هكذا رأى الكتاب والادباء سكان الصرائف حول بغداد في العهد الملكي..

هكذا رأى الكتاب والادباء سكان الصرائف حول بغداد في العهد الملكي..

حيدر عطية
لما كانت معاناة سكان الصرائف وآلامهم كبيرة، فإنه من البديهي أن يلتفت إليها بعض الكتاب والمثقفين والمؤرخين والشعراء، فأطلقوا العنان لأقلامهم ومشاعرهم، ليتناول كلُ واحد منهم جانباً معيناً من تلك المعاناة، كما راح بعضهم يقترح الحلول اللازمة لمشاكلهم. وعليه فقد نشر الكاتب رزق الله أوغسطين مقالاً في جريدة "الزمان" ذكر فيه أن بلوغ نفوس بغداد 730 ألف نسمة هي ظاهرة لا تستوجب الارتياح، لاسيما أن هذه الزيادة تأتي على حساب نفوس القرية العراقية، جراء الهجرة المتواصلة.

 وأعرب الكاتب المذكور عن قلقه العميق نتيجة تشجيع المهاجرين على الإنجاب المستمر، رغم سكنهم في صرائف بالية، ومقابلاً لذلك لجوء سكان بغداد إلى تحديد عملية الإنجاب، الأمر الذي يؤدي بالنتيجة إلى  تغير ديمغرافي لمدينة بغداد لصالح أولئك المهاجرين. وبعد ذلك عرّج أوغسطين على معاناة أولئك المهاجرين لأن المفروض حسب اعتقاده أن يسكنوا في مساكن صحية جديدة، وبما أن الحكومة عاجزة عن توفير مثل هكذا منازل، فإن المهاجرين من سكنة الصرائف أخذوا يسبّبون ضيقاً لبغداد، وعليه اقترح كاتب المقال أن تخضع هجرة المرتزقين إلى بغداد لإحصاء وترخيص من قبل دائرة فنيه واجتماعية، لأنه يرى أن من المضر أن تتحمل بغداد هذا الضغط الهائل من السكان.
كتب سليم طه التكريتي المحامي في مجلة "المجلة" مقالاً حمل العنوان "طبقة الفلاحين في العراق" تطرق فيه إلى الحياة التعسة التي يعيشها المهاجرون إلى بغداد، وأولها الأجور الضئيلة جداً التي يتقاضونها مقارنة بما يتقاضاه عامل المدينة، ليس كون الأخير أمهر منهم وإنما، من باب الاستغلال والازدراء للمهاجرين الريفيين. وأكد الكاتب المذكور أن المهاجرين، على الرغم من حياتهم هذه، فإنهم يفضلونها على العودة إلى ديارهم، لأن النظام شبه الإقطاعي هناك، لاسيما في لواء العمارة، يطبق بأجلى مظاهره. ومضى يقول منتقداً محاولة الحكومة المصرة على إرجاعهم من دون توفير سبل وأسباب هذه العودة لهم، إذ أبقت الوضع على ما هو عليه هناك في ألوية المهاجرين.
كما عالج الكاتب نوري كاشف الغطاء موضوع توفير منازل صحية لسكان الصرائف في بغداد، بمقاله الذي نشرته مجلة "عالم الغد" في 15 أيار 1945 , ففي بداية مقاله ذكر، أن نظرة واحدة يلقيها الفرد على البيوت التي يسكنها قسم من سكان بغداد على جانبي الطريق في الصليخ، وفي الفجوات التي تتخلل القصور المشيدة في الباب الشرقي والبتاوين، تجعله يعجب كيف يمكن لحيوان بدلاً من بشرٍ أن يعيش في مثل هذه الخلايا، عاداً عملية توفير امتلاك البيوت من قبل أفراد الشعب هو من الأمور الحيوية التي يجب أن تهتم بها الحكومة بشتى الطرق، مثل استقدام الأخصائيين، وتشجيع تأسيس جمعيات البناء، والمصارف العقارية، وما شابهها من المؤسسات المختصة بذلك. وطالب الكاتب المذكور بقوةٍ، الحكومة أن تسهل امتلاك الأراضي الشاسعة المجاورة للمدن، من قبل أفراد الشعب، لأن ذلك يعد إعماراً للبلاد واستغلالاً لمرافقها وتشغيل أبنائها.
