الكشف عن الوجه الكالح وتشريح الأغراض الطائفية!

الكشف عن الوجه الكالح وتشريح الأغراض الطائفية!

عبدالزهرة الركابي
تناول الكثير من الباحثين، بالبحث و الاستقراء و المطالعة و النقد و التشريح، المسار التكويني و التأسيسي و التنظيمي لجماعة (الإخوان المسلمين) في مصر، باعتبارها طليعة التنظيم العالمي لهذه الجماعة، حيث إنها لعبت دورا"سياسيا"ضاجا"بالعقد و المشاكل و إثارة النعرات الطائفية،

بل أن هذه الجماعة، كانت المنهل الذي أغترف منه تيار (الجهاد السلفي)، بتعدداته و تنوعاته الإرهابية، التي كان أشهرها تنظيم (القاعدة).
هذه الجماعة في مصر لعبت دورا"سياسيا"في تأريخ مصر المعاصر، بل أنها وظفت الدين لأغراضها و مآربها السياسية، إن لم أقل إنها تسترت وراء الدين، و كانت الحافز و التقليد لموجة (الثيوقراطية) أو ما يُسمى (الإسلام السياسي)، و قد بدت تصادمية حيال ثورة يونيو عام 1952 التي مهدت الطريق لزعامة جمال عبدالناصر على النحو المعروف، الذي لم يتوان عن توجيه ضربة قاصمة لهذه الجماعة و الحد من نشاطها، على أثر (حادثة المنشية) في عام 1954، و هي الحادثة التي كانت في فحواها، تمثل محاولة لاغتيال عبدالناصر، كانت تقف وراءها هذه الجماعة، و كدلالة مبكرة على لجوء هذه الجماعة للعنف و الاغتيال السياسي، و بالتالي ليس من المستغرب أن تخرج من عباءتها، الكثير من جماعات العنف و الإرهاب الأصولية0

عبدالناصر و الإخوان
و كان عام 1966، زمان الضربة الموجعة التي تلقتها جماعة (الإخوان المسلمين)، من خلال إعدام بعض قياداتها و كوادرها، و في مقدمتهم سيد قطب، الأمر الذي أخرجها عمليا"من حلبة الصراع و التصادم مع عبدالناصر، بيد أن (الإخوان المسلمين) أنتعش دورهم في حقبتي أنور السادات و محمد حسني مبارك، و قد شاركوا في الانتخابات البرلمانية بواجهات شكلية و ليست بواجهاتهم الرسمية، و كان مصرع السادات على يد (الإسلامبولي) أحد أعضاء جماعة (التكفير و الهجرة)، و هي جماعة ولدت من رحم (الإخوان)، و ما أعقب ذلك من ثورة بوجه حسني مبارك انتهت الى الإطاحة به، و من ثم مجيء (الإخوان) الى سدة الحكم، بعدما استغلوا ضعف القوى الليبرالية و تشتتها و كذلك قلة خبرة الفئات الشبابية التي قامت بالثورة أصلا"، حيث أن هذه العوامل و الأسباب، كانت تقف وراء فوز (الإخوان) بالانتخابات البرلمانية و كذلك برئاسة الجمهورية.
 
و نظرا"لحالة الرفض العارمة و المليونية في أوساط الشعب المصري، قام الجيش بالإطاحة بنظام (الإخوان)، و اعتقال رئيسه محمد مرسي الذي أمضى عاما"واحدا"في الحكم، أكد من خلاله عدم أهليته لحكم مصر.
أسوق هذه المقدمة، لأستعرض كتاب (الإخوان – الحقيقة و القناع) لمؤلفه الصحافي و الكاتب المخضرم و رئيس مؤسسة المدى للإعلام و الثقافة، فخري كريم، الذي جسد من خلال كتابه هذا، تماسه الروحي مع الثورة المصرية التي حاول الإخوان سرقتها و تجييرها لصالحهم، و بالتالي فالكتاب، هو الإعلان عن موقف صارم من لدن المؤلف، يتمثل بتأييد الثورة المصرية أولا"، و ثانيا"الكشف عن الوجه الكالح لجماعة (الإخوان المسلمين) التي سطت على الثورة، و استثمرتها لصالحها، على نحو عام من الحكم و إقصاء القوى الحقيقية لهذه الثورة 0
  
