوجات أخريات لأبيها: أم البنين بنت خزام التي ولدت العباس وجعفر وعبد الله وعثمان، وليلي بنت مسعود التي أنجبت عبد الله الثاني وأبا بكر، وأسماء بنت عميس التي أنجبت محمد الأصغر ويحيي؛ والصهباء بنت ربيعة التغلبية التي أنجبت عمر ورقية؛ وأمامة بنت أبي العاص ــ أمها زينب بنت الرسول ــ التي أنجبت محمد الأوسط، وخوله بنت جعفر الحنفية التي أنجبت محمد الأكبر الشهير بابن الحنفية، وأم سعيد بنت عروة بن مسعود التي أنجبت أم الحسن ورملة الكبري، ومخبأة بنت امرئ القيس بن عدي الكلبية التي أنجبت بنتًا ماتت صغيرة؛ إضافة الى عدد من الجواري والإماء جعلت البيت العلوي يعج بالحياة والحركة إلا أن الفراغ العاطفي كان يضرب أطنابه في قلوب الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم الذين أصيبوا بمرارة الفقد لأمهم بنفس العمق الذي أصيبت به أمهم الزهراء حزنًا على رحيل سيد الخلق أجمعين. لم تكن زينب في احتياج الى وصية أمها التي ألقت بها إليها وهي على فراش الرحيل، فلقد كانت واعية بما هو منوط بها من دور يجب أن ترتفع بنفسها الى مستوي جسامته: أن تكون أمًا للحسن والحسين وأم كلثوم؛ وكان سموق الأمومة في صدر هذه الصبية اليافعة قد صار وارفا يطرح ظله على أبيها أيضًا، حيث كانت تدرك أنه برغم إحاطته بكل هذه الزيجات يبقي الممحون الأكبر برحيل الزهراء.. باتت أمًا كبيرة وهي في سن العاشرة من عمرها؛ ويبدو أن القدر كان يمكن لها من هذا الدور فتزوجت أختها أم كلثوم ــ وهي أصغر منها وفي سن مماثلة لسن السيدة عائشة يوم تزوجت من رسول الله ــ من عمر بن الخطاب. ولقد دار عليها الخطاب من فتيان بني هاشم فاختار لها أبوها أجدرهم بها عبد الله بن أخيه جعفر بن أبي طالب أول طالبي يقتل في الإسلام، وكان ابنه عبد الله من أجود أهل زمانه. أنجبت له عليا ومحمدًا وعونًا الأكبر وعباسًا وبنتين إحداهما أم كلثوم. ولم يكن الإمام على ليفرط في ابنته بسهولة وهي التي باتت طيفًا مجسدًا من أمها الزهراء يجعل لحياته طعمًا ومذاقًا، كما أن بنت الزهراء التي تبنت الإخوة والأب عاطفيا كان من المستحيل عليها مغادرة البيت العلوي العامر بعطر أمها الزهراء الى أي بيت آخر. فبقيت مع زوجها في بيت أبيها الذي هو في نفس الوقت بيت عمه. فلما ولي الإمام على الخلافة على المسلمين وانتقل الى مقر الخلافة في الكوفة أخذ البيت كله معه سيما أن عبد الله بن جعفر كان ذا مكانة بارزة بين أمراء جيش عمه وبخاصة في معركة صفين جنبًا الى جنب الحسن والحسين وباقي الإخوة. أيامئذ كانت بنت الزهراء قد امتلأت بوعي سياسي واجتماعي الى جانب اغتنائها بالمضمون الديني العقائدي وأصبحت مسألة الخلافة في وعيها تعني تهيأة المناخ للإفراج عن الضمير الإنساني المحبوس وراء نوازع من الخوف أو الجبن أو الحرص على مصلحة، ذلك أن العقيدة الإسلامية في جوهرها الذي اتصلت به واتصل بها من ينابيعه الأصلية الأصيلة هي تحرر الإنسان من العبودية للإنسان وللوثن، ليصير الإنسان حقيقيا لا يعبد سوي الحق الأعلى يتقيه في كل فعل وكل قول وكل نازعة شريرة تمر بخاطره. ومثل الحسين كانت لها مجالس علم؛ وبرغم اعتكافها الدائم سواء في المدينة أو في مكة فإن إشعاع بلاغتها وأفكارها النيرة قد وصل الى مجالس كبار الأئمة فتبهرهم أقوالها وأفكارها الموجزة المفحمة.