من جانبه ألقى الأكاديمي هاشم جواد محاضرة على طلبة الصف الثاني بكلية الحقوق العراقية في سنة 1942، حملت العنوان "أحوال العمل والعمال في العراق"، أفصح جواد فيها عن ضنك العيش الذي يلاقيه عمال الصرائف في بغداد. وفي هذه المناسبة أجرى مقارنة بين ما يتقاضاه العمال من أجور وما يصرفونه من تكاليف لمعيشتهم، خلص في نهايتها إلى الحقيقة المؤلمة، أن الطبقة العاملة في مجمعات الصرائف تعيش عيشة غاية في الانحطاط من حيث المسكن والمأكل والملبس والتعليم، مذكراً الكل أن هؤلاء الناس الذين يسكنون في "سقائف وخرائب وصرائف". لا تقدم لهم الدولة من خدماتها الاجتماعية إلا القليل.
كرر هاشم جواد هذه المواقف عندما أصدر كتابه "مقدمة في كيان العراق الاجتماعي"، واصفا وصفاً دقيقاً بعضاً من حياة سكان الصرائف وأوضاعهم المعيشية حينما كتب : "يعيش جزء كبير من العمال في الأكواخ والصرائف، أما الأثاث المستعمل فبسيط جداً لا يتعدى بعض التخوت الخشبية أو الأسرةّ من السعف، وكثيراً ما تستعمل الأحطاب في الوقود والتدفئة".
لم تكن طالبة كلية الطب العراقية نزيهة الدليمي، بعيدة عن معاناة نساء الصرائف إذ كتبت في مجلة "تحرير المرأة" مقالاً، وصفت بوساطته معاناة النسوة في منطقة ما وراء السدة الشرقية في عيشهن اليومي، في ظل انعدام الخدمات العامة، كالمياه الصالحة للشرب، والصرف الصحي، وذكرت الدليمي، أن أكواخهن أرضاً خصبة للأمراض، لاسيما مرض السل الفتاك، كما أن الذباب المتوفر بكثرة في مسكنهن يعرضهن لشتى الأمراض السارية وأخطرها. وتطرقت نزيهة الدليمي إلى معاناة النسوة في الصرائف وتحملهن المشقة في جلب المياه من السواقي
 الضحلة.
أما فيما يخص وسائل تصريف المياه القذرة، فقد وصفتها نزيهة الدليمي، أنها رديئة جداً فالمراحيض والبالوعات عبارة عن حفر صغيرة تحت الأرض تتجمع الإفرازات والمياه القذرة فيها لتنظف بين الحين والآخر، ولكنها قبل أن تنظف يترشح الكثير منها خلال التربة إلى آبار مياه الشرب المجاورة لها. واستغربت الكاتبة المذكورة من وجود كل هذه العوامل الخطرة وغير الصحية والتي لها أثر سيءٌ في صحة المجتمع، في بغداد عاصمة العراق.
يعد عبد الرزاق الهلالي في مقدمة الكتاب الذين تناولوا موضوع أهل الصرائف وسكانها في كتبهم وبحوثهم، فقد صدر للهلالي كتابٌ كان عنوانه "نظرات في إصلاح الريف"، تحدث في كثير من صفحاته عن أحوال المهاجرين من لواء العمارة في مدينة بغداد، وتناول أحوالهم المعيشية المزرية، فضلاً عن مساوئ هذه الهجرة على المدينة. وذكر الهلالي أن سكن أصحاب الصرائف في بغداد يؤدي إلى مضاعفة وتعقيد مشكلة الفقر في المدينة، كما أنها تعقّد المشكلة الصحية، بسبب ازدحام السكان وسوء حالة القسم الأعظم من المهاجرين الاجتماعية، كما بين الكاتب المذكور ان هذه الفئة من الناس سببت إرباكاً أمنياً عاماً، بسبب قيام سكان الصرائف بالتنقل داخل بغداد دون أي ضابط، فضلاً عن أن تفكيرهم موجه من اللامبالاة، فسبب كثيراً من التراخي في الضبط الاجتماعي. لقد عد الهلالي ظهور مثل هكذا مشاكل شيئاً متوقعاً نتيجة تمركز حوالي 50 ألف مهاجرٍ في مناطق بغداد المختلفة.