الإهداء
يستهل المؤلف كتابه بالإهداء الذي جاء فيه، كان عليّ أن أكون بينكم في ميدان التحرير، لأعمد نفسي مواطنا"يشارك في صنع معجزة هذا الزمان، الذي يئس بعضنا من إمكانية نهوضه.
لم أتردد، غير خشيتي من اتهامكم (بامتداد خارجي)، و أخذي بجريرة التدخل في شؤونكم منعني من الحضور و المشاركة.
هكذا كان حظي الذي لم يترك لي غير خيار (الكلمة)، أو أضعف الإيمان.
أيها العزيز، لقد صنع الشعب المصري، مأثرة قل نظيرها في تأريخ البشرية.
و يكفي أنه أضاف درسا"خلت منه الدراسات، حول معنى الثورة، و حدود الانقلاب، فخرج عن بكرة أبيه، ليملأ الشوارع و الميادين، أوراق تصويت تتطاير في سماوات مصر، لتتحول الى رايات نصر مصر، و تقدم بذلك معنى جديدا"للإرادة التي تضيق بها صناديق الاقتراع، التي قلما تعبر عن الحقيقة، و لتدفع بقوة تعبيرها، بالعين المجردة، و بالصوت لمن لا يرى، الجيش المصري، المنبعث من الجذور العميقة، للامتثال لإرادته.
هكذا تسامت الإرادة الشعبية على اعتماد العنف و القوة في مواجهة التعنت الإخواني، و غطرستهم، و نيتهم المبيتة بإغراق مصر بالدم الزكي، ما جعل الإرادة في الشارع تفويضا"للقوات المسلحة، للحيلولة، دون المواجهة الدموية، و الانزلاق الى أتون الحرب الأهلية التي كان الإخوان و الرهط التكفيري يريد استدراجهم إليه، و هكذا اكتسبت الثورة، شكلا"مستحدثا"لها، بتحويل الشارع المفتوح الى تفويض بالحماية من الجيش الذي تتجسد وظيفته في مثل هذا الدور.
 
إن هديتك، وسام شرف لي، و لك،، و لكل شابات و شباب مصر و لكل من أصطف و هتف في الشوارع و الميادين (إرحل) تحية
من مواطن يريد لشعبه أن ينهض على خرائب الفاسدين المتورطين بنهب بلدهم و التعدي على إرادتهم.
أنحني لكم، أنتم شعب مصر.
و ثقتي عميقة بانتصاركم الأكيد.

