«مارتين السعيد».. رحلة البحث عن السعادة والحقيقة

«مارتين السعيد».. رحلة البحث عن السعادة والحقيقة

من هو جان دوست.. الروائي الذي لفت الأنظار إليه منذ روايته الأولى"مزآباد":(مدينة الضباب). وحقق حضورا مدهشا وكبيرا في المشهد الروائي الكردي؟
"ولدت، قبل حوالي نصف قرن من الزمان، لأبويين كرديين، قريباً من حلب، في بلدة كوباني التي تشقها سكة قطار إلى نصفين، نصف تركي ونصف سوري.

وترعرعت في عائلة دينية.. وأخواي الأكبر مني، كانا شاعرين وسلما إلي مفاتيح سحرية لعالم الحروف والكلمات. كبرت بين الكتب العربية (..وكتب كردية.. كنا نخفيها عن الأنظار خوفاً من زوار الفجر). تعلقت بسحر الكلمة منذ طفولتي.
وأول"قصيدة"كتبتها هي وأنا في سن العاشرة.. وكانت باللغة العربية. قصيدتي الكردية الأولى كتبتها وأنا في الخامسة عشرة. وكتابي الأول أنجزته عندما كنت في العشرين..وهأنذا أقيم، منذ عام 2000، في المانيا، بينما روحي لم تغادر مسقط قلبي."

شاعراً.. ثم روائياً

بدأت شاعراً وانتهيت روائياً.. هل ذاك لأن الرواية حلت مكان القصيدة وأصبحت (ديوان الكرد والعرب أيضاً)؟
طالما كنت، وخلال تجربتي الشعرية، منذ البدايات، على اتصال وثيق بالقصة والرواية وعوالمهما.. وفي نهاية التسعينيات من القرن الـ20، اتجهت إلى الرواية. وبدأت عام 1998 كتابة أولى رواياتي"مدينة الضباب"(التي تترجم حالياً إلى العربية)، ذلك بعد أن حققت نجاحاً باهراً، فاجأني وشجعني.
أعتقد أن العصر الذي نعيشه، بتقلباته السريعة وسيطرة التكنولوجيا واقتحامها حياة الإنسان، هز عرش الشعر في العالم كله. الرواية أصبحت ديوان الشعوب ومرآة حياتها بكل التفاصيل. في الشعر يمكنك البوح بحالات وجدانية جميلة جداً. لكن الرواية كعالم إبداعي يستوعب الشعر وكل فنون الأدب، وهي بذلك تستطيع التعبير أكثر، وبالتالي العبور إلى ضفاف أخرى.. الرواية ملحمة العصر، كما يقولون.

.. إلى عوالم الروحانيات

"مارتين السعيد".. روايتك الجديدة. ماذا عن علاقتك بـ (مارتين)؟
أعتقد أولاً أن رواية"مارتين"جاءت نتيجة مكوثي في الغرب الأوروبي، مدة عشرة أعوام (أي حتى اللحظة التي كتبت فيها هذه الرواية). وكانت هذه أول رواية لي، بطلها ليس كردياً ولا قادماً من التاريخ الكردي، بل شخص ألماني عاش في بداية القرن الثامن عشر، تجربة كبيرة ومغامرة إنسانية دفعته إلى هجرة بلاده والتوجه إلى الشرق..
حيث"النور والروحانية"، بعيداً عن أوربا.. مارتين هو الإنسان الباحث عن الحقيقة والمستعد في سبيل الحصول عليها، لأن يسافر شهوراً طويلة.. إن مارتين يبحث عن تعريف للسعادة ويظن في كل مرحلة، أنه قبض على ناصيتها، لكنه سرعان ما يكتشف العكس دائماً.