لكن بالمقابل انتقد الكاتب عبد الرزاق الهلالي، إجراءات الحكومات المتعاقبة إزاء سكان الصرائف في بغداد، خاصة إبان مواسم الفيضان، بأنه موقف تجلت فيه أكثر المواقف سوءاً. كما أعرب الكاتب المذكور عن استيائه الشديد من إقدام المسؤولين بالتضحية بمنطقة الصرائف وكسر السداد عليها وإغراقها، وتشتت سكانها، نتيجة اكتساح المياه لصرائفهم، الأمر الذي جعلهم يهيمون في الطرقات والفجوات بين القصور والساحات الفارغة، وهم مذعورون. ومما أثار استغراب الهلالي كثيراً هو قرار السلطات الحاكمة بترحيل سكان الصرائف من المدينة حال انحسار مياه الفيضان، مستعينة بجهاز الشرطة الذي يبدأ بمطاردتهم وإجبارهم على العودة من حيث أتوا، لتتكرر المأساة هذه في كل سنة من دون أن تتخذ السلطات حلاً يريحهم من عذاب هذه الحياة.
كما تناول الكاتب عبد الرزاق الهلالي في مقاله الموسوم "مساكن العمال والفلاحين في العراق" الذي نشرته له مجلة "البعث العربي" موضوع سكن عمال بغداد في الأكواخ المحيطة بها، وما يعانون من مشاكل اجتماعية وصحية واقتصادية، مما ينغص عليهم حياتهم، ويجعلهم كارهين لها. ولم ينسَ الكاتب أن يحث المسؤولين الحكوميين على السعي الحثيث لإنشاء الدور الصحية المناسبة لهؤلاء العمال، لكي تحل محل الصرائف في بغداد. دافع الكاتب عبد الرزاق الهلالي بوضوح يستحق الشكر والثناء عليه، في كتابه "الهجرة من الريف إلى المدن في العراق"، محاولاً تفنيد من يقول أنهم أناس طارئون وطفيليون في بغداد. مذكراً بأن هؤلاء النازحين هجروا قراهم وتركوا ديارهم بكل يسر وسهولة، لأن أغلبهم، ولاسيما أبناء العشائر في لواء العمارة لم يكن لهم فيها سوى "عظام الموتى" إذ لا يملكون فيها شيئا،ً فلا عجب أن جاءوا إلى بغداد بأنفسهم ومتاعهم البالي، وأضاف الهلالي "وها نحن اليوم في بغداد نجد هذه الجموع المتراصة وراء السدة الشرقية، جاءت كما رأينا هاجرة قراها سعياً وراء الرزق والكسب الحلال، وقد تغلغل هؤلاء في الحياة الاجتماعية فأصبح وجودهم ضرورياً لأنهم يقدمون للمجتمع البغدادي شتى ضروب الأعمال والخدمات التي تتطلب جهداً مادياً وبشرياً، كما انخرط الكثير منهم في صفوف الجيش والشرطة والخدمة في دوائر الدولة. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن أصحاب الصرائف لم يعودوا قوماً طارئين، إنما أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع البغدادي".
يهمنا أن ننقل وصف الباحث والكاتب مير بصري لسكان الصرائف، ففي حديثة الذي أجرته معه جريدة "الزمان" الصادرة يوم 20 كانون الثاني 1954، وصف أحياء الصرائف بأنها "مجتمعات متذبذبة على حواشي العاصمة بغداد"، إذ  محذراً في الوقت نفسه من ازديادها، داعياً أيضاً إلى معالجة مشكلة الهجرة من الريف، إذ عدها بصري، السبب الأوحد في تكوين هكذا أحياء، من خلال المضي بالمشاريع الكثيرة التي ترفع مستوى القرى والمجتمعات الزراعية.
