بسيوني  الذي لا يحب جمال عبد الناصر.. وسليمان الذي أدخله الغيبوبة

بسيوني الذي لا يحب جمال عبد الناصر.. وسليمان الذي أدخله الغيبوبة

ميسلون هادي
بهذه الكلمات التي يقولها جمال عبد الناصر لحارس ضريحه بكوبري القبة، يفتتح الروائي العُماني سليمان المعمري روايته الجديدة التي تحمل عنوان(الذي لا يحب جمال عبد الناصر)، والتي تقدم ذلك الاستدعاء الافتراضي للزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر من رقدته الأبدية،

ضمن مشهد غرائبي يسمح فيه الحارس لشخص مهم من الأموات بمغادرة مكانه ولقاء شخص يختاره، على شرط أن يكون هذا الشخص الذي سيلتقيه عدواً له.. هكذا يخرج عبد الناصر من قبره ويتوجه إلى مطار القاهرة الدولي ليشاهد ميدان التحرير وهو يغلي مطالباً بالتغيير، ويسمع الإخوان في الراديو وهم يغمزون قناة ثورة الثالث والعشرين من يوليو. وبقدرة سحرية لا تتوفر إلا لهذه الشخصيات التاريخية يصل جمال عبد الناصر الى سلطنة عمان ليلتقي عدوه بسيوني سلطان الذي ما أن يراه حتى يقع مغشياً عليه في باب شقته.
هذه الرمزية أو الفانتازية العالية التي افتتح بها سليمان المعمري روايته، سرعان ماتتحول الى واقعية ثرية عندما نكتشف أن بسيوني المصري، الذي يكره جمال عبد الناصر، يعمل مدققاً لغوياً في جريدة المساء العمانية، وهناك في قاعة التحرير، التي يسميها المحررون بميدان التحرير تيمناً، تدور حلقات نقاش ساخنة وموسعة، تهكمية على الأغلب، بين تيارات فكرية ودينية مختلفة تمثلها شخصيات متباينة ومتناقضة من العمانيين و العرب ، وبشكل متواز مع الأحداث التي شهدتها ميادين التحرير العربية خلال ثورات الربيع العربي.. وكأن الروائي أراد من هذه القاعة الصغيرة أن تشكل بانوراما للمشهد العربي الراهن واستقطاباته الحادة، إذ يعمل فيها محررون يمثلون وجهات نظر مختلفة بعضها يحمل طابعاً علمانياً منفتحاً أو دينياً منغلقاً ينتمي إلى فكر مخالف للفكر الديني الآخر، وجميع هذه الأطراف المتصارعة يدفع بها الروائي للحديث بحرية مطلقة، ولكن بدون هتاف أو انحياز مسبق لوجهة نظر محددة.
يتعدد الساردون في هذه الرواية بين تونسي وسوداني ومصري وعماني، وكل واحد منهم يتحدث عن نفسه وعمله بلغة مختلفة عن لغة الآخر، إذ تتباين مستويات هذه اللغة بين رئيس القسم الثقافي، ورئيس القسم الديني، ورئيس قسم المحليات، ورئيس التحرير، و بسيوني سلطان المدقق اللغوي، الذي أغمي عليه في مفتتح الرواية بسبب رؤيته لجمال عبد الناصر.. وقد وظف الكاتب بنجاح أحداثاً سياسية مرت بها سلطنة عمان والعالم العربي لتأطير وإثراء مواقف تلك الشخصيات، بالإضافة إلى مناسبات أدبية أو تاريخية أو دينية حقيقية أبطالها هم من الشخصيات العامة على الأغلب، والتي ذكرها المؤلف بأسمائها المعروفة، ووضعها في سياق معين لتعزيز موقف أو رأي معين.. ولعل شخصية رئيس القسم الثقافي، التي تقف في المنتصف من كل شيء، وتتبنى الحياد والوسطية، هي من أكثر شخصيات الرواية قرباً إلى الإقناع من الناحية الفنية.. فهذا الكاتب الحيادي الثلاثيني، الذي يقف على حافة الحياة وإغراءاتها، يجد أن التعامل مع أطفال الحضانة أسهل بكثير من التعامل مع المثقفين.. وذلك لأنه كان على هامش الوسط ودخله بالصدفة البحتة، ولهذا فهو يختلف جداً مع صديقه الروائي الشهير، الذي يدبج المقالات النارية في إدانة الحكومة، ويعتبر حياد صديقه رئيس القسم الثقافي موقفاً سلبياً للغاية، مقتبساً من مارتن لوثر كنغ مقولته: "المكان الأكثر اتساعا في جهنم محجوز لمن يقفون على الحياد في القضايا الأخلاقية الكبرى".