"كائن مسكين.. يعاني"

الدين.. الحرب.. السعادة. هذه القضايا الشائكة في عالمنا اليوم، تجد مكانها في الرواية. هل تجد أن مهمة الروائي طرح الأسئلة؟!
بالضبط. طرح الأسئلة، لا بل تفجيرها، وبالتالي تفجير الوعي وتحريك الراكد من الثوابت. والتساؤل حول امتلاك الحقيقة وادعاء كل مذهب بأنه سادن الحقيقة وحامل شعلتها المتقدة. في اعتقادي أن القضايا الكبرى التي تشغل بال الإنسان هي هي ذاتها، ولا تتغير بتغير الأزمان والعصور.
صراع الأديان والفلسفات والمذاهب والقوميات لم يتغير منذ فجر التاريخ.. لا أدعي أن روايتي تعالج هذه الموضوعات وتبشر في النهاية، بالخير للبشر.. أو تطرح حلولاً. أنا وغيري من الروائيين، مهما سمت مرتبتنا، عاجزون عن إيجاد حلول للبشرية، مهمتنا هي طرح الأسئلة.
هل هناك رواية كردية..وجديدة؟
نعم، هناك رواية كردية تتقدم إلى الأمام بخطوات واثقة، لكنها تعاني، للأسف، من المحلية، بسبب انعدام مشاريع الترجمة أو قلتها، ونتيجة لاهتمام دور النشر بالمشهور عالمياً والانجذاب إلى المركزية الأوروبية. الرواية الكردية متطورة في إقليم كردستان حيث اللهجة الكردية الجنوبية. وبرز في عالمها روائيون أفذاذ.

شهادة

مشروع (كلمة) للترجمة، التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، قدم عدداً من الروايات الكردية للقارئ العربي، هل لك أن تحدثنا عن انطباعك في هذا الشأن، خاصة وأنك أحد المترجمين العاملين فيه؟
مشروع"كلمة"، رائد في العالم العربي والمنطقة. هو يتيح، بما لدى القائمين عليه من رؤى ثاقبة، المجال أمام المترجمين لنقل الروائع من آداب ومعارف الشعوب الأخرى، إلى العربية. وكان لي شرف نقل ثلاثة كتب إلى العربية. وهي رواية الكاتب حسن مته: (متاهة الجن)، كتاب (عادات الكرد وتقاليدهم)، روايتي (ميرنامه).
كما نقل مروان علي الرواية القصيرة (العاجز) للكاتب صلاح الدين بولوت، ونقلت الشاعرة خلات أحمد كتاب (المرأة في الفولكلور الكردي) للباحث روهات آلاكوم. وهكذا لعب المشروع دوراً مهماً في التقارب بين الشعبين المسلمين الجارين: العربي والكردي. وهناك طبعاً، مشاريع ترجمة أخرى قدمناها لـ(كلمة). وننتظر الموافقة عليها في الخطط القادمة.
إن الترجمة ليست فقط جسراً تعبر عليه الثقافات والآداب إلى الضفاف المقابلة، بل هي جسر تلتقي القلوب في منتصفه وتتصافح الأفكار وتتلاقح على حوافه. إنها جسر هام جداً لإزالة الصور النمطية والأحكام مسبقة الصنع التي رسخها الجهل وعمَّقتها الأحقاد. و"كلمة"أخذت على عاتقها هذا الدور المفصلي.

الارتحال شرقاً.."فلا حروب بعد اليوم"

التيمة الرئيسية في رواية"مارتين السعيد"، هي السعادة. فما هي.. وكيف يحصل عليها المرء وهل من جدوى في البحث عنها؟ إلى جانب تيمات موازية كثيرة، منها الصراع بين الأديان والمذاهب والقوميات والأعراق.. وادعاء الحقيقة الذي يسبب الحروب.

"معاهدة كارلوفيتز"

تبدأ الرواية في كانون الثاني من عام 1699، في مدينة كارلوفيتز الصربية، حيث اجتمع ممثلون عن روسيا وفرنسا والفاتيكان وبولونيا والنمسا، مع ممثل الإمبراطورية العثمانية، لتوقيع اتفاقية السلام التي اشتهرت في التاريخ باسم"معاهدة كارلوفيتز". إذ دشنت عهداً من السلام بعد حروب طويلة بين العثمانيين والأوروبيين.
"رنَّ جرس الكنيسة تسع مرات في البلدة الصربية الصغيرة كارلوفيتز...". بهذه العبارة يفتتح جان دوست روايته. ويتحدث فيها المجتمعون، عن السلام وأهميته. ويتفقون على أن لا حروب بعد اليوم.

