قاسم محمد ومسرحة  التوحيدي

قاسم محمد ومسرحة التوحيدي

د. حسين علي هارف
يعتمد الفنان قاسم محمد في كتابة نصوصه (الاحتفالية) وإخراجها، المادة التاريخية سواء المكتوبة او الشفاهية. فهو في احتفالياته يزاوج بين الموضوعة التاريخية والمادة التراثية والارث الفلكلوري ليقدم من خلال هذا المزيج كله

نتاجاً فنياً يتوفر على قدر من (الدرامية) يقل او يكثر من عمل لآخر بل من مشهد لآخر داخل العمل الواحد.
والتاريخ الذي يلجأ إليه (قاسم محمد) هو ليس تاريخ (المفاخر والامجاد والبطولات) الرسمي الذي يسجله لنا تاريخنا العربي (الموثق).. بل هو تاريخ (منتقى) يتناول فيه موضوعات متفرقة تخص حياة العامة اليومية. انه التاريخ الذي يمكن ان نسميه بـ (الشعبي) الذي توصل إليه (قاسم محمد) عبر نصوص تراثية (ادبية وفنية وسياسية وتاريخية) مثل كتب الجاحظ وادب المقامات والقصائد والمقطوعات النثرية. وغيرها.
وينتزع (قاسم محمد) من التراث تفاصيل عدة ومتضاربة منها السارة ومنها المؤلمة وحتى المدانة فهو يؤمن بأن المسرح (بقدر عنايته بالمفاخر والامجاد عليه ان لا ينسى الوجه الثاني فالظواهر السلبية اذا تم تركها دون تشخيص وتعرية وادانة ستغطي الامجاد والبطوت وتمزقها وتفرغها من معانيها وتحولها إلى اشياء جوفاء، ويبغي (قاسم محمد) في رصده الحالات السلبية إلى غاية انتقادية لغرض الوصول إلى موقف يعري من خلاله الظواهر والسلوكات السلبية في حياة الفرد والمجتمع ويتضح ذلك جلياً في مشاهد كثيرة من مسرحية (بغداد الازل بين الجدل والهزل).
يعتمد (قاسم محمد) المادة التراثية النابعة من عنصر شعبي ومن روح شعبية أصيلة - محتوية على حكمة شعبية عميقة ونقد شعبي مصيب وسخرية شعبية. فالمناظرات والمطاردات الشعرية والنثرية ومجمل السلوكات الشخصية المتميزة والبارزة لبعض الشخصيات التاريخية المعروفة فضلاً عن الطرائف والحكم والحكايات المختلفة الواقعية منها او المؤلفة.. كل هذا يكون عند (قاسم محمد) شكلاً مسرحياً قابلاً لأن يكون مادة درامية لعروض مسرحية شعبية الاتجاه، ذلك ان التراث وان لم يتضمن نصوصاً مسرحية بالمعنى العلمي الدقيق إلا انه غني بالمواقف والصور الأديبة التي يمكن البحث في صلاحيتها للمسرح والدراما.
لذلك يصب (قاسم محمد) كل جهوده الفنية لاستنباط شكل مسرحي من كل ما ذكر، وهو حين يتعامل مع المادة التراثية، فانه يضع نصب عينيه تلك المسألة فيسعى جاهداً لاعطاء الطابع السردي القصصي الموجود في التراث إطاراً مسرحياً بعد ان يغذيه بنفس درامي حين يوفر له اشكالاً من الصراعات ويسعى إلى تنميتها عبر الحدث والشخوص والحوار. غير ان (قاسم محمد) وهو في دوامة البحث عن اشكال مسرحية لمادته التراثية كان يوقع نفسه نسبياً في أسر ذلك الشكل الذي يحاول دوماً ان يعطيه طابعاً عربياً خاصاً (كالديوان والبساط وحلقات المساجد) كما فعل في مسرحية (مجالس التراث) فقاسم محمد يصب كل اهتمامه على التفنن في خلق تلك الاشكال المسرحية (التي يبقى مولعاً بها) وهو يحرص هنا على ان تحمل تلك الاشكال من الاصالة ما يؤكد خصوصيتها العربية وتفردها عن الاشكال المسرحية الغربية (الاوربية).
وقد نجح قاسم محمد - كما نجح عادل كاظم - في التنبه إلى خصوصية القرن الرابع للهجرة الضاج بالمتناقضات والصراعات نتيجة سيطرة البويهيين على العراق، وإلى خصوبة هذا القرن الدرامية، اذ يزخر بظواهر وصراعات معقدة (سياسية واجتماعية واقتصادية).
واذا كان عادل كاظم قد استعار شخوصاً بارزة مثل (المتنبي) و(عمران بن شاهين) واعتمدها نماذج درامية تعبر عن طبيعة القرن الرابع للهجرة، فان قاسم محمد قد اعتمد حادثة تاريخية وهي اضراب النساجين في بغداد عام 374هـ، من دون اللجوء إلى اعتماد أو استحضار شخصيات تاريخية عيانية محددة، عاشت تلك الواقعة وساهمت بصنعها وهو اذ استعار شخصية (ابي حيان التوحيدي) الذي عاش في ذلك القرن وأرّخ له، فانه قد جرده من خلفيته التاريخية وسماه (الفيلسوف الوراق) كما استعار اكثر من حادثة تاريخية لا تنتمي إلى تلك الفترة التاريخية نفسها، ليضمها تحت مظلة الحادثة المحورية في توظيف درامي مقنع دون النظر إلى الترتيب التاريخي للاحداث والشخوص المعتمدة.
لقد تميز قاسم محمد في (مجالس التراث) بعنايته الواضحة في رسم المواقف والشخوص وفقاً لمعالجة درامية جديدة لا تتكئ في مفرداتها كثيراً على المصدر التراثي الاصلي، وفي حرصه على تضمين مسرحيته قيما درامية وفكرية انضجت مستواها الفني وعمقته، فقد احتوت (مجالس التراث) على احداث درامية وشخوص كانت تنطوي على امكانيات درامية وتحمل مقومات الشخصية الدرامية الناجحة مثل (الوراق) و(المجروح) و(البغدادي).
هكذا كان قاسم محمد من خلال (بغداد الازل) و(مجالس التراث) رائداً في مجال تجربة مسرحة التراث والبحث عن عناصر درامية كامنة فيه. وكانت تجاربه المسرحية في هذا المجال علامة فارقة في مسيرة المسرحين العراقي والعربي.