أثار قيام طالبات معهد الملكة عالية للخدمة الاجتماعية بزيارة منطقة الصرائف خلف السدة الشرقية ودراساتهن للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لتلك المنطقة الكاتبة مائدة حيدري محمود، فكتبت مقالاً نشرته جريدة "صوت الأهالي" في 28 شباط 1954، جاء يقطر بمشاعر التبجيل والإعجاب بما قامت به طالبات المعهد المذكور. كانت مقدمة المقال عبارة عن مجموعة أسئلة من قبيل:
"ماذا تعمل فتياتنا بين تلك الأكواخ الصماء وبين ذلك البؤس والشقاء وبين تلك المزابل البشرية الممتدة وراء سدة بغداد؟" و"هل يا ترى أيقظ العلم بناتنا فأدركن رسالتهن الروحية لإحياء ما أخمد من قوى الأمة". ولم تبارك الكاتبة المذكورة بكل جهد يبذل للنهوض بواقع منطقة "العاصمة" فقط وإنما، راحت تتغنى بجهود المرأة العراقية، ممثلة بطالبات معهد الملكة عالية بهذه اللغة : "فسيري على بركة الله، أيتها المرأة العراقية الصغيرة، سيري ولا تخافي، وأشعي النور في الظلمات، والأمل في اليأس، واجعلي قلبك في كل قلب، ومسكنك في كل مسكن، وليكن قلبك واحة لكل قريب وغريب، إن البلد تناديك بلسان ضعفائها وبؤسائها فلبي نداءها".
وحول الموضوع نفسه، كتبت روز خدوري مقالاً في الجريدة نفسها وفي عددها الصادر في 1 آذار 1954، حمل العنوان "مشكلة سكان العاصمة"، كان عبارة عن بحث متكامل الجوانب، سلطت خدوري فيه الضوء على أهم ما يعانيه سكان منطقة "العاصمة"، فمن الناحية الصحية بينت مساوئ الصريفة كمكان للسكن، إذ إنها صغيرة الحجم وعديمة النوافذ، وهي عبارة عن "قبو مظلم"، فضلاً عن كونها مأوى كل من البشر والحيوانات، أما عن مستوى الآهلين الصحي فذكرت الكاتبة المذكورة أن الأمراض منتشرة بصورة هائلة، إذ إن أكثرية السكان الساحقة مصابون بالأمراض الجلدية والأمراض الزهرية والسل الرئوي وغيرها، وحذرت من الانتشار السريع لهذه الأمراض بين السكان الأصحاء، بسبب كثرة العدوى بينهم. وانتقدت روز خدوري إجراءات البلدية، لأن سياراتها المعدة لنقل الأوساخ لم تمر مطلقاً بهذه المنطقة، مما تسبب بوجود جبالٍ من الأوساخ والقمامة.
كما أشارت الكاتبة روز خدوري في مقالها إلى أن دخل عائلة سكان الصرائف ضئيل جداً، مما أدى إلى ظهور مشاكل عدة، ويتجلى ذلك في ما يتناولون من غذاء، إذ يقدم أهالي الصرائف على شراء السمك العفن لرخص ثمنه، أما اللحوم فيتعذر على الأغلبية من سكان هذه المنطقة شراؤها. ولاحظت الكاتبة المذكورة انتشار ظاهرة عمالة الأطفال، الذين لا تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة ويشتغلون في أعمال الطين والمعامل. أما بالنسبة إلى موضوع الأمية التي وصفته روز خدوري بالداء، فإنه لا يشمل الكبار فحسب وإنما، الأحداث أيضاً، ومما زاد تفاقم هذا الداء هو ندرة المدارس. وأكدت روز أن الأهالي راغبين في إرسال أبنائهم إلى المدارس، ويتمنون أن تلتفت الحكومة وتقوم بتأسيس عدد من المدارس في المنطقة وتنتشلهم من الجهل.
