مقومات التنمية والاستقرار الاقتصادي

مقومات التنمية والاستقرار الاقتصادي

ميعاد الطائي
من أهم شروط ومقومات التنمية الناجحة أن تنطلق وتنهض عن نظام مؤسساتي سليم وعن دولة قوية تتمتع بالاستقلالية ومستقرة في اتخاذ قراراتها ورسم خططها التنموية حيث يتمكن أبناؤها من ممارسة النشاطات الاقتصادية والاجتماعية بحرية كبيرة في ظل القوانين

والتشريعات التي توفر لهم الحماية بعيدا عن الضغوطات التي قد تمارسها السلطة، وهذا ما يضمنه لهم الإعلان العالمي الذي يعطيهم الحق في التنمية والذي صدر عن الأمم المتحدة سنة 1986. ولقد تم تعريف التنمية من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 1990 بأنها العملية التي تتيح للناس خيارات أوسع، وتتضمن: تنمية الناس، والتنمية من أجل الناس وبواسطتهم، وبالاستثمار في مقدراتهم، كي يتمكنوا من العمل على نحو منتج ومبدع، ما يعني إتاحة الفرصة لكل إنسان للمشاركة في هذه العملية، وهذا كله يحتاج إلى الربط الاجتماعي بالاقتصادي، والسياسي، والثقافي، وبالبيئي كذلك لتكون التنمية الإنسانية الشاملة والمستدامة رافعة للتحولات الديمقراطية، بمحتوى ديمقراطـي وآفاق إنسانية رحيبة.
بامكاننا ان نستنتج من خلال تعريف التنمية ان الاستقرار السياسي يلعب دورا فعالا في نجاح الخطط التنموية للبلاد وان أي تعثر في هذا الجانب يؤثر سلبا على الاقتصاد العام للبلد لضرورة الربط بين الجوانب الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي.
وكما يعرف الجميع ان عجلة الاقتصاد في العراق شهدت تعثراً لعقود طوال وجاءت الظروف الجديدة بعد سقوط النظام الشمولي في العراق لتسهم في تحطيم ما تبقى من دعائم الاقتصاد العراقي من خلال تدمير ونهب المنشآت الصناعية وتدمير البنية التحتية وتفاقم المشاكل الاقتصادية كالبطالة والفقر الأمر الذي يتطلب وقفة جادة وتشريعات سريعة لمعالجة المشاكل الموروثة والمستجدة.
بالرغم من ذلك وبالرغم من الحاجة الماسة لمعالجة المشاكل الاقتصادية نلاحظ اليوم هذا الترهل في التشريع وإصدار القوانين وتعطيل المؤسسات التشريعية لمدة طالت أكثر من ثمانية اشهر بعد انتخابات 7/3/2010 وحتى اليوم.وحسب الدراسات والتقارير فان قطاع المال والأعمال قد أصيب بالشلل لأنه يعتمد بنسبة كبيرة تصل إلى 80% على الإنفاق الحكومي والذي يشهد توقفاً خلال هذه الفترة لنكتشف العلاقة الكبيرة بين الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي.
وربما يختلف الخبراء في المدارس الاقتصادية في تحديد أهم الشروط والعوامل اللازمة لتطوير الاقتصاد وتحريك عجلته من إتباع سياسات نقدية والاهتمام بالبنية التحتية وانتهاج سياسات مالية وتجارية وتنشيط قطاعات خاصة بعينها ولكن برغم ذلك يتفق الجميع ان كل هذه الخيارات مرتبطة بشرط أساسي وهو كما قلنا الاستقرار السياسي.
والمتابع للشأن السياسي في العراق يمكن له أن يكتشف ان العراق لم يشهد في تاريخه الحديث استقرارا سياسيا وحتى بعد سقوط النظام السابق في 2003 لم تتمكن الحكومات التي أعقبت سقوطه من تحقيق الاستقرار السياسي المنشود.وعلينا ان نعترف بوجود حالة من الاستقرار في الوضع الأمني الذي تحسن بنسبة كبيرة في السنوات الأخيرة ولكن الاستقرار السياسي مازال مفقودا في خضم الصراعات بين الفرقاء السياسيين ضمن العملية السياسية.
وبطبيعة الحال فان العلاقة المتوترة بين القوى السياسية تنعكس سلبيا على الملف الاقتصادي وخاصة في ظل الخلاف بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية التي فشلت في تمرير الكثير من التشريعات الاقتصادية بسبب الخلافات السياسية وأهمها قانون النفط والغاز وقوانين أخرى، وهكذا كنا نشهد الخلاف يتصاعد كلما حان الوقت لمناقشة الموازنة العامة لأغراض سياسية تعكس العلاقة السيئة بين القوى المتصارعة.
وليس من الصعوبة بمكان ان نأتي بالأمثلة لدول نجحت في ملفها الاقتصادي واستطاعت تحقيق تطورا ملحوظا بسبب الاستقرار السياسي الذي تعيشه كالأردن وتركيا بالرغم من ان هذه الدول غير نفطية ولا تملك من مقومات النجاح الاقتصادي ما يملكه العراق.
ما نريد ان نقوله في الختام ان الاستقرار السياسي مهم جدا لنجاح السياسات الاقتصادية لان التشريعات والقوانين لن تولد من رحم الاختلافات والصراعات السياسية وفي ظل وجود أكثر من سلطة وأكثر من فيتو.وعلى الجميع أن يدرك أهمية وضرورة إيجاد الأرضية المناسبة لتحفيز وتطوير الاقتصاد وإيجاد الحلول لمشاكله المزمنة.