ثقافة المؤلف الواسعة كانت موزعة بانتباه شديد، وحاضرة بقوة في الرواية من خلال سوق مختلف الآراء والاقتباسات الموثقة لبعض المراجع المعروفة في مواقفها السياسية أو الفقهية أو الأدبية المتزمتة منها والمتسامحة، ووضع ذلك كله داخل مسارات ومجادلات ليست عقيمة.. ولكن عندما يتناول السرد امرأة كزينب العجمي ليست ذات اهتمامات ثقافية رفيعة، فإن اللغة تختلف ويتغير المنظار وزاوية النظر. إن هذه المرأة هي نقطة الالتقاء والتسامح في الرواية.. فهي من مذهب وزوجها من مذهب آخر وهذا الزوج غير متزمت ولا مانع لديه من أن يتحول إبنه الى مذهب آخر لأن المذاهب برأيه وسائط لا غايات.
ليس أصعب على الكاتب بأن يجعل من السخرية أداته لتقديم وجهة نظره بهدوء ومكر يقترب من مكر ثعلب.. وهذه الرواية يطغى الحس التهكمي الساخر على مجمل الآراء التي يكونها أحد المحررين بالاخر، وبما أن هذه الشخصيات كثيرة ومتداخلة ومتباينة الآراء والتوجهات والمواقف، فإن الخيط لم ينقطع بين البداهة والفجاجة، فحافظت الرواية على حس سليم ورفيع يتكلم من طرف خفي دون إسفاف أو تقتير... ولا ننسى أن كل ما في الرواية يدور في فلك الربيع العربي وتداعياته، لذا كانت الشخصيات تتحدث عنه أثناء حديثها عن نفسها.
من إضراب صفاقس وحتى التصويت لمرسي سيحتدم نقاشهم مع أنفسهم والآخرين فيتساءل المحرر التونسي بمرارة: هل كانت هي ثورة حقاً؟ ويواصل المدقق اللغوي بسيوني المصري شتمه لعبدالناصر وتمجيده مرسي، ويلقي المصحح السوداني، الذي يوالي نظام البشير، باللوم على العرب في تقسيم السودان، أما رئيس التحرير فينافق زوجتين، ويتزلف للسلطة وتوجهاتها، ويصف المعتصمين بالمخربين. ووحدها زينب العجمي هي التي تذوب عندها كل الفوارق والخلافات وتلتقي مختلف المذاهب ..
الكل يضعهم الروائي في محيط بسيوني المصري، الذي يشتم الفلاسفة والحداثة وقصيدة النثر، ويجمع التناقض بين بغضه الشديد لعبد الناصر وشوقه الجارف إلى أيام ذلك الزعيم الراحل.. سيظل في غيبوبته طيلة فصول الرواية.. وسنتعرف عليه من خلال وجهات نظر باقي المحررين فيه، وخصوصا سالم الخنصوري رئيس قسم المحليات الذي يحب جمال عبد الناصر جداً، ويناكد بسيوني طوال الوقت بتعداد مآثره أمامه، حتى ظن الكثيرون ان حادثة ظهور جمال عبد الناصر في باب شقة بسيوني هي مقلب من مقالبه الكثيرة.. ولا يفوت الروائي أن يخصص فصلاً لبسيوني يبين فيه أسباب كراهيته لعبد الناصر، فجاءت أسبابه رصينة ومقنعة بقدر رصانة التهكمات التي وجهها باقي المحررين لبسيوني طيلة فصول الرواية، أما الراوي العليم فقد حضر في الفصلين الأول والأخير. وتحت عنوانين تهكميين هما الراوي العليم زرني يا عدوي. الراوي العليم أعرفك جيداً.. وباقي عناوين الرواية لم تقل عن هذين العنوانين تهكماً نذكر منها على سبيل المثال:صوّت لمرسي ياولد.. إشجاب التفاح للبصل.. تاريخ إيه وجزمة إيه يازينب..سموها نكسةجاتهم وكسة.
هذه الرواية مكتوبة بجهد توثيقي كبير، وتستحق أن تصطف مع روايات عربية مهمة اعتمدت أسلوب البحث في كتابتها، خصوصاً وإن كاتبها من الكتاب الشباب الذين لم يعاصروا الكثير من أحداث التاريخ القريب لأمته العربية، ولكنه استطاع بقلم حاد وجهد رصين أن يقدم هذه الأحداث بطريقة روائية تهكمية مشوقة للغاية.