خلصت الكاتبة روز خدوري بعد هذا كله إلى حقيقة في غاية الأهمية وهي، أن مشكلة سكان الصرائف أصبحت من المشاكل الهامة التي يجب معالجتها، لأن إبقاء هذه المشكلة على وضعها الراهن لا يتفق وتطور المجتمع، كما أن مشكلة سكان الصرائف هي أدق من مسألة إسكانهم في بيوت من الطابوق والجص، لأنها مسألة تتعلق بالناحية الصحية بالدرجة الأولى، إذ إن الإصلاح الاجتماعي يجب أن يبدأ من الجذر أي يرفع المستوى الصحي للسكان لضمان معيشتهم ليتمكنوا من تطبيق ما يتعلمونه من إرشاد. وان كل ذلك بعض من مقومات الإصلاح المنشود.
عالج الشيخ والسياسي الكبير والكاتب المعروف محمد رضا الشبيبي أُس مشكلة الصرائف في بغداد وأساسها، معالجة واقعية. وكان ذلك في مقال له نشرته جريدة "الزمان" كان عنوانه "مشكلة الأرض في العراق"، إذ أكد فيه أن من أسباب الهجرة الرئيسة هو عدم توزيع الأراضي على صغار الفلاحين بمساحات معقولة، لاسيما في لواء العمارة التي كانت أغلب أراضيه أميرية، مما أدى إلى هجرة فلاحي هذا اللواء إلى بغداد. ثم أضاف الشبيبي واصفاً حالة المهاجرين في بغداد وتسكعهم في ضواحيها بأنه " لطخة عار في تاريخنا الحديث، وان موقفنا موقف المتفرج من بؤس الفلاح المذكور وفاقته موقفاً ينطوي على أفضع ضروب التسيب والإهمال".
وحذر الشبيبي في مقال آخر، من تكاثر أحياء العمال المهاجرين البسطاء الذين يعيشون بأجور زهيدة في ضواحي بغداد، على حساب إفقار المناطق الزراعية من الأيدي العاملة، لأن استمرار الهجرة ستجعل برأيه، وهو صحيح تماماً مجموع الشعب العراقي كتلة من العمال غير الماهرين، وستقضي عاجلاً أم أجلاً على نهضة البلاد من الناحية الزراعية، وبالتالي يضطر العراق إلى استيراد قوته ومواده الغذائية من خارج البلاد وبأسعار باهظة.
لاحظ الشيخ الشبيبي المضمون نفسه، في مقال له نشر يوم 7 تموز 1956، أن الأحياء المتكدسة والمتراصة من الصرائف في ضواحي بغداد تشير إلى "محنة الريف العراقي"، إذ إن العائلة المهاجرة تجد في كثير من الأحيان عملاً لكل أفرادها لقاء أجر ولو كان ذلك الأجر زهيداً جداً، إلا أنه أحسن مما كانت تجنيه من أعمال الزراعة، لذلك فإن هجرة هؤلاء وتحولهم إلى عمال، أدى إلى ندرة العثور على الفلاحين في أريافهم.
ومما يجدر ذكره هنا أن الأكاديمي حسن محمد علي، قد بحث أسباب الهجرة من الريف إلى بغداد ونتائجها الاجتماعية على بغداد، ومن جملة ما توصل إليه من نتائج، هو أن سكان الصرائف في بغداد يعيشون ضنكاً وهم على درجة عالية من الإملاق، ومضى مدللاً على ذلك قائلاً: إن الأجور التي تدفع لهم هي أعلى مقدارٍ من قيمة الإيراد الزراعي، غير أن الأثمان العالية التي يجب أن يدفعها ساكنو الصرائف لقاء المأكل والملبس وغيرها تجعلهم في فقر كبير، وهكذا يجابه النازحون إلى بغداد مصاعب  كثيرة في محيطهم الجديد، لاسيما عندما تكون أجورهم واطئة جداً، وختم حسن محمد علي مقاله بدعوته إلى وجوب إجراء دراسة وتحقيق في تأثير الهجرة ونتائجها على الحياة الاجتماعية للمدن والقرى.
