في الذكرى الـ 133 لميلاده:ميخائيل جافاخشفيلي..  في روايته الرائعة (مغامرات كفاتشي)

في الذكرى الـ 133 لميلاده:ميخائيل جافاخشفيلي.. في روايته الرائعة (مغامرات كفاتشي)

عادل العامل
يفاجأ الواحد منا أحياناً بقراءة عمل أدبي عالمي رائع لم يحضَ بالتعريف اللائق به وربما بأي تعريف على الصعيد الثقافي المحلي على الإطلاق. و قد يكون السبب في ذلك ندرة ما تُرجم لمؤلفه من أعمال إلى اللغة العربية، أو لجهل المثقفين عموماً به لظروف تتعلق بسيرة حياته و طبيعة النظام السياسي

الذي عاش في ظله، أو لسبب ذاتي يتعلق بأحوال القارئ الشخصية التي لم تيسّر له فرصة التعرّف على أعماله. و قد تكون الأسباب الآنفة الذكر جميعاً وراء عدم معرفة الواحد منا بوجود مثل هذا العمل الروائي المتميّز أو حتى السماع باسم مؤلفه. و هو ما حصل لي مع رواية (مغامرات كفاتشي) للكاتب الجورجي القدير ميخائيل جافاخشفيلي Javakhishvili، الذي عرفته هو و روايته الرائعة مصادفةً و لم أكن أعرف عنهما شيئاً.
ولد ميخائيل جافاخشفيلي يوم 8 تشرين الثاني1880 بقرية قرب العاصمة الجورجية تفليس، و بدأ بنشر إبداعاته الأدبية منذ 1903، وعمل محرراً في صحف مختلفة. وفي عام 1907 اضطر للهجرة وسافر إلى الغرب حيث تخرج من جامعة باريس وسافر إلى دول غربية أخرى. ومع مطلع العشرينات برزت مرحلة جديدة من حياته، تميزت بالعطاء العظيم، و نشر خلالها روايته (مغامرات كفاتشي).
و كان جافاخشفيلي في مطلع شبابه قد سجّل في كلية يالطا للبستنة و زراعة الكروم، لكنه هجر الدراسة بسبب مأساة أصابت أسرته. إذ قتل لصوص أمه و أخته، و توفي والده بعد ذلك بوقت قصير. و عاد إلى جورجيا في عام 1901، حيث اشتغل في مصهر للنحاس، و نشر أول قصة له في عام 1903 أتبعها بمقالات سياسية تنتقد السلطات الروسية، و اضطره القمع في عام 1906 للسفر إلى فرنسا حيث درس الفن و الاقتصاد السياسي في جامعة باريس. و قام بزيارة بلدان عديدة مثل سويسرا، و بريطانيا، و الولايات المتحدة، و تركيا، و عاد خفيةً إلى موطنه ليُعتقل و يُنفى في عام 1910 من جورجيا، ليعود مرة أخرى في عام 1917، و استأنف الكتابة بعد توقف لمدة 15 عاماً. و التحق في عام 1921 بالحزب الديمقراطي القومي، و كان في المعارضة للحكم السوفييتي الذي أقيم في جورجيا في السنة نفسها. و ألقي القبض عليه في عام 1923 و حُكم عليه بالموت، لكنه أُطلق سراحه بعد 6 أشهر في السجن، بوساطة من الاتحاد الجورجي للكتّاب. غير أن علاقته بالنظام السوفييتي ظلت قلقة. و كان مسار حياته شاقاً مضنياً، و يكفي للتدليل على ذلك أنه لقي حتفه، وهو في أوج نضجه في عام 1937 إبان حملات القمع والتنكيل الستالينية التي فقد خلالها الاتحاد السوفييتي السابق عشرات الألوف من مبدعيه. فقد أعدمه ستالين يوم 30 أيلول 1937بتهمة الخيانة و التحريض على التمرد، و هي تهمة ثبت بطلانها بعد إعادة التحقيق في قضيته عام1954، أي بعد موت ستالين، و طلبت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في جورجيا من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي إعادة الاعتبار له و رفع الحظر عن أعماله الأدبية، و هو ما طالبت به اللجنة أيضاً لكاتبين جورجيين آخرين، أحدهما أُعدم معه و الآخر اعتقل أيضاً و انتحر في العام نفسه!