 (تسونامي) 3. يونيو
في المقدمة التي أعقبت الإهداء من هذا الكتاب يذكر المؤلف، تجلت تلك اللحظة الصادمة، في انبعاث (تسونامي) 3. يونيو من العام 2013، و هو يجتاح كل ميادين القاهرة و شوارعها و حاراتها و نجوع المحروسة مصر (أم الدنيا)، حاضنة تأريخ عريق، و حضارة ممتدة، و ثقافة وارفة تتعدد و تتنوع، و تكوين فسيفسائي عميق الجذور، و حاضر يحمل عبء المستقبل، و التشوّف للانعتاق من الجهالة.
و الفرادة في 3. يونيو، أنها حققت ما لم تستطع ثورة أكتوبر الروسية أن تنجزه، إذ قامت على إرادة بضع عشرات من ملايين المصريين الذين جمعهم القلق على مصير وطنهم، و الخوف على مستقبله.
و الخروج العظيم للمصريين في 3. يونيو عبر عن رفض الخضوع لفحص تدينهم و إيمانهم، و التوجس من تفكيك دولتهم العميقة و تمزيقها.
و مأثرة الملايين التي خرجت من كل أنحاء البلاد المترامية الأطراف، أنها انساقت وراء قناعتها و إرادتها، غير المؤدلجة أو المحكومة باعتبارات حزبية أو فئوية ضيقة، و لم يكن وراء تعبئتها أو تحريضها، حزب حديدي التنظيم، كما كان عليه حزب البلاشفة في روسيا.
و تميزت كذلك أيضا"بانتباهها المبكرة و انحيازها، لحركة العصبة الجسور من الشبيبة المصرية، المفعمة بالإيمان و الإقدام و الثقة، بالقدرة على إشهار إرادة المصريين التي اغتصبت بالحيلة، على الهواء مباشرة في (صندوق وطني) مبتكر ممتد على مساحة مصر كلها و أمام أنظار و رقابة العالم، لا يحتمل الاقتراع فيه، تزويرا"أو تلاعبا"بالمشاعر أو رشوة و شراء ذمم، أو إنابة عن فقراء الله ممن لا يعرفون القراءة و الكتابة.
و في جانب آخر من 3. يونيو، يُثار الجدل حول هوية ما جرى من حراك، و ما أعقبه من تغيير، و ما يعنيه تدخل القوات المسلحة في تحديد مجرى التحول السياسي في السلطة، و التوصيف الذي يضفيه هذا التدخل المباشر.
و يجري في هذا الجدل، تجاوز مبادأة الحركة الشعبية الملايينية، بالتعبير عن إرادتها في الشوارع و الميادين و الأصقاع و النجوع                         
دون وصاية أو إكراه أو انقياد، و صياغتها أهداف خروجها غير المألوف على الملأ مباشرة.
كما لم تأخذ الولايات المتحدة و أطراف في المجتمع الدولي، الخصوصية السياسية في مصر و العالم العربي، و عموم العالم الثالث، من غياب دور (صندوق الاقتراع) في تجسيد الإرادة الشعبية طوال عقود متصلة، و هيمنة الأنظمة الاستبدادية على (نظافة) و (دلالة) الصندوق، حتى في المجالات اليتيمة، التي كانت تحتكم فيها الى نتائجه، و معطياته التي يشوبها التلاعب و التزوير.

علاقة أمريكا بالقاعدة و الإرهاب
و في كتابه هذا لم يغب عن المؤلف فخري كريم، التطرق الى العلاقة بين أمريكا و الإخوان تخصيصا"و الإرهاب تعميما". 
أسفرت الولايات المتحدة عن وجهها الخفي، غير المعروف على وجه عام، المتورط في تدمير بنى الدولة المدنية في مصر و العالم العربي، فقد أنكشف مخططها المتواطئ مع الإخوان المسلمين في مصر و تنظيمهم الدولي، ليس بمعزل عن إسرائيل كما تؤكد الوقائع الدامغة، خلال عام واحد من رئاسة المعزول محمد مرسي.
و في خط بياني عربي و إقليمي دال على الستراتيجية الأمريكية، الحاضنة للإسلام السياسي في المنطقة، تظهر قطر، و وجود القاعدة الأمريكية فيها.
بالإضافة الى احتضان الجزيرة لمنصات استخبارات و تنصت.
و لا بد في هذا السياق من تحديد الدور الإعلامي و السياسي لقناة الجزيرة التي أصبحت محرضا"و معبئا"، في اتجاهين متلازمين تحت شعار مخادع أصبح الآن مكشوفا"لمن كانوا عونا"لها، تجاه (فضح الأنظمة الديكتاتورية الشمولية)، لم تنج منه المملكة العربية السعودية و بلدان خليجية، مقابل تسويق مباشر للتيارات الإسلامية، الإخوانية بالدرجة الأساسية، و اعتماد الشيخ المنافق (القرضاوي) رمزا"تبشيريا"في حملة التسويق، و بناء قاعدة سياسية و مالية وشبكة علاقات و اتصالات له في المشيخة بمباركة أمريكية – إسرائيلية، بصفته رئيس التنظيم الدولي للإخوان.
في هذا الجانب الذي تطرق له كتاب (الإخوان – الحقيقة و القناع)، من المفيد تأكيد ما أشار إليه المؤلف فخري كريم، إذ صدر في باريس خلال الفترة الأخيرة كتاب (الاخوان المسلمون) للباحث مييكايل برازان، و هو كتاب تحقيق و بحث، يتناول تنظيم الاخوان المسلمين منذ نشوئه و حتى اليوم 0
 وقد رصد الكاتب الحركة الاخوانية في مختلف ظروفها و أحوالها منذ بداياتها مع النازية و الفاشية وصولاً الى المخابرات الأمريكية،                                   
و حتى العلاقة ببعض الرؤساء الغربيين المعاصرين مثل الرئيس ساركوزي.