في دار الخلافة كان قلبها ينفطر على أبيها الإمام هو يعيش ملحمة النضال المروعة من معركة الجمل الى معركة صفين مع معاوية الى معركة النهروان مع الخوارج والأكدار تلاحقه ــ وتلاحقها ــ ألوف المرات مع ألوف القتلي والجرحي من الأعزاء المطلوب تمريضهم أو التعرف على جثثهم أو البحث عن منافذ لدفنهم بما يليق بإنسانيتهم. وفي ليلة الجمعة لتسع عشرة خلون من رمضان عام أربعين للهجرة خرج الإمام كعادته لصلاة الفجر في المسجد الأعظم بالكوفة؛ فإن هي إلا برهة وجيزة حتى انشرخت السماء فوق دار الخلافة بصيحات الله أكبر الله أكبر بنبرة استغاثة هلعة لا نبرة إقامة الصلاة، فانشق قلب زينب من هول الضجة التي ارتفعت بأصوات متداخلة مضغومة تختلط فيها أصوات الحروف بأصوات النحيب وعبرات البكاء المتدفق؛ أيقنت في الحال أن الإمام قد ناله مكروه غادر خبيث؛ باقتراب الضجة من باب الدار اتضحت الكلمات قاسية صارمة محددة: قتل أمير المؤمنين؛ جيء به محمولاً على الأعناق بطعنة مسمومة من سيف ابن ملجم الخارجي الذي جيء به مكتوف اليدين لتلقيه أم كلثوم صارخة في وجهه: «أي عدو الله! لا بأس على أبي، والله مخزيك»، أما زينب فقد لاذت بأبيها تحاول تأجيل رحيله بكل ما في وسعها من تمريض ودعاء وصلوات ومتابعة لفحوصات أطباء الكوفة الذين حاروا في تفاقم جرحه الى أن جاء «أثير بن عمرو بن هانئ» وكان جراحًا فدقق في فحصه ثم قال في يأس وأسف: «يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته الى أم رأسك». وبرحيل الإمام تكون بنت الزهراء قد تلقت الصدمة العظمي للمرة الثالثة حيث لفظ الإمام روحه على صدرها ليلة الأحد. رحل ولم يخلف وراءه شيئًا من متاع ينفق منه عياله، لم يخلف سوي الحسرة في قلب زينب على ما يحيق ببيت النبوة من دمار يخطط له معاوية الداهية وتباركه السيدة عائشة لما بينها وبين الإمام على من إحن ترجع الى زمن حديث الإفك حينما اقترح الإمام على الرسول تطليقها. وبنت الزهراء والإمام لا تزداد بالمحن إلا صلابة واستمساكًا بقوة الإيمان إذ هي لا تزال على قناعة راسخة بأن الضمير الإنساني المتمثل في التقي والورع لابد له من صحوة قادمة عارمة لأنه الملاذ الحقيقي الوحيد لبني الإنسان على هذا الكوكب الأرضي. لقد بويع أخوها الحسن من أشد المشفقين عليه نظرًا لشدة ورعه وشدة دهاء معاوية؛ فليس في يمين الحسن إلا سيف الحق والعدل الإلهي وهو بدوره يحتاج لسواعد الأشداء في مواجهة معاوية الذي يملك جميع أنواع السيوف؛ ولكن أهل الكوفة خذلوه، عزلوه وإن بقي على عرشه؛ أبت عليه كرامته أن يبقي مجرد واجهة ترتكب باسمها الموبقات وهو عاجز عن ردها؛ أخذها من قصيره، رأي نفسه قد بات منتهبًا مهانًا بالمعني الحرفي للكلمة يتجرأ عليه السفلة يأخذون مصلاه من تحته، ينزعون الشال عن كتفيه والملابس عن جسده ويتركونه جالسًا عاريا يتقلد سيفه، بل إن أحدهم ساطه بلجام بغلته، وطعنه أحدهم في فخذه، فما كان منه إلا أن تنازل عن الخلافة طوعًا لمعاوية بعد أن بات «ملطشة» لسفلة الكوفة بتحريض من القوي الشريرة الخربة الضمير. الواقع أن بنت الزهراء استراح خاطرها لتنازل أخيها عن الخلافة طلبًا للأمان المفقود ودرءًا للعدوان الممدود؛ إلا أن معاوية الداهية المخطط لتوريث الخلافة ضاربًا بقوانين الدعوة وشرع الله عرض الأفق، احتال على زوج الحسن «جعدة بنت الأشعب بن قيس"فبعث إليها يغريها بمائة ألف درهم وتزويجها من ابنه يزيد إن هي وضعت السم في الطعام لزوجها الحسن؛ فوافقت تحت تأثير الإغراء، نفذت جريمتها، مات الحسن مسمومًا، ذهبت الفاعلة الى معاوية تطلب تنفيذ وعوده، فأعطاها المائة ألف درهم واعتذر لها عن الزواج قائلاً إن حياة ولده غالية عليه.