كما سلط الأكاديمي صلاح الدين الناهي الضوء ساطعاً على ما كان يعانيه سكان الصرائف، إذ جاء ذلك في صفحات كتابه "مقدمة في الإقطاع ونظام الأراضي في العراق"، ذكر فيه أن مدينة بغداد أحيطت بالأكواخ العائمة في المستنقعات والنزيز، وتوجد فيها طبقة جديدة من الناس تعيش في أوطأ مستوى مادي ومعنوي للحياة يتصورها الخيال.
لعالمِ الاجتماع العراقي المعروف علي الوردي موقفاً معيناً من سكان الصرائف يستحق الذكر، ففي سنة 1956 أخذ الوردي طلابه في قسم الاجتماع في درس عملي لزيارة منطقة "العاصمة" لدراسة أوضاع سكانها الاجتماعية، والأسباب التي أدت بنزوحهم إلى بغداد، ودراسة أحلامهم وتطلعاتهم المستقبلية، وعلى ما يبدو أن هذه الزيارة لم ترُقْ لنوري السعيد رئيس الوزراء، فعاتبه مخاطباً إياه "لماذا تنشر غسيلنا أيها الوردي" فأجابه علي الوردي مستعيناً ببديهيته المعروفة "إن الناس التي تسعى للنظافة، تنشر غسيلها تحت أشعة الشمس".
لم يكن غريباً أن تشغل أحوال سكان الصرائف ومشاكلهم الكثيرة حيزاً معيناً من اهتمامات الأدباء والشعراء العراقيين. إذ وجه بعضهم اهتمامه لمعالجة هذه المشكلة أو تلك من مشاكل مجتمع الصرائف. لقد كان اهتمام بعضهم كبيراً جداً، فصاروا أكثر قرباً من هذه الفئة من العراقيين، وأكثرهم تحسساً لآلامهم وآمالهم. مهما يكن من أمر، فإن القاص عبد الملك عبد اللطيف نوري كتب قصة وصف فيها حياة سكان الصرائف وسكنهم وصفاً دقيقاً، أطلق على قصته "بين المزابل" ومن جملة ما ذكره هو: "مسكنه لم يكن إلا بجوار مزبلة واسعة في الخلاء، تنقل إليها القمامة من قلب المدينة وأطرافها، ولم يكن غير كوخ متواضع بسيط جعله مأوى له ولأحلامه الجديدة".
أما شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، فإنه أتحفنا بصورة شعرية عن حياة سكان الصرائف، لاسيما في قصيدته "عالم الغد" التي قال فيها :
"أيها المستمنّ بالتلطيف مسترقاً بكسرةٍ من رغيفِ
لا تقيه أنارة من جوع
يتمنى انعكاس ضوء الشموع
وسميل من الشباب شفيق
يسترا العورتين بالترقيع
وحواليه من نتاج الصوف
من ذويه "الأوباش" أي قطيع
تجتدي من دمائنا قطرات حبست عند هذه الحشرات
هي منافي هذه الغمرات
والوجوه "المصفرة" الغبرات
والعيون "الحزينة" الحذرات
في منايا الصدور "منكسرات".
كما نظم الشاعر العراقي حسين مردان قصيدة أسماها "الفيضان" كانت مفعمة بمشاعر الحزن والأسى والشفقة أيضاً على سكان الصرائف الذين شردوا بسبب فيضان سنة 1954، فلنترك الشاعر حسين مردان يصور ذلك :
الماء ... هذه الكلمة الناعمة
أسمع .. الماء !
لقد أصبحت شيئاً بشعاً كريهاً
والمشردون ...
الأطفال السمر، والأمهات البائسات.
الجوع والخرق والدموع
الأكواخ السود .. والرجال الصامتون
النكبة ... والصمت
ما الفرق ..؟
من أرض المستنقعات إلى الرصيف
ولكن البطالة ... التشرد،
لا شيء ... مواعيد ..