لقد اتّسم الأدب الجورجي في القرن العشرين، كما يقول شوكت يوسف في مقدمته لرواية (مغامرات كفاتشي)، بتطور مميَّز، سواء على صعيد النضج الفكري، و الفني. فمع مطلع القرن وجدت البلاد نفسها في ظرف تاريخي جديد. فبرز في ساح الأدب مبدعون حقيقيون في شتى الأجناس. و كان في مقدمتهم ميخائيل جافاخشفيلي، الذي يُعد واحداً من أهم الكتّاب الذين أرسوا نهضة الأدب الجورجي الحديث، لاسيما في مجال القصة و الرواية الاجتماعية ــ السايكولوجية. و قد لفتت الانتباه إليه على الصعيد المحلي، و السوفييتي، و العالمي أعمال مبكرة مثل: تشانشورا، رجل الغابة، لامبالو و كاشا، أرسينا من مارابدا، إضافةً إلى (مغامرات كفاتشي)، التي تُرجمت جميعاً إلى لغات عالمية كثيرة.
و (مغامرات كفاتشي)، يقول شوكت يوسف، واحدة من روايات المغامرة الأكثر شهرةً. و هي تقدم وصفاً لحياة فتىً مغامر، أفّاق، عملي، انتهازي، لا يقيم اعتباراً لأي شيء في الحياة سوى منفعته الشخصية. و تتميز الرواية بقوة فنية رفيعة و بتوتّر درامي جعل بعض النقاد يرى فيها سلسلة من القصص البوليسية المحبوكة بعناية. و رأى فيها نقّاد آخرون بانوراما الحياة الاجتماعية ــ السايكولوجية في روسيا القيصرية و الأقاليم التابعة لها في مرحلة انحطاط الامبراطورية و بروز قوى جديدة.
و"الكفاتشية"، كظاهرة في المجتمع لا تقتصر على روسيا القيصرية، بطبيعة الحال، فقد امتدت إلى ما بعد ثورة أكتوبر في الاتحاد السوفييتي السابق، و وُجدت و ستوجد في كل زمان و مكان من العالم، لأنها تمثّل الطموح غير المشروع الناجم عن اختلال القيَم و المعايير الذي يسهّل لعديمي الكفاءة و الأخلاق الوصول إلى تحقيق مآربهم بمختلف الأساليب الملتوية المخالفة للعرف و القانون. و تتمثل هذه"الكفاتشية"لدينا، في مجتمعنا العراقي و العربي، في شخصية الصفيق، التي يحدّد الدكتور علي الوردي صفاتها على نحو دقيق يجعلنا نستحضر في ذهننا على الفور وجوهَ مَن عرفناهم من صفقاء عصرنا هذا، حيث يقول في مقالةٍ له في مجلة العربي: "ونراه (أي الصفيق) بارعاً في المجاملة كثيرَ الوعود لكنه لا يحقق من وعوده إلا تلك التي يتوقع منها المنفعة العاجلة. إنه لا يعرف الوفاء أو الأمانة أو الصدق أو تأنيب الضمير. فهو يعدُكَ بشيء و لا يفي بوعده، فإذا عاتبته على ذلك واجهَكَ بابتسامةٍ باردة، كأنه لم يفعل أمراً مذموماً، وهو قد يكذب عليك أو يؤذيك بلا مبالاةٍ وكأن ما فعله أمرٌ اعتيادي لا ضرر منه". و هكذا هو كفاتشي الجورجي، أيضاً، كما عرفه جافاخشفيلي في مجتمعات جورجيا، و روسيا، و غيرها من البلدان الغربية التي عاش فيها، بالتأكيد. و نورد أدناه فصلاً من الرواية يمهّد فيه الكاتب لمغامرات شخصيته هذه، على امتداد حوالي 640 صفحة تقريباً، و هي مغامرات تعتمد على صفات كفاتشي الواردة في هذا الفصل و تنطلق منها.