النازيون و الأمريكيون
 أنشأوا (الإخوان المسلمين)
و مما جاء فيه،  في الخمسينات (1950(جماعة من قدامى الجنود من فروع الـ(SS) الإسلامية و النازيين الذين اعتنقوا الإسلام خططوا لبناء مسجد في ميونيخ . 
الفكرة جاءت من غيرهارد فون ميندي، نازي قديم كان قريباً من روزنبرغ، المنظر العرقي للهتلرية، و الوزير الرايخي للأراضي المحتلة في الشرق، و باعتباره كان المختص بالأقليات الإثنية في الاتحاد السوفياتي في إدارة الرايخ الثالث، فقد كان ميندي مقتنعاً بأن الإسلام يشكل (الرتل الخامس) في مناهضة اليهود والشيوعية.
 و كون مينوس محوراً للتقرب من المسلمين أثناء الحرب فقد عمل على تأصيل التكوينات الإسلامية في الجيش الألماني 0
 فهذه الفكرة هي التي كانت تحركه عندما انطلق في مشروع بناء مسجد في ميونيخ، و من أجل تنفيذه، جنّد أحد المقربين منه نورالدين فمانجاني، الإمام الأزبكي لفرع  (SS) أو شرتور كيشر وافنفرباند، الذي قام بقمع المقاومين البولونيين ضد الاحتلال الألماني في فارصوفيا عام 1944.
و كان فمانجاني عندها الممثل الرسمي للجالية الإسلامية المكونة من اللاجئين الآتين من الأقليات الإسلامية في الاتحاد السوفياتي، و لقد لقي مشروعه دعماً من بؤرة مرتبطة مباشرة بالمخابرات الأمريكية، أو (اللجنة الأمريكية لتحرير الشعوب الروسية)، و التي كان بعض شبكاتها قائمة في ميونيخ 0
فبين الأمريكيين و قدامى  (SS) النازية انسجام في المواقف، أو الأحرى قضية مشتركة: محاربة الشيوعية.
و كان الهدف التلاعب بمسلمي الاتحاد السوفياتي.  
و كانت الولايات المتحدة تراهن آنئذ على الدِّين، خصوصاً على الإسلام، لمواجهة (الإلحاد) السوفياتي 0
و تنظيم رتل إسلامي خامس مهمته محاربة الشيوعية أكثر ملائمة للأمريكيين من جماعة مؤثرة كثيرة في الشرق الأوسط جعلت من محاربة الشيوعية رهانها الأساسي: أي (الاخوان المسلمون).
و هكذا و لكي تموه عدم كفاءة اللجنة التي كانت مجندة لبناء المسجد، كان روبرت دريهير، عميل الاستخبارات الأمريكية الذي كان يدير العملية في ميونيخ، قرر اللجوء الى تمويه معروف عند الجماعة لكي يكون واجهة للمشروع: سعيد رمضان، صهر المؤسس حسن البنا.
 
أما الرئيس الأمريكي أيزنهاور، فقد أجرى اتصالات مباشرة بالاخوان المسلمين أدارها سعيد رمضان عام 1953.
و قد عقد الاجتماع بشكل (ناجح) جداً، بحيث خرج الاخوان و جيوبهم مليئة 0
 و قد أعلن الرئيس الأمريكي دعمه السياسي و مساعدة مالية للتنظيم الاخواني 0
المهم أن كتاب (الإخوان – الحقيقة و القناع) الذي ألفه الكاتب فخري كريم، يعد إضافة مهمة في تناول الدور المشبوه الذي قامت به جماعة الإخوان المسلمين في مصر أبان مراحل الثورة المصرية، و كيف نجحت في بادئ الأمر، استثمارها لصالحها من خلال تسلم الحكم لعام واحد، قبل أن يتم استرداد السلطة منها، عبر تدخل الجيش المصري.