يا رباه! لكأن بنت الزهراء لم ترث إلا الهموم وهموم الهموم، لكأنها في امتحانات متعددة الفصول والحلقات ما أن تحصل على شهادة عليا في الصبر والاحتمال والرضاء بقضاء الله حتى ينبثق في الأفق أمامها طيف امتحان أقسي بنيل شهادة أعلي. ها هي ذي تدفن أخاها الحسن في رحاب أمها الزهراء بالبقيع واسترسلت تستخلص الدروس والعبر مما جري؛ فإذا بها بالامتحان الأكبر والأعظم يطرق أبواب الأفق المرئي بدعوة معاوية ــ بعد ست سنوات من وفاة الحسن ــ الى البيعة لابنه يزيد من بعده. الأمر إذن لخطير؛ فهذا ليس فحسب اعتداء على حق آل بيت النبوة بل إنه الى ذلك اعتداء على الإسلام نفسه بتحويل الخلافة الى مملكة في أمة لا ملك فيها إلا الله سبحانه وتعالى فكيف يغتصب ملك الله من كانوا ألد أعداء وجند الله وساموهم سوء العذاب وعرضوا نبيه وأهانوه؟! لكن الأمر قد أصبح واقعًا، بايع الناس بالفعل واعتلي يزيد عرش الخلافة في شهر رجب من عام ستين للهجرة؛ وما يزيد آنذاك إلا ولد تافه قليل الخبرة معدوم الدهاء سميك الحس متبلد العاطفة لاهٍ لا يفيق من سكرة الخمر إلا ليتذكر الخمر والجواري وموائد النعيم العميم غير مقطوعة لا ممنوعة. قد حذره أبوه معاوية من ثلاثة: الحسين بن على وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير؛ وحينما تلقي الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، أمير المدينة ــ غداة موت معاوية ــ الأمر بأخذ بيعة هؤلاء قسرًا ليزيد، استشار مروان بن الحكم فقال له: ابعث الساعة الى هؤلاء النفر فتدعوهم الى البيعة والدخول في الطاعة فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم وإن أبوا قدمتهم فضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية. وهكذا بعث الوليد في طلب الحسين، فدارت بينهما مناقشة حامية الوطيس أُفحم فيها الوليد وخرج الحسين من عنده ناجيا غاضبًا من تهديد مروان له بالقتل جهرًا. أفضي الحسين لآله بما يعتمل في صدره من التهديد وتلقي ترحيب أخته زينب بالرحيل بعيدًا عن مواجهة الخطر. تحت جنح الظلام تسلل الحسين بآله هاربًا من المدينة لم يترك من ذويه إلا أخاه محمد بن الحنفية الذي لم يكن مطمئنًا الى هذا الرحيل المتعجل غير المدروس. بعد أيام وليال أشرفوا على مكة وفيها مكثوا قليلاً حتى تلقوا رسل أهل الكوفة بالمبايعة، تهيأ الركب للسفر، إلا أن الإمام الحسين رأي أن من الأوفق أن يرسل من طرفه دليلاً يستوثق من حقيقة الأمر في الكوفة، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب، فوصل بعد لأي ومشقة الى الكوفة فوجد في انتظاره واليها النعمان بن بشير الأنصاري الذي حال بينه وبين القوم ثم عذبه وقتله ومثل بجثثه. وكان مسلم قد تسرع وأرسل دليلاً يطمئن الحسين على نصرة القوم له بناءً على ما رآه من حماسة استقبال العامة له قبل أن يصل خبره الى والى الكوفة فيقاتله، إلا أنه سرعان ما استدرك وأرسل مبعوثًا من طرف أحد أصدقائه يبلغ الحسين على لسانه بأن: «ارجع بأهل بيتك ولا يغرك أهل الكوفة»؛ إلا أن الحسين كان قد عزم على الرحيل بإصرار وكأنه يسعي الى حتفه فلم يستمع الى النصائح المخلصة التي وجهت إليه من خاصة أبناء عمومته. في تلك الأثناء كان الهجر ــ وربما الطلاق ــ قد وقع بين السيدة زينب وزوجها عبد الله بن جعفر لأسباب لا مجال لذكرها في هذه العجالة القصيرة، المهم أنها أصبحت ملازمة لأخيها الحسين أما عبد الله بن جعفر فبقي في الحجاز، وكانت العلاقة بينهما لا تزال تقوي وتتوطد إذ هي قائمة على صلة الدم والتقدير والتوقير كما أن عبد الله مؤيد للحسين في موقفه، وليس أدل على ذلك من ترك ولديه محمدًا وعونًا ضمن الحاشية التي ترافق الحسين في رحيله الى الكوفة.
غادر الركب مكة الى غير رجعة. في الطريق كانت السيدة زينب ــ لا شك ــ قد استسلمت لشريط الذكريات في رحلتها الأولي الى العراق مع أبيها الإمام على حيث عادت منها الى المدينة بدونه وبدون أعز الأحباب من بني عمومتها؛ هاهي ذي ترقب ركب آلها، الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو في ناظريها ركب ضؤل شأنه الى حد شديد البؤس، عبارة عن بقايا عائلة في نيف وسبعين رجلاً ما بين راكب وراجل وفارس، فيقبض قلبها المكلوم كلما حدقت في الفضاء المترع بسحب الغبار والكآبة والمصير المبهم المجهول. يا سبحان الله، التقاهما في الطريق أعرابيان قادمان من الكوفة، سألهما الحسين عن أخبارها فأخبراه بمقتل مبعوثه مسلم بن عقيل ونصحاه بالرجوع لأن السيوف مشرعة في انتظاره. أراد الحسين أن يرجع وسط هذا الصراخ والعويل فوثب بنو عقيل وصمموا على إدراك الثأر مهما كانت المخاطر. على تخوم الكوفة التقاهم ألف فارس يمنعونهم حتى يستصدروا إذنا من والى الكوفة يسمح أو لا يسمح بدخول الحسين.. الى آخر ما حدث من حصر الحسين وآله في كربلاء وما كان من وقائع معروفة انتهت بمقتل الحسين بن على كرم الله وجهه؛ إنما تعالوا نري كيف يمكن لسيدة أن تحتمل كل هذه الجبال من الآلام المبرحة التي لا قبل لبشر باحتمال ولو جزء يسير منها، لنري من خلال هذا الحجم من الآلام الى أي حد هي قوية صعبة المراس، قوية قوة الحق الإلهي الحاسم الحاد. هاهي ذي في تلك الليلة المشئومة السوداء لا تني تهرول هنا وهناك، لا تني تمارس فعل الثكل في كل برهة، ترقب تساقط الرقاب بين عائلتها المطوقة من جميع الجهات بجيش مدجج بالعدة والعتاد كأنه سيحارب الفرس والروم معًا وليس مجرد عائلة مكونة من نيف وسبعين فردًا بمن فيهم المحبون والموالي، وهي ليست عائلة من عتاة المجرمين بل هي عائلة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بقية آله الكرام.. ما إن تتلقي السيدة جريحًا يحتضر حتى يخطف قلبها رأس يطير في الهواء من رءوس آلها، كثرت الرءوس الملقاة على الأرض، تقاطعت الجثث، جعلت تتعرف على الآل وهي تجمع الأشلاء في كومات تؤلف جثمانًا تعرف صاحبه؛ عفوك اللهم رب السماوات والأرض، هذه جثة ولدها عون بن عبد الله؛ هذه جثة أخيه ولدها محمد، جثة أخيها العباس، جثة أخيها جعفر، جثة أخيها عبد الله، جثة أخيها عثمان، جثة أخيها محمد، جثة أخيها أبو بكر، جثة علي بن أخيها الحسين، جثة عبد الله بن أخيها الحسين، جثة أبي بكر بن أخيها الحسن، جثة القاسم بن أخيها الحسن، جثة ابن عمها عقيل.. واختتمت الملحمة بجثة أخيها الإمام الحسين بعد قتال عنيف ثخنة بثلاث وثلاثين طعنة وأربع وثلاثين ضربة، ثم انهال سيف أحدهم بضربة على كتفه اليسري فقطعها، وتقدم آخر ففصل رأسه عن جسده، ثم انقض عليها أحد السفلة الأوغاد فسرقه ليبيعه ليزيد بن معاوية لقاء ثروة تؤمنه من الفقر؛ لم يعد ثمة من أجساد تناوشها السيوف، فانقض العامة على المضارب وخدور النساء ينهبون الإبل والمتاع وينزعون الثياب عن أجساد النساء، وراحت الخيل الهائجة الموتورة تدوس جثث الشهداء فتبقر البطون وتنثر الأشلاء؛ ارتوت أرض كربلاء بفيضان من الدم المستباح بغير حساب، توارت شمس الأصيل خجلاً خلف برقعها القرمزي تكاد تتبرأ من لونه درءًا لشبهة المشاركة من جانبها في سفك كل هذه الأنهار من دماء الأبرياء الذين ابتغوا مرضاة الله؛ رحلت الشمس آسفة كاسفة البال حزنًا مما رأت، فأطل البدر من وراء السحاب على استحياء كأنه يتجسس على ما روع الشمس، فرأي لا شك صورته منعكسة في بحيرات الدم المتراكمة في منحدرات كربلاء، ورأي كذلك السيدة زينب في نفر من الصبية والأرامل والثكالى كل منهن تستعطف القمر حتى يسفر عن ضوئه تستعين به على جمع أشلاء ذويها من زوج أو ولد أو أخ ولسوف ترتد على أعقابها بعد لأي يائسة من العثور على قدم أو ذراع.. في تلك اللحظة كان جند ابن زياد الذي أباد هذه العائلة جالسين على مقربة يسمرون ويشربون ويتباهون بما أظهروه من عنفوان وبعدد ما أطاحوا به من رءوس.