وصدقة ... صدقات ... ياللمساكين.
أما قريحة الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة فقد أفاضت بقصيدة رائعة أسمتها "المدينة التي غرقت" وكان مطلعها:
"وراء السداد التي ضمدوا جرحها بالحصير
وخلف صفوف الصرائف حيث يعيش الهجير
يسير طريق تدثر بالطين نحو المدينة
وأطلاها حيث يعيش احضرار السكينة
وكانت تجيش وتزخر ساحاتها بالحياة
وجاء الخراب ومدد رجليه في أرضها
وأبصر كيف تنوح البيوت على بعضها
ويأتي الصباح ويختبئ في مكمن
وتخفيه مستنقعات فساح
؟".
وبالقدر نفسه، راح الشاعر محمد جواد الشبيبي يُسخر جزءاً من شعره لطلب العدالة الاجتماعية ورفع الآلام التي تحيط بالفقير والعامل الذي يتخذ من الصرائف سكناً له. ومما قاله حول هذا الموضوع :
ينهي الجباة – فلا خفت جبايتهم -
ما أن أراحوا مطاياهم وأنفسهم
أبقت مأتم في الأكواخ تندبها
الله يا سالبي العريان جلدته
ماذا يكابده المظلوم من جنف
ثقل العباب وفيها الخزي والعابُ
إلا غدت تعقب الراحات أتعابُ
وفي القصور لها عزف وإطرابُ
ففي قضايا القضا سلب وإيجابُ
تفننت فيه حكام وكُتابُ
ربما لا نظلم أحداً عندما نقول إن الشعر الشعبي في العراق، وفي أحيان كثيرة، يرسم صورة شعرية أقرب ما تكون إلى الواقع وأكثر ملائمة لمشاعر الناس وأحاسيسهم الدقيقة، لأنه ليس فيه من التعقيد الذي يحتاج إلى الرجوع إلى المراجع لفهمه، إذ إنه يكتب باللهجة المتداولة بين الأوساط الشعبية. والأهم من ذلك كله أن القصيدة الشعبية تعالج الموضوع الذي هي بصدده بشكل مباشر ومبسط للمتلقي. فلنقرأ القصيدة التي نضمها الشاعر الشعبي كاظم خبط الجبوري  في بداية عقد الخمسينيات من القرن المنصرم والتي أسماها "القصر"، والتي صور فيها أحاسيس ومشاعر أحد أطفال منطقة الصرائف، والتي قال فيها:
يمه ذولة أهل القصر ما لاعبوني
يمه من شافوني أجيت تنادسوا واستغربوني
يمه ماسموني باسمي وكالوا هذا ابن الفقير وشتموني
وكالوا هذا ابن الصريفة وعيروني
يمه جاهو الفقير أشسوه من نجله ابعمرهم؟
يمه جاهيه الصريفة شماخذه وخايف قصرهم
يمه كالوا لا تمر منا بعد بالك تشم ريحة وردنه
وكالوا بجدمك الحافي نخاف يترب عكدنه
يمه عدهم كلشي عدهم واحنه بس الماكو عدنه
يمه لعابات عدهم مدري شنهي وانه لعاباتي طين
يمه حتى ثيابهم مستغربتني يعاتبن ثوبي الحزين
يمه جاليش احنه فقره وليش اهلهم زناكين
يمه دين الفقر متعب خل نبدله بغير دين
وليش ما عدنا قصر عالي مثلهم؟
موش أبونه اليبني هاي قصورهم كل هالسنين؟
وليش ما عدنا ورد يمه مثلهم؟
موش ابونه اليزرعلهم بساتين؟
يمه مو كتيلي مرة أبنادم اطباع تهم ما يهم لونه
يمه ثاري بس الكمر بالدنيا يحبنه
اعلينه يسهر دوم ما غمض اعيونه
يمه خاف الكمر هم ينباع والهم يشترونه.
من رسالة (سكان الصرائف
في بغداد)