.. الارتحال شرقاً

وفي تلك اللحظة، أي حين يوقع ممثل السلطة العثمانية مع الأوروبيين نص المعاهدة، يغادر الشاب مارتين سيتزر، قريته الألمانية الصغيرة، هيرنه، في ولاية شمال الراين، متجهاً إلى أمستردام، ليبحر منها إلى بلاد الشرق، حيث"النور والروحانية والتصوف والطهر"، كما يقول له صاحب نزل عجوز خبر الدنيا وعاش حرب الثلاثين عاماً في أوروبا.
وقبل أن يغادر، ينفحه العجوز هانس، بعضاً من المال. ويحدثه عن كتاب يسمى (الإفادة في إكسير السعادة)، ويقول له لو ملكت هذا الكتاب فإن السعادة ستصبح طوع بنانك.
صديقان وخياران

يحاول مارتين بدوره إقناع صديق طفولته غوستاف المتدين، فيرفض غوستاف. وبدل أن يذهب صوب الشرق، يختار غوستاف وجهة أخرى..هي غرب افريقيا للدخول.. ذلك في خضم صيد الزنوج للاتجار بهم.
يفترق الصديقان. يخوض مارتين غمار رحلة بحرية طويلة، عبر طنجة والإسكندرية في مصر، حتى الوصول إلى ميناء عكا.. ومن ثم بلوغ حلب، التي يستقر فيها ويتاجر بالورق، لمدة أعوام مديدة. ويختلط مارتين بالمجتمع الحلبي المتنوع، المسلم - المسيحي.. العثماني - الأوربي، ويعيش حالة من السعادة لازدهار تجارته.. ويحب، يعشق، ينخرط في اللذة الحرام. ويظن أنه بلغ نهاية السعادة..من دون أن ينسى بالطبع، البحث عن كتاب"الإفادة في إكسير السعادة".

رسالة مبهجة

تسوء أمور مارتين. إذ يدخل على خط تجارة الورق، تجار آخرون. فيفلس، وإنقاذاً لنفسه.. وسعياً لاسترداد موقعه في السوق، يعلن إسلامه، لكن ذلك لا يفيده. وتأتيه رسالة من صديق له في بلدة بايزيد الكردية، يعلن فيها عن حصوله على خيوط تدل على الكتاب الذي يبحث عنه. فيغادر مارتين، فاراً من حلب، مع قافلة الصابون، إلى دياربكر. ثم يصل بايزيد. وينزل في خان صغير.
ويجتمع في ذلك الخان الصغير بشر من كل الملل والأعراق والمذاهب والأديان، تجار ورجال دين ولصوص وقتلة.. شعراء وصعاليك. وتحدث في الخان أمور غريبة وتدخل مجموعة متطرفة إلى الخان لينقسم إلى قسمين يتقاتلان، بينما يحاصر الثلج أهل الخان فلا يقدرون على الخروج.
يستطيع مارتين، بعد أن يرى القتل شاع بين الناس هناك، الخروج عبر ثغرة يفتحها في سقف الغرفة التي يسكنها. وينزل إلى الأسفل ليلتقي برجل حكيم يساعده في الخروج والوصول إلى بلدة بايزيد، ومنها يتجه مع قافلة تجارية إلى الغرب،عقب أن يفقده هول الأحداث القدرة على النطق ويصيبه بالشلل في اللسان. ويرجع مارتين على متن سفينة هولندية إلى أمستردام.. ومنها إلى بلدته ليعيش أموراً أغرب من التي عاشها في الخان.
عن/ بيان الكتب