فصل من الرواية
(كيف كانت شخصية كفاتشي؟)

[ مضت بضع سنين. كبرَ كفاتشي، غدا شاباً طويل القامة دون نحافة، جميلاً بهيّ الطلعة. و من حيث الذكاء و الإمكانات عُدَّ من بين الأوائل، و من حيث الجد بين الأواخر، و بوجهٍ عام كان وسَطاً. كانت مذاكرة و حفظ الدروس بالنسبة له عذاباً.لكنه وُهب ذاكرة قوية تستوعب بسهولة كل ما يقال في الحصة المدرسية. لم تستهوِه إطلاقاً مطالعة و قراءة الكتب. أحب فقط قراءة تلك التي تصف الرحلات و المغامرات الكبيرة و الصغيرة، فقرأ مرتين، مثلاً، ماين، ريد، كوبير، غوستاف ايمار، و مذكرات غوردون، نيت ينكرتون، شرلوك هولمز، و كثيراً من أمثال ذلك. و رسخت وصايا سلبيستر (أبيه) جيداً في رأس كفاتشي. سعى دوماً لإرضاء الأقوياء و المعلمين، التقرب منهم، و الحصول على إعجابهم و حبهم، و الاستفادة منهم. و في هذا المجال منحته الطبيعة عطاءاتٍ سخية.
كان يتمتع بموهبة مدهشة و نادرة لاكتشاف طبائع و شخصيات الناس و قدرة في الحصول على إعجابهم و نيل ثقتهم و الفوز بحبهم. فإذا رغب بالتقرب من إنسانٍ ما، رجلاً كان أم امرأة، كان له ذلك، و في زمن قصير يغدو أسيره قلباً و روحاً.
كان كفاتشي ذكياً مع الأذكياء، هادئاً مع الهادئين، مَزوحاً مع المزوحين، حزيناً مع الحزانى، فرحاً مع الفرحين، و مع الأقوياء خاضعاً مستسلماً منافقاً ضعيفاً، و كان يمكنه، إذا اقتضى الأمر، أن يكون مع الخشنين الجسورين متواضعاً و مرناً، و مع الضعفاء عنيفاً وقحاً، و مع المستقيمين العنيدين مرائياً منافقاً، و أن يكون أمام الحديد شبه القطن و أمام القطن شبه الحديد.
عندما يتراجع غيره منسحباً أمام الطرق المستقيمة المباشرة المغلقة، كان كفاتشي يجد مخارج و مخارج ملتوية. لو حبستَه بين أربعة جدران، دون أبواب و نوافذ، لوجد حيَلاً و حيَلاً للتسلّق إلى برجٍ دونه تسعة أبواب مقفلة و خرج سالماً.
أدرك كفاتشي و فهم قوة و تأثير الكلام المعسول و الابتسامة اللطيفة و المديح الكاذب. كان له سحر خاص في التأثير على الناس للفوز بثقتهم و إخضاعهم لِما يخدم مصلحته و منفعته. كان يقول أحياناً أمام خلصائه، بعد أن يستغل إنساناً و يحلبه حتى النهاية:
ــ في هذه الدنيا خُلق بعضٌ مع سرج، و بعضٌ مع كرباج و مهماز. أنا أفضّل الكرباج و المهماز و ليلبس غيري السرج. هذا ما قاله فولتير ذات مرة.
أو يقول:
ــ لو كان كل الناس في هذه الدنيا قساة القلوب، عديمي الثقة بالآخرين و أيديهم دوماً على جيوبهم، لوجبَ على أمثالي أن يُلقوا بأنفسهم في الماء أو يحرثوا الأرض.
أو يقول المعنى نفسه، لكن بطريقة أخرى:
ــ تذكَّر دوماً يا أخي أن الله خلق النعجة كي تُحلب و يُجزَّ صوفها.