ول الدكتورة بنت الشاطئ إن موكب الاسرى  بقايا أشلاء الحسين يعني ــ «كان أبشع موكب شهده التاريخ منذ كان"ــ كان موكبًا يضم ولدين من ولدان الحسين لا جدوي من قتلهما، وأخ ثالث جريح، وأخ رابع مريض هو على الأصغر زين العابدين الذي تمكنت عمته من إنقاذه بمعجزة، والسيدة زينب، وأختها فاطمة، وسكينة بنت الحسين، وبعض نساء بني هاشم.. هذا هو موكب الاسرى الذي سيق بليل الى قصر والى الكوفة. مر الموكب بساحة القتال حيث لا تزال جثث الشهداء مرمية وأشلاؤها مبعثرة على مساحات طوال، صاحت السيدة زينب من أعمق أعماق سويدائها الباكية:
«يا محمداه، صلى عليك ملائكة السماء! هذا الحسين بالعراء، مزمل بالدماء، مقطع الأعضاء، يا محمداه! هذه بناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسفي عليها الصبا».
فلما دخل موكب الاسرى الكوفة خرجت الناس لرؤية نساء النبي، رحن يصرخن ويشققن الجيوب ويندبن فيما يبكي الرجال حزنًا على اغتيال الحسين. لكن السيدة زينب رفضت هذا التعاطف الزائف القائم على هذه المفارقة المأساوية الغريبة العجيبة. لوحت لهم بيدها أن يسكتوا، فسكتوا منكسي الرءوس، صاحت فيهم رابطة الجأش موزونة الحكمة:
«أما بعد يا أهل الكوفة، أتبكون؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة! إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها أنكاثًا، تتخذون إيمانكم دخلاً بينكم ألا ساء ما تزرون.. أي والله فابكوا كثيرًا واضحكوا قليلاً، فقد ذهبتم بعارها وشنارها، فلن ترحضوها بغسل أبدًا، وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة ومعدن الرسالة، ومدار حجتكم ومنار محجتكم، وهو سيد شباب أهل الجنة؟ لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء!.. أتعجبون لو أمطرت دمًا؟! ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم، إن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.. أتدرون أي كبد فريتم، وأي دم سفكتم، وأي كريمة أبرزتم؟ لقد جئتم شيئًا إدا، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًا».
ثم أشاحت بوجهها واستأنفت السير الى حيث كانت تساق، تاركة الناس في بكاء وصياح وعويل.. خلت دار الإمارة التي سبق أن وطأتها أميرة بنت أمير وعاشت فيها سيدة رفيعة المقام وهاهي ذي اليوم تدخلها أسيرة بائسة. في القاعة الكبري كان عبد الله بن زياد جالسًا حيث كان يجلس الإمام على إذا اجتمع برجاله وعماله وولاته. بالطبع كانت على يقين من أن أبهة الدنيا إذا كانت قد حرمت منها فإن شيئًا من عزتها لم ينقص. تقدمت نحو الوالى في مهابة وجسارة، اتخذت مجلسها دون انتظار لإذن بالجلوس، إنها ــ وهي الأسيرة ــ أشرف منه بما لا يقاس. و.. أنبأتني الدكتورة بنت الشاطئ علمًا بما يلي: سألها ابن زياد: من تكون؟ فلم تجب، فكرر السؤال ثلاث مرات، فأجابت بدلاً منها إحدي إمائها: «هذه زينب ابنة فاطمة». قال وقد تميز غيظًا: «الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم». فاض الكبرياء في عينها، أجابت: «الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه صلى الله عليه وسلم وآله، وطهرنا من الرجس تطهيرًا، إنما يفضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله». سألها: «كيف صنع الله بأهل بيتك؟». قالت في ترفع: «كتب عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده». قال في تشف: «قد شفي الله نفسي من طاغيتك والعصاة والمردة من أهل بيتك». قاطعته: «لعمري لقد قتلت كهلي، وأبدت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت». أراد الخسيس أن يكيد لها، فنظر في وجوه الاسرى وسقطت نظرته على الطفل «على الأصغر"ابن الحسين فسأله: «ما اسمك؟» أجاب الغلام: «أنا علي بن الحسين»؛ فتعجب: «ولكن أولم يقتل الله علي بن الحسين؟ ما لك لا تتكلم؟» قال الغلام: «كان لي أخ يقال له أيضًا على قتله الناس». قال ابن زياد: «إن الله قد قتله». قال الغلام: «الله يتوفي الأنفس حين موتها، وما كان لنفس إلا أن تموت بإذن الله». هتف ابن زياد من غيظ وحقد آمرا بقتل الولد، فطوقته السيدة زينب في حضنها هاتفة في وجهه بقوة أرعشته: «يا ابن زياد، حسبك منا! أما رويت من دمائنا؟ وهل أبقيت منا أحدًا؟ فلتدع الغلام أو فاقتلني معه؛ فتركه على مضض، إلا أنه وضعه في الأغلال القابضة على رقبته، وأمر بأن يطوفوا برأس الحسين في الكوفة محمولاً على خشبة. ثم سيق الموكب الى دمشق: رأس الحسين في المقدمة، يليه رءوس السبعين من آله وصحبه، ثم الاسرى من الصبية في الأغلال، ثم السبايا من النساء محمولات على الأقتاب في حراسة مشددة!!
كان يزيد بن معاوية جالسًا في قصره بين رهط من علية القوم من لصوص الأقوات والأعراض؛ راح يستعرض رءوس القتلى من آل الحسين من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أخيرًا يحق له أن يقر عينًا بعد زوال خصومه الذين كانوا رمزًا لضمير الدين الإسلامي. ثم أدخلوا عليه السبايا بعد أن جاس بالقضيب الحديدي في حنك رأس الحسين وتأكد من زواله. بين الجلوس رجل شامي أبله، حملق بلا حياء في فاطمة بنت علي أخت زينب وكانت مثل أختها ــ كما ورد في أوصاف نادرة بقيت من عصر الذين رأوا بأعينهم ــ مثل فلقة القمر تشع بضوء جاذب؛ قام الى يزيد كطفل مدلل يقول: «يا أمير المؤمنين هب هذه». ارتعدت الفتاة تشبثت بأختها زينب. قالت السيدة زينب وهي تطوق أختها فاطمة بحنان أمومي، وهبت في وجه ذلك الرجل السافل قائلة بكل هدوء ورصانة: «كذبت والله ولؤمت! ما ذلك لك ولا له!». العجيب أن يغضب منها يزيد فيرد عليها بصفاقة منقطعة النظير: «كذبت والله، إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت!». قالت السيدة زينب: «كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا». قال مواصلاً اللجاجة: «إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك». قالت: «بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت يا يزيد، أنت وأبوك وجدك». صرخ في عنف: «كذبت يا عدوة الله». قالت باستخفاف: «أنت أمير مسلط، تشتم ظلمًا وتقهر بسلطانك». فأخلد الى صمت متوتر حائر لا يدري ماذا يفعل أو يقول. عندئذ عاود الشامي الأبله صب نظراته الوالهة على فاطمة هاتفًا: «يا أمير المؤمنين، هب لي هذه الجارية!». فعنفه يزيد: «أغرب، وهبك الله حتفًا قاضيا». وكان مشهد عبثه برأس الحسين قد هز زينب هزًا عنيفًا مؤلمًا، راحت تصيح بصوت ينضح فوق مواطن الألم شعورًا بالعزة والكرامة:
ــ (صدق الله يا يزيد.. «.. ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا يستهزئون».. أظننت يا يزيد أنه حين أخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأساري، أن بنا هوانًا على الله، وأن بك عليه كرامة؟ وتوهمت أن هذا لعظيم خطرك، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفيك جذلان فرحًا، حين رأيت الدنيا مستوثقة لك والأمور متسقة عليك؟ إن الله إن أمهلك فهو قوله: «ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا ولهم عذاب مهين».. أمن لعدل يا ابن الطلقاء،؟؟؟ وإماءك، وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم كالأساري قد هتكت ستورهن، وأصلحت أصواتهن، مكتئبات تجري بهن الأباعر، وتحدو بهن الأعادي من بلد الى بلد، لا يراقبن ولا يؤوين، يتشوفهن القريب والبعيد ليس معهن قريب من رجالهن؟.. أتقول: ليت أشياخي ببدر شهدوا، غير متأثم ولا مستعظم وأنت تنكث ثنايا أبي عبد الله بمحضرتك؟ ولم لا وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإهراقك هذه الدماء الطاهرة، دماء نجوم الأرض من آل عبد المطلب؟ ولتردن على الله وشيكًا موردهم، وعند ذلك تود لو كنت أبكم أعمي.. أيزيد والله ما فريت إلا في جلدك، ولا حززت إلا في لحمك! وسترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله بزعمك، ولتجدن عترته ولحمته من حوله في حضيرة القدس، يوم يجمع الله شملهم من الشعث، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا، بل أحياء عند ربهم يرزقون.. وستعلم أنت ومن بوأك ومكنك من رقاب المؤمنين، إذا كان الحكم ربنا والخصم جدنا، وجوارحك شاهدة عليك أينا شر مكانًا وأضعف جندًا.. فلئن اتخذتنا في هذه الحياة مغنمًا، لتجدننا عليك مغرمًا حين لا تجد إلا ما قدمت يداك، تستصرخ بابن مرجانة ـ عبيد الله بن زياد ــ ويستصرخ بك، وتتعاوي وأتباعك عند الميزان وقد وجدت أفضل زاد تزودت به: قتل ذرية محمد صلى الله عليه وسلم.. فوالله ما اتقيت غير الله، وما شكوت إلا لله، فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا يرخص عنك عار ما أتيت إلينا أبدًا!».
كان لكلامها فعل الزلازل في نفوس الحضور حتى أنهم لم يرفعوا رءوسهم إليها ــ بمن فيهم يزيد ــ خوف الاصطدام بالمنطق القوي الكاسح في عينيها القويتين المليئتين بالعزة والكبرياء. كان من الواضح أن يزيد قد اضطرب كيانه النفسي وصار نهبًا لمشاعر مقلقة فبدا كأنه أحاطت به الهموم من كل حدب وصوب. أخيرًا أشار لها والى النساء أن يخرجن الى داره التي ارتفع بداخلها عويل مكتوم حزنًا على ما حاق بالحسين وآله. أمر بفك الأغلال. أقيمت في الدار مناحة استمرت ثلاثة أيام، ثم أمر يزيد بتجهيزهن للسفر الى المدينة في جند وخيل وأعوان وخدم، ثم دعا الغلام عليا ابن الحسين، فودعه قائلاً:
«لعن الله ابن مرجانة ــ يعني ابن زياد ــ أما والله لو أني صاحب أبيك ما سألني خصلة أبدًا إلا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن قضي الله ما رأيت».
في الطريق الى المدينة في الركب المهيب رجت السيدة الحارس بأن يعرج بهن الى كربلاء حيث كان قد مضي على المذبحة أربعون يومًا، فلبي الحارس طلبها عن طيب خاطر؛ وهناك ارتاعت وارتعن من المنظر: دم الشهداء متجلط على الأرض بكثافة وسماكة وصلابة، بقايا الأشلاء متناثرة قد أصابها العفن وعافتها الطيور الجارحة. أمضين بين الأشلاء العفنة ثلاثة أيام تحت خيمة من الصراخ والعويل والنواح بحرقة تفتت الحجر؛ ثم أقلهن الركب الى المدينة.
روعت المدينة بأكملها حين نادي المنادي بأن علي بن الحسين قد عاد مع عماته وأخواته؛ فأين ركب الحسين إذن؟ بل أين الحسين نفسه؟! لكن حقيقة الخبر سرعان ما انتشرت في جميع البقاع المتاخمة فتحولت المنطقة كلها الى حرائق من الصراخ والعويل والنواح في رثاء عترة رسول الله وصحبه من بني عبد المطلب. ازدحمت الليالى بالمآتم وانتشر السواد في جميع الشوارع. كل الآلام التي تجرعتها السيدة زينب طوال حياتها أثمرت أخيرًا، تحولت الى طاقة، الى قطب كهربي يمد الملايين من البشر بطاقة تدفعهم الى الرفض والثورة على ما حاق بالإسلام من أوضاع زرية، أصبحت بمثابة وزارة إعلام كاملة، أو جهاز ثقافي سريع الاتصال بالجماهير سيما وأنها تحتوي جاذبية جمالية ذات سطوة مهيبة وجاذبية بلاغية عظيمة التأثير في أعتي القلوب المتحجرة؛ لم تهدأ، أصبحت كل يوم بل كل لحظة ترتاد مكانًا جديدًا، بلدًا جديدًا، قعدة جديدة، مجلسًا موقرًا، منبر مسجد، الكل يسعد باستضافتها كأنها فنان سيحيي ليلة أنس، وهي أينما توجهت وحيثما تواجدت لا حديث لها إلا وصف ما رأت في رحلتها التعسة، تصف تفاصيل المذابح بدقة شعرية تمس شغاف القلوب، تعيد حكيها ملايين المرات في كل مرة يضاف إحساس جديد أو تفصيلة كانت منسية، فيستضاء الحدث وتنحفر تفاصيله في وجدان القوم حية نابضة، كان لديها كنز من المادة المثيرة لا ينفد بل كلما اغترفت منه زاد منسوبه كالآبار الجوفية، وسليلة الروح المضيئة والبلاغة الساطعة لابد أن تكون بالضرورة فنانة، من أرقي وأسمي فن، فن تحويل الثأر الى حياة، الى حضور حقيقي للموتي الشهداء أكثر حيوية ونبضًا وتأثيرًا مما لو كانوا حضورًا بأجسادهم، على متن أوصافها تم بعث الحسين والإمام على وآل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام، بعنفوان الطهر وصدق المكتوي بنار الحدث، قادت الحرب ضد أعداء الضمير، والمصداقية في قبضتها اليمني، وحديثها حدث من بدأ بالتضحية، بدفع أبهظ التكاليف، باستشهاد سبعين نبيلاً من آلها إضافة الى أبيها، تصرفت تصرف الكبار حقًا، فلو أنها ناصبت السلطة العداء وانتقمت من بضعة أفراد مهما علا شأنهم فإنها عندئذ تكون صغيرة وينطوي فعلها مع الأيام؛ أما وهي الكبيرة حقًا، حفيدة الرسول وبنت الإمام فإنها صاحبة قضية، وقضيتها أن يظل الضمير الإنساني حيا يزدان به الإسلام، وقد مات في سبيلها كل ذويها، وثمنهم باهظ لا تقدر عليه قوة في الأرض وفاتورته لا يسددها موت عشرة أو عشرين أو حتى مائة من علية الأقوام، إنما الثمن الحقيقي الذي يستحقونه جزاء تضحياتهم هو أن يقوم صوتهم في الوجود قويا، وأن يظل مرتفعًا في وجه الطغيان والاستبداد وفساد الطبقات الحاكمة. وهذا بالضبط ما فعلته السيدة زينب في أشهر قليلة من عودتها الى المدينة. وهكذا بدأ الوالى على المدينة يستغيث في طلب المشورة حول هذا الخطر الداهم الذي انتشرت عدواه في كل مكان حول المدينة، باتت خواطر الناس متهيجة على الدوام، فقدت حركة الحياة سلاستها ارتفعت أصوات الناس بالشكوي وبالاعتراض وبالتذمر وبالسب أحيانًا كأن بوادر ثورة مروعة تهب على المنطقة. كان رجال السلطة على علم بأن وجود السيدة زينب في المدينة قد أشعل في أفئدة الناس روح الثورة والتذمر والضيق بهذا الظلم الذي لا يرضاه الله؛ ولو بقي الوضع هكذا فالمرجح أن السيدة زينب ستقود القوم جيشًا للأخذ بثأر الحسين.
جاءت تعليمات يزيد بن معاوية أن يفرق البقية الباقية من آل البيت في الأقطار والأمصار بعيدًا عن المدينة بلدة الأنصار. بادر الوالى باستدعاء السيدة زينب وأنهي إليها في وضوح الأمر الذي لا رد له بأن تختار بلدًا تعيش فيها بعيدًا عن المدينة. قالت في غضب:
«قد علم والله ما صار إلينا: قتل خيرنا، وسيق الباقون كما تساق الأنعام، فوالله لا خرجنا وإن أريقت دماؤنا».
ولكن نسوان القبيلة الهاشمية أقنعنها بضرورة الرحيل حتى تنجو بنفسها وبآلها من بطش محقق لا مفر منه إن هي ركبت رأسها وبقيت في المدينة ضد رغبة يزيد. وكان صعبًا على بنت الزهراء أن تغادر مدينة جدها ومهد طفولتها وصباها وأجداث أجدادها؛ إلا أنها وقد جبلت على التضحية قررت الخروج الى مدينة أخري تستطيع أن تواصل منها ثورتها ضد جبروت الطغيان الأموي بأن توقظ وعي الناس، وتحفزهم، لا لضرب الطغيان بالأسلحة بل لمقاومته بيقظة الضمير وهو تميمة الإسلام ومعجزة القرآن الكريم التي لخصها جدها العظيم في عبارة دارجة تقول: إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق. ولم يكن ثمة من بلد وريث حضارة وديانة ومجتمع مفتوح يتقبل الوعظ بحميمية سوي مصر؛ وهكذا شدت الرحال الى مصر مصطحبة ذويها، لتقطع مشوارًا بالغ المشقة والإجهاد تدهورت منه صحتها التي أضناها طول السفر وكثرة ما رأت واحتملت وعانت من فواجع.
في غرة شعبان عام واحد وستين للهجرة دخلت السيدة زينب أرض الكنانة ففوجئت بأن الجموع ساهرة في استقبالها منذ أيام. في قرية قرب بلبيس التقاها وفد كبير يقوده مسلمة بن مخلد الأنصاري أمير مصر في رهط من أعيان البلاد وعلمائها. ما أن أطلت عليهم بوجهها النوراني المضيء حتى أجهشوا جميعًا بالبكاء؛ رافقوها الى الفسطاط ا