كانت لدى كيفاتشي سرعة خاطر فريدة و حاسة شم رهيفة كما لدى الكلب الأصيل المهجَّن. كان بارومتراً حياً يحسّ بالطقس الرديء و الحسن عندما لم يكن يتوقع آخرون أي تغيير، و كان الطقس كثير التبدّل في حانية شوليا و في أسرته، و في المدرسة، و الشارع، و في حياة كوتايسي بوجهٍ عام. و دائماً ما أحس كفاتشي، و في الوقت المناسب، بتبدل الطقس، فاستعد لذلك، بدّل ملابسه، غيّر سلاحه، اتخذ الوضع المناسب، بصق على الشمس، و حيّا الشروق، ركلَ الضعيف، و وقف بجرأة قرب الجديد الصاعد.
ندر أن تجد لكفاتشي مثيلاً، من حيث القدرة على الحصول على المال، و أندر من ذلك مَن كان يعرف كيفية حصوله عليه. نادراً ما كان يستقرض. و هذا في الحالات القصوى. و هنا كان له أسلوبه الخاص، كأن يتدخل في الحديث فجأةً، و يقول بهدوء و ثقة، على نحوٍ غير متوقَّع:"أقرضني ثلاثين روبلاً". كان يختار طبعاً الوقت المناسب، و الشخص المناسب، و اللحظة المناسبة، بحيث لم يواجَه برفضٍ أبداً. لكن لم يكن يمضي خمس دقائق حتى يلعن الدائن نفسه و يضرب رأسه بيده، في حين يكون كفاتشي قد انسحب بهدوء و اختفى.
و كان لدى كفاتشي عادة أخرى اتخذها قانوناً و قاعدة: لا يقول لأحدٍ"كلا"و لا يرفض طلباً، لكنه من جانب آخر لا يفي بوعدٍ إذا لم يجلب له نفعاً أو فائدةً ما اليومَ، أو غداً. لذا بدا دوماً شاباً طيباً لا يرد لأحدٍ طلباً، ينثر الوعود بسخاء يميناً و شمالاً:
ــ آه يا حسرتي! تريد مالاً؟ كم المبلغ؟ خمسة روبلات؟ لماذا لم تقل لي قبل ساعة؟ مع ذلك، على أية حال، سأتدبّر الأمر، سأعطيك.
و هكذا كان ينثر الوعود و يختفي عن الأعين و يبقى الوعد وعداً. لكن العجيب في الأمر أن المخدوعين لم يزعلوا، أو يغضبوا منه أبداً، لأنه كان دوماً جمَّ التواضع معهم لطيفاً مهذباً، يُحسن التخلص بلباقة و مهارة من شتى المآزق الصعبة.
كان لكفاتشي في البداية تأثير و نفوذ كبير بين أقرانه و زملائه. إذا دخل إلى الصف أو خرج إلى الشارع تحلَّق حوله حشد من الشباب، و حيثما حلَّ لحقَ به زملاء و رفاق كما يقتفي الذباب أثر العسل.
و كان لدي كفاتشي، لكلٍ منهم، كلمة مناسبة، فكرة، ابتسامة، نصيحة، عِظة، و كانت تسوية الخلافات و النزاعات الصغيرة بين الزملاء، أو بين المعلم و التلاميذ، من شأنه دوماً ــ الأمر الذي جعل بعضهم يقول:
ــ لو ان كفاتشي أحب الجِدّ و الدرس لضمنَ مستقبلاً باهراً.
و أضاف آخرون:
ــ مع ذلك، و هو على هذه الحال، سيغدو إنساناً عظيماً. ]

-------------------
المصــــــــــــــــــــــــادر
ـــــــــــــــ
(1) موقع goodread.
(2) Sjani، العدد 11/2011
(3) Wikipedia
(4) مجلة العربي، العدد 374 ص 194.
(5) رواية (مغامرات كفاتشي)، ترجمة شوكت يوسف و أحمد ناصر، منشورات وزارة الثقافة